الوزير الكاتب أبو محمد ابن عبد الغفور رحمه الله تعالى قد كنت نويت ألا أثبت له ذكرا، ولا أعمل فيه فكرا، وادعه مطرحا، وأقطعه الإهمال مسرحا، لتهوره، وكثرة تقعره، فإنه بادي الهوج، واعر المنهج، له ألفاظ متعقدة، وأغراض غير متوقدة، لا يفك معماها، ولا يعلم مرماها، مع نفس فاسدة الاعتقاد، ثابتة الأحقاد، تتنكد بالأفراح، وتحسد حتى على الماء القراح، وتغص بفارس يراعة وتتربض الدوائر بحامل براعة، إلى لسان لا ينطق إلا هجرا، وأجفان لا ترمق من توقد الحقد فيها فجرا، فهي ترعى الظلم مكان الأنوار، وتود أن ترى النجاد كالأغوار، أستغفر الله ألا نظمه فربما ألم فيه بالبدائع إلماما، وملك لها زماما، وصرف فيها لسانا صناعا، وأسأل لها بالمحاسن تلاعا، وله سلف نبيه أعقله في حبالة هذا الديوان، وألحقه بأعيان الأوان، وربما نذرت في نثره ألفاظ سهلة الفرض، مستنبلة الغرض، سلسة القياد، وارية الزناد، تقرب مما جمعت، وتمتزج بما روقت وشعشعت، لئلا أكون ممن قصد إغفالا واعتقد إخمالا وتعصب باطلا، وترك مكان الحلي عاطلا، فقد علم الله أني انحرف عن التعليل وأغفر الكثير للقليل، وأتغافل في الهنات لذوي الهيئات واخذ الحسنة من أثناء السيأت، وقد أثبت له ما شذ من إبداعه، ولم أبخل بتضمينه في هذا التصنيف وإيداعه، ورفضت كثيرا من كلامه فقليلا ما يتوضح فجر إحسانه في ظلامه، فمما انتخبت له قوله يمدح لأمير يحيى بن سير ويذكر فرسا أشهب جاء سابقا. بسيط مجزوء
يا ملكا لم يزل قديما | بكل علياء جد وامق |
وسابقا في الندى أتتنا | جياده في المدى سوابق |
لله منها أسيل خد | أهديت شدقه كالجوالق |
حديد قلب حديد طرف | ذو منكب يشبه البواسق |
ذو وحشة في الصهيل دلت | منه على أكرم الخلائق |
أشهب كالرجع مستطير | كأنه الشيب في المفارق |
خب غداة الرهان حتى | أجهد في أثره البوارق |
ما انس لا أنس إذ شاها | مشربات مثل البواشق |
وبدها شربا عتاقا | لم ترض عن خصرها العواتق |
فقمن يمسحن منه رشحا | مطيبات به المخانق |
أفديه من شافع لبيض | قد كن عن بغيتي عوائق |
انصع منه لرأي عيني | سود عذار الفتى الغرانق |
أن الأمير الأجل يحيى | نجل الأمير الأجل سير |
بدر تمام بلا محاق | يجل عن هذه البدور |
حف به كل ذي سناء | أبهى من الكوكب المنير |
كالنجم في رجمه عداه | بكل ماضي الشبا طرير |
وأرعى من النجم للرعايا | أروع سام عن النظير |
لذت به من صروف دهري | فكان من جورها مجيري |
ومد نحوي يدا بجود | أهمي من العارض المطير |
القى شعاعا علي ليلا | فخلتني في سنا منير |
حمى فأرضى الإله ثغرا | حقا له لذة الثغور |
قرت به أعين الرعايا | فاعلموا أكؤس السرور |
وأصبح الشرك في ثبات | يدعون بالويل والثبور |
يا إيها الملك أقبلنهم | على يعابيبك الذكور |
وأنهد إليهم بكل نهد | يأبى عن الابن والفتور |
وشن غارتها عليهم | مثل العراجين من ضمور |
أهلة لا تزال تسري | لتحرز الحظ من ظهور |
أصدرك الله ذا انتقام | من العدى شافي الصدور |
هذا محلك يا أمير | فاعمره متصل السرور |
قصر تضآءلت القصوم | وله ودانت بالقصور |
فاسحب به ذيل العلاءم | مدى الليالي والدهور |
وأنعم باحراز الإمام ني | في الوقود وفي الظهور |
وبمثل قومك جالت ال | نحيل اليعابيب الذكور |
وحكت سماوتنا السما | ء بهم نجوما أو بدور |
وبمثل رأيك أذنت | دهم الحوادث بالسفور |
ماض إذا أعملته | أغناك من مضب ذكير |
واراك من صور العوا | قب كل محتجب ستير |
فليهننا أنا خصص | نا منه بالعلق الخطير |
يربو على ملء العيو | ن إذا ملء الصدور |
لو جاور البحر الخص | م ألم بالنزر اليسير |
أو ديمة وطفأء لم | تنسب إلى مطر غزير |
أن لم يقع شكري لكم | أذكى من الزهر المطير |
لا نلت من زمني سرو | را ارتجيه ولا حبور |
وعليه مني ما حيي | ت تحية الروض النضير |
سر حيث تحله النوار | وأراد فيك مرادك المقدار |
وإذا ارتحلت فشيعتك سلامة | وغمامة لا ديمة مدرار |
تنفي الهجير بظلها وتنيم بالر | ش القتام وكيف شئت تدار |
وقضى الإله بان تعود مظفرا | وقصت بسيفك نحبها الكفار |
فسر ذا راية خفقت بنصر | وعد في جحفل بهج الجمال |
إلى حمص فأنت بها حلي | تغاير فيه ربات الحجال |
مكتبة المنار - الأردن-ط 1( 1989) , ج: 1- ص: 159