ذو الوزارتين الكاتب أبو عبد الله بن أبي الخصال أعزه الله حامل لواء النباهة، الباهر بالروية والبداهة، مع صون ووقار، وشيم كصفو العقار، ومقول أصفى من ذي الفقار، وله أدب بحره يزخر، ومذهب يباهي به ويفخر، وهو وأن كان خامل المنشأ نازله، لم ينزله المجد منازله، ولا فرع للعلاء هضابا، ولا ارتشف للسناء رضابا، فقد تميز بنفسه، وتحيز من جنسه، وظهر بذاته، وفخر بادواته، والذي الحقه بالمجد، وأوقفه بالمكان النجد، ذكاء طبع عليه طبعه، ونجم في تربة النباهة غربه ونبعه، وتعلق بأبي يحي بن محمد بن الحاج وهو خامل الذكر، عاطل الفكر، فملك قياد ما موله، وهب من مرقد خموله، وقدح استعماله أياه زناد ذكائه، وأبدى شعاع ذكائه، ولم يزل عاثرا معه ومستقلا، ومثريا حينا وحينا مقلا، إلى أن تورطوا في تلك الفتنة التي الفحو حائلها، وما لمحوا مخائلها، وطمعوا أن يغتالوا من أمير المسلمين ملكا معصوما، وأبرموا من كيدهم ما غدا بيد القدر مفصوما، وفي أثناء بغيهم، وخلال حربهم الوبيل وسعيهم، كانت ترد عليهم من قبله أيده الله كتب تحل ما ربطوه، وتروعهم مما تابطوه، فلم يكن لهم بد من أدنائه، لحسن منابه في المراجعة عنهم وغنائه، فورد عليهم ليلة كتاب راعهم، وأنساهم جلادهم وقراعهم، وهم بمجلس أنس فصحوا من حمياه، ومحوا منه عبق الأنس ورياه فاستدعاه في ذلك الحين للمراجعة عن فصوله، والمعارضة لفروعه وأصوله، فأبان عن الغرض، وخلص جوهره من كل عرض، وأبدع في أحكامه، وبرع في قضاياه وأحكامه، فحمل أبا نجي بن محمد استحسان ما كتبه، أن خططه للحين ولقبه، والمدام لرايه البائل مالكة، وبعقله في طرق الخبال سالكة، فلم يعمل فيها فكرا، ولم يأمل أعرافا أتى أم نكرا، فجرت عليه لقبا، وأعلته من الاشتهار مرقبا، وصار مرتسما في العلية، متسما بتلى الحلية، وما زالت الدول تستدنيه نائيا، وتنئيه دانيا، ولا تجعله مجنيا عليه ولا جانيا، فما بيده رفع شومه، ولا محو وشومه، وقد أثبت له ما نجتليه فتستحليه، وتلمحد، فمن ذلك قوله في مغن زار، بعد ما أغب وشط منه المزار. كامل
وافى وقد عظمت علي ذنوبه | في غيبة قبحت بها أثاره |
فحما إساءته بها إحسانه | واستغفرت لذنوبه أوتاره |
وكتب إليه عندما وصل أمير المسلمين، وناصر الدين إلى أشبيلية صادرا عن غزوة طلبيرة سنة ثلث وخمس مائة ووصل في جملته، ونزل بحملته، واتفق لي شغل توالى واتصل، إلى أن رحل أمير المسلمين أيده الله وانفصل، فاسلت عنه فأعلمت أنه سار معه، وما فارق مجتمعه، فكتب إليه نمستدعيا من كلامه ما أثبته في الديوان، وأنبته فيه زهر بستان، فوافاه رسولي من البلد على مرحلة، في ليلة من ضياء البدر محملة، فكتب إلي مراجعا، الحذر أعزك الله يوتى من الثقة، والحبيب يوذي من المقة، وقد كنت أرضى من ودك وهو الصحيح بلمحة، واقنع من ثنائك وهو المسك بنفحة، فما زلت تعرضني للامتحان، وتطالبني بالبرهان، وتأخذني بالبيان، وأنا بنفسي أعلم، وعلى مقداري أحوط وأحزم، والمعيدي يسمع به لا أن يرى، وأن وردت أخباره تترى، فشخصه مقتحم مزدرى، ولا سيما من لا يجلي ناطقا، ولا يبرز سابقا فتركه والظنون ترجمة، والقال والقيل يقسمه، والأوهام تحله وتحرمه، وتحفيه وتخترقه، أولى به من كشف القناع، والتخلف عن منزلة الأمتاع، وفي الوقت من فرسان، هذا الشان، وأذمار هذا المضمار، وقطان هذه المناهل، وهداة تلك المجاهل، من تحسد فقره الكواكب، ويترجل إليه منها الراكب، فأما الأزاهر فملقاة في رباها، ولو حلت عن المسك حباها، وصيغت من الشمس حلاها، فهي من الوجد تنظر بك لعين شكرا، لا نكرا، وإذا كانت أنفاس هؤلاء الفراد مثبوتة، وبدائعهم منثوثة، وخواطرهم على محاسن الكلام مبعوثة، فما غادرت متردما، ولا استبقت لمتاخر متقدما، فعندما يقف الاختيار، وبها يقع المختار، وأنا أنزه ديوانه النزيه، وتوجيهه الوجيه، عن سقط من المتاع، وبها يقع المختار، وأنا أنزه ديوانه النزيه، وتوجيهه الوجيه، عن سقط من المتاع، قليل المتاع، ثقيل روح السرد، مهلك صر البرد، إلا أن يعود به جماله، ويحرس نقصه كماله، وهبه اعزه الله قد استسهل استلحاقه، وطامن له أخلاقه، اتراني أعطي الكاشحين في أثباته يدا، وأترك عقلي لهم سدا، وما أخالك ترضاها لي مع الود خطة خسف، ومهواة حتف، لا يستقل غبينها، ولا يبل ظعينها، وله فصل منها، فلم نحل بطائل وصرنا تحت قول القائل: كامل
ترك الزيارة وهي ممكنة | واتاك من مصر على جمل |
الزيارة هاهنا أعزك الله مثل، لا لفظ محتمل لأني أوجبها، ولا استوجبها، وأفرضها، ولا أفترضها، والتأويل على كل حال لا يتعدى الجميل مذهبا، ولا يتخذ ليل الشك مركبا، وأنت المفتتح للصلة، المولي للمنة المشتملة، وأن رسولك وافاني بكتابك الخطير والشمس واجبة سقوط منازع، وحياة الذي يقضي حشاشة نازع، والبيت قد غص ببانيه، وضاق لفظه عن معانيه، فاختلست أحرفي هذه أختلاس مسارق، والتماح بارق، والخاطر مخاطر، والشغل مساهم مشاطر، يصدر فكري إليه، ويخلع فقري عليه، إلا صبابة، ولا ترد صبابة، ورسيسا، لا يشفي نسيسا، فدونك واهي الدعائم، واهي العزائم، يتبرا تابعه من متبعه، ويفر سامعه من مسمعه، ولولا أن الجواب فرض يجرح معطله، ويخرج عن ملة التصابي مبطله، لاعتذرت، واقتصرت ولكني أوثر حقك وأن أبقى علي دركا، وبوأنى دركا، وقد حملت فلانا ما سمح به الوقت، وان اشتبه علي القصد والسمت، وحاضرت بما يسرت إلى ذكره، على شريطة كتمانه وستره، أنقيادا إلى أمرك، وتصديا غلى عقوقك ببرك، وله أيضا، أيدك الله ليست الأذناب كالأعراف، ولا الأنذال كالأشراف، ولا كل أشراف بإشراف، فثم من يصم ما ولي، ويعمى عن الصبح وقد جلي أن ذكر نسي، وأن عذل فكأنما أغري، وكثيرا ما يمتد شططه، فتحذف نقطه، ويهجر نمطه، وان سمامحناه في الضبط، وامتنعناه بالنقط، نبذ الوفاء، فحذفنا الفاء، وجفا الكريم، فالغينا الميم، وله بعدما بقي، ما ألقى، وان أشرف فعلى الخطير العظيم، وان أطلع ففي سواء الجحيم، ورب طويل النجاد، غريق في الاتهام والانجاد، ولايته أمان، وعمله جنان وخلقه رضوان، تود النجوم أن ينظمها في كتاب، اوينسقها نسق حساب، قد أرتقى بخطته باذخ السناء، وأخذ بضبعها رافعا إلى السماء، فهناك وأنت ذاك، طاب الجنى ودنت المنى، وأيقن الشرف أنه في حرم وحمى، أقسم بالميتسم البارد، والحبيب الوارد، قسما تبقى على الشيب جدته، ويعز على المشيب حدته، ذكرى من ذلك العهد مدت بسببه ومنت إلى القلب بنسبه، ليحتون على الكرام، وليجترون على الأتام، وليأخذن قوق أيديها، وليكفن من تعديها، ما لهم تقحت أثلاثهم، وتسمهم بغير سماتهم، وتصفهم بصفاتهم وتعلهم بعرتهم، فأين أنت من الدب، وسنام قد أستوصل بالجب، وكيف ارتياحك بغير خمران دارت، ولمكرمة كالشمس أشرقت وأنارت، لا جرم إنك منها على ذكر، وبمدرجة حمد وشكر، وما هو إلا الشريف الوحد، ومن لا ينكر فضله ولا يجحد، أبو بكر أعزه الله وناهيك ثناء، وحسبك علاء وسناء، فتى دهي في ضيعته هناك بدواه، ورمي بخطوب غير ريوث ولا سواه، ورأيك أصاب الله برايك، وجبر الأولياء بسعيك، في تحصين مراعاته، وترفيهه ومحاشاته، ولولا عذر منع، لكان على أفقك النير قد طلع، ولكنه استناب قلانا وحسبه أن يودي كتابا، ويقتضي جوابا، ويتصرف على حكمك جيئة وذهابا، أن شاء الله، وله يعتذر من استبطاء المكاتبة. طويل
ألم تعلموا والقلب رهن لديكم | يخبركم عني بمضمره بعدي |
ولو قلبتني الحادثات مكانكم | لا نهبتها وفري وأوطأتها خدي |
ولما نكب الوزير أبو محمد بن القاسم النكبة التي أنبات يتعذر الأوطار، لذوي الأخطار، وأعلنت بكساد الفضائل بكساد الفضائل والمعالي، واستيثار الوضيع على الماجد الغالي، لأنه كان طود كمال، وبحر إجمال، وناظم خلال، وعالم جلال، وحين ثل الدهر عرشه، وأحل سواه فرشه، خاطبه كل زعيم مسليا عن نكبته، وانتقاله من رتبته، فكتب إليه هو في جملة من كتب، وان كان نازلا عن تلك الرتب، برقعه مستبدعة وهي، مثلك ثبت الله فؤادك، وخفف من كاهل المكارم ما أدهى بك وعادك، يلقى دهره مكترث، وينازله بصبر غير منتكث، ويبسم عند قطوبه ويفل شباة خطوبه، فما هي إلا غمرة تنجلي، وخطرة يليها من الصنع الجميل ما يلي، لا جرم أن الحر حيث كان حر، وان الدر برغم من جهله وهل كنت إلا حساما انتضاه، قدر أمضاه، وساعد أرتضاه، فإن أغمده فقد قضى ما عليه، وان جوده فذلك إليه، أما انه ما أنثم حده، ولبس جوهو الفرند خده، لا يعدم طبنا يشترطه، ويمينا يخترطه، هذه الصمصامة تقوم على كرها القيامة، طبقت البلاد أخباره، وقامت مقامه في كل أفق آثاره، قاما حامله فنسي منسي، وعدم منهي، كلا لقد فنيت الحقائق وأنهيت تلك العلائق قلم يصحبه غير غرار، ومتن عار، وكلاهما بالغ ما بلغ، ووالغ معه في الدماء أي ولغ، وما الحسن إلا المجرد العريان، وما الصبح إلا الطلق الأصحيان، وما النور إلا ما صادم الظلام، ولا النور إلا ما فارق الكمام، وما ذهب ذاهب، أجزل منه العوض واهب، وممن قضى حق المساهمة في هذه الحال التي التوى عرضها، وتأخر للأعذار القاطعة فرضها، أسف يردد، وارتماض يجدد، وذنوب على الأيام تحصى وتعدد، وحبا اللئام منها تحل وتعقد، فيعلم الله عز وجهه لقد استوفيت فيك هذه الأيام، ونهيت فيه حتى المرن عن الابتسام انتهى، وفي أيام مقامي بالعدوة اتفقت بيني وبين أبي يحي بن محمد بن الحاج سقى الله مصرعه، وأورده منهل العفو ومشرعه، مودة استحكم تواخيها، وشدت أواخيها، وغدونا بها حليفي صفاء وأخلاص، واليفي أخاء واختصاص، والزمان مساعد وصرفه متباعد، والشباب خضل يانع، والدهر مبيع ما هو له اليوم مانع، والدنيا سرو وإيناس، والأرض ظباء وكناس، فوقع بيني وبينه في بعض الأيام تنازع أدى بنا إلى الانفصال، وتعطيل تلك البكر والآصال، ثم نمي إلي عنه قول ضاق به ذرعي، وأجتث منه أصلي وفرعي، فكلما صدني عن الرحلة صممت، ونكثت من عرى التلوي ما كنت أبرمت، وبعد انفصالي علمت أن ذلك القول غدا زورا، ووشي به من غص أن يرانا زائرا ومزورا، فانقشعت تلك المخيلة، وتحركت لوعة مودته الدخيلة، وأكدت تجديد ذلك العهد الرائق، وكف أيدي تلك العوائق، فكتبت إليه: طويل
أكعبه علياء وهضبة سودد | وروضة مجد بالمفاخر تمطر |
هنئا لملك زان نورك أفقه | وفي صفحتيه من مضائك أسطر |
وأني لخفاق الجناحين كلما | سرى لك ذكر أو نسيم معطر |
وقد كان واش هاجنا لتهاجر | فبت وأحشائي جوى تنفطر |
فهل لك في ود ذوى لك ظاهرا | وباطنه يندى صفاء ويقطر |
ولست بعلق بيع بخسا وأنني | لأرفع أعلاق الزمان واخطر |
فأمره بمراجعتي فكتب بقطعة منها. طويل
ثنيت أبا نصر عناني وربما | ثنت عزمة الشهم المصمم أسطر |
ونالت هوى ما لم تكن لتناله | سيوف مواض أو قنا متاطر |
وما أنا إلا من عرفت وإنما | بطرت ودادي والمودة تبطر |
نظرت بعين لو نظرت بغيرها | أصبت وجفن الرأي وسنان أشطر |
وقدما بذلت الود والحب فطرة | وما الود إلا ما يخص ويفطر |
وكتب إلى الوزير المشرف أبي بكر بن رحيم يهنئه بولاية خطة الإشراف بحضرة أشبيلية وذواتها في شوال سنة خمس عشرة وخمس ماية: وافر
إذا ما شرف الإشراف قوما | فإن بني رحيم شرفوه |
ومن يعرف به لهم قديما | وأن رغمت أنوف عرفوه |
كفاة للملوك على سبيل | ودين نصيحة ما حرفوه |
أبو بكر له ولهم كفيل | بكل كفاية أذ صرفوه |
وما الإشراف إلا عبد قن | فمتى تولى استصرفوه |
هذه أعزك اله بديهة البشرى، وعجالة كعجالة القرى، وبريد إلى أم تلك القرى، فأنا لها بالإقبال ضمين، وعلي إليه ويمين، لتحوطنها أقلامك، وليحمدن فيها مقامك، ولتعرفن بالغرر والحجول أيامك، فحالفك السعد، ولاعدمك الملك الجعد، وأبل وأخلف مثلها جددا بعد، وما حق من بشر با بأعتلاتك، وسرى بأنبائك إلى أوليائك، أن يؤخر مراده، ويضيع عمله واعتقاده، وان الحاج أبا عبد الله بن شعران أملك، الداعي لك، أبقاه الله وجبره أشعرني بهذه المسرة، والديمة الثرة، ولقد هممت على هذا البرد، بخلع البرد، وحل العقد، وفض النقد، فدافعني انقباضا، وأعلمني أن له في علمك أنماه الله أغراضا، تكون على ذلك أثمانا وأعواضا، وأراني عقدا يشهد بعدمه وصحة ما استحثه في مقدمة، وأنه ليس له سوى غرس قد صار عليه كلا، بل استدار في ساقيه كبلا، والتوى في عنقه غلا، وعاض له غلا لا مغلا، ولك الطول أن تفتح نظرك وفقه الله بالتخفيف على مثله من الضعفاء، ومن لا قدرة له على الأداء، وحمل الأعباء فإن ذلك ذكر في العاجل، وأجر في الآجل، أن شاء الله تعالى.