محمد بن علي البكري الصديقي محمد بن علي بن محمد الشيخ الإمام شيخ الإسلام وابن شيخ الإسلام العارف بالله وابن العارف به الأستاذ ابن الأستاذ الشيخ شمس الدين ابن أبي الحسن البكري الصديقي، المصري الشافعي. مشهور الآفاق قال الشعراوي: حجبت معه مرتين، فما رأيت أوسع منه خلقا، ولا أكرم نفسا، ولا أجل معاشرة، ولا أحلى منطقا درس، وأفتى في علم الظاهر، والباطن، وأجمع أهل الأمصار على جلالته، ونشأ رضي الله تعالى عنه كما نشأ والده على التقوى، والورع، والزهد، وعز النفس حتى أتته الدنيا، وهي راغمة قال: وأعرف من مناقبه ما لا يقدر الأقران على سماعه انتهى.
أخذ العلوم عن والده، وغيره، وأخبرني الدرويش محمد القدسي نزيل دمشق قال: حدثنا الأستاذ سيدي محمد البكري قال: كان أول فتوحي إني كنت يوما جالسا أطالع في كتاب الفتوحات للشيخ محيي الدين بن العربي، فدخل علي الأستاذ والدي فقال لي: يا محمد ما هذا الكتاب؟ فقلت: يا سيدي فتوحات ابن العربي قال فقال: هذه فتوحات ابن العربي فأين فتوحاتك أنت؟ قال: ففتح لي من ذلك الوقت، وتركت الفتوحات، وغيره. ولما دخل شيخ الإسلام الوالد مصر حاجا منها في سنة اثنتين وخمسين وتسعمئة. كان الشيخ أبو الحسن قد توفي قريبا وكان حضوره مصر تقريرا لسيدي محمد البكري، وتثبيتا له، وبلغني أنه حضر أول مجالسه، وكان سيدي محمد يعترف للشيخ بالأستاذية. كما كان أبوه يعترف لأبيه، ويعتقد أنه لولا الشيخ رضي الدين ما حصل لهم من الفتح، واللسان، والمعرفة ما فتح، وأضاف سيدي محمد البكري في التاريخ المذكور شيخ الإسلام الوالد، وحضر تلك الضيافة من أكابر مصر إذ ذاك جماعة، وحدثني الخواجا إبراهيم بن عثمان بن مكسب قال: كنت لا أقول أن في الدنيا مثل شيخ الإسلام الشيخ بدر الدين والدك، وقد دخلت مكة والمدينة واليمن، ومصر، وغيرها، وكنت يوما ببعض أسواق مصر فمر الشيخ محمد البكري، فرأيت الناس أكبوا عليه وقبلوا يده فقلت مساكين أهل مصر كيف لو رأوا شيخ الإسلام بدر الدين؟ فلما حاذاني سيدي محمد البكري قبلت يده فأمسك على يدي، وقال لي: انظر الشيخ بدر الدين الغزي شيخنا. وأستاذنا، ولكن الاعتقاد مليح، فوقع كلام الشيخ في قلبي، ثم ترددت إليه، وكان هذا سبب اعتقادي فيه. وله رضي الله تعالى عنه تآليف، ورسائل في السلوك وغيره وقفت له على كتاب هداية المريد، إلى الطريق الرشيد، وكتاب معاهد الجمع، في مشاهد السمع، وله ديوان شعر يدل على مشربه الرائق، ومقامه الفائق، ومن شعره ما أورده في كتابه معاهد الجمع:
شربت من نغمات القدس كاساتي | وقام يرقص ناسوتي بآلاتي |
وكنت في حان لاهوتي نشاهده | وشاهدي اليوم ممحو بأثبات |
متى سمعت؟ وإني منه مستمع | والآن فقد بأوصافي وحالاتي |
ولو نظرت وما عنه حجبت وبي | عرائس الجمع يجلوها بمرآتي |
شهدناك في مرآة كل حقيقة | تليح لنا فيها الذي أنت تعلمه |
وتهدي لنا منها قلوبا توجهت | لتعرف ما يخفي المحب ويكتمه |
وأعلمتنا منها بوحدتك التي | بها طلعت من مشرق الحق أنجمه |
فلما عرفناها عرفنا توجها | إليك فلا وهم علينا نحكمه |
فأظهرت وجه النور غير مبرقع | فأذهب عنا ما الفؤاد توهمه |
فعدنا مفيضين المعارف في الورى | وأخمصنا الصيد الأماجد تلثمه |
على أننا في مهلة الشوق لم يرم | وحر هوانا بالتذكر نضرمه |
ونرسل من آماقنا كل مدمع | وحالتنا تقضي بأنا نحمحمه |
يا نسمة البان بل يا نسمة الشيح | أن رحت يوما إلى من عندهم روحي |
خذي لهم من ثنائي عنبرا عبقا | وأوقديه بنار من تباريحي |
صوح النبت فاسقه | قطرة من سحائبك |
وأغثنا فإننا | في ترجي مواهبك |
يا مصر سقيا لك من جنة | قطوفها يانعة ودانيه |
ترابها كالتبر في لطفه | وماؤها كالفضة الصافية |
قد أخجل المسك نسيم لها | وزهرها قد أرخص الغاليه |
دقيقة أصناف أوصافها | وما لها في حسنها ثانيه |
منذ أنخت الركب في أرضها | أنسيت أصحابي وأحبابيه |
فيا حماها الله من روضة | بهجتها كافية شافيه |
فيها شفا القلب وأطيارها | لنغمة القانون كالزارية |
تركت مذ حل ركابي بها | الحساب والهيئة في ناحيه |
والطب والمنطق في جانب | والنحو والتفسير في زاويه |
كذا معان وبيان له | أسهرت عيني برهة وافيه |
وحكمة ثم كلاما به | فقت أهيل الأعصر الماضيه |
فذا زمان ليس يرجى به | لصاحب الفضل سوى ناريه |
من شاء أن يحيي سعيدا به | منعما في عيشة راضيه |
فليدع العلم وأصحابه | وليجعل الجهل له غاشيه |
وليترك الدرس وتدريسه | والمتن والشرح مع الحاشيه |
إلى م يا دهر وحتى متى | تشقى بأيامك أياميه |
تحقق الآمال مستعطفا | وترفع النقص بآماليه |
وهكذا تفعل في كل ذي | فضيلة وهمة عاليه |
فإن تكن تحسبني منهم | فهي لعمري ظنة واهيه |
دع عنك تعذيبي وإلا فأشكو | ك لدى ذي الحضرة العاليه |
سيدنا الأستاذ كهف الورى | منقذهم من درك الهاويه |
ومرشد الخلق إلى الحق ذي المنا | قب الظاهرة الساميه |
سرت مع الركبان في شرقها | ومغرب أكرم بها ساريه |
إن كنت تبغي أن ترى جنـ | ـة الفردوس فأحضر ساعة ناديه |
والثم ثرى أعتابه خاضعا | وعفر الخد مع الناصيه |
وشنف الأذن بألفاظه | إن كنت ممن أذنه واعيه |
فتنظر الفيض اللدني والأسـ | ـرار مستكشفه باديه |
يا سيدي إني امرؤ لم أزل | إلى العلا ذا قدم ساريه |
قد طفت في الأض بأكنافها | من حضر فيها ومن باديه |
وأبصرت عيناي كل أمرئ | في فنه ذا قدم راسيه |
وكل طود شامخ يهتدي | بنوره في الظلمة الداجيه |
حتى توصلت إلى خدمة | الأستاذ من مملكة نائيه |
أطوي الفيافي قاصدا نحوه | ميمما سدته العاليه |
فاستحقرت عيناي من كنت قد | أبصرته في الأعصر الماضيه |
من أبصر البحر فمن شأنه | أن يستقل النهر والساقيه |
مولاي عذرا إن فكري غدا | مشتتا من سوء أحواليه |
صفاتكم أعلى منالا من أن | تخطر مولاي على باليه |
وهذه الأبيات كاللغو والأستـ | ـاذ لا يستمع اللاغيه |
خلت من المعنى فكن قانعا | مولاي بالوزن مع القافيه |
لا زال حسادك في ذلة | ومقلة دامعة داميه |
ولا برحت الدهر ذا عزة | ونعمة واسعة صافيه |
مات من نسل أبي بكر فتى | كان في مصر له قدر مكين |
قلت لما الدمع من عيني جرى | ارحوه مات قطب العارفين |
دار الكتب العلمية - بيروت-ط 1( 1977) , ج: 3- ص: 60