علي بن ميمون المغربي علي بن ميمون المغربي: علي بن ميمون بن أبي بكر بن علي بن ميمون بن أبي بكر بن يوسف بن إسماعيل بن أبي بكر بن عطا الله بن حيون بن سليمان بن يحيى بن نصر، الشيخ المرشد المربي القدوة الحجة ولي الله تعالى العارف به السيد الشريف الحسيب النسيب أبو الحسن بن ميمون الهاشمي القرشي المغربي الغماري الفاسي أصله. كما قال ابن طولون من جبل غارا - بالغين المعجمة - من معاملة فاس، وقال الشيخ موسى الكناوي: أصله من غمارة، وسكن مدينة فاس، واشتغل بالعلم، ودرس، ثم تولى القضاء، ثم ترك ذلك ولازم الغزو على السواحل، وكان رأس العسكر، ثم ترك ذلك أيضا، وصحب مشايخ الصوفية، ومنهم الشيخ عرفة القيرواني، فأرسل الشيخ عرفة إلى أبي العباس أحمد التوزي الدباسي، ويقال: التباسي - بالتاء - ومن عنده توجه إلى المشرق. قال الشيخ موسى: فدخل بيروت في أول القرن العاشر، وكان اجتماع سيدي محمد بن عراق به أولا هناك، ولما دخل بيروت مكث ثلاث أيام لم يأكل شيئا، فاتفق أن ابن عراق كان هناك، وأتى بطعام، فقال لبعض جماعته: ادع لي ذلك الفقير فقام السيد علي بن ميمون، وأكل، وقال ابن عراق لأصحابه: قوموا بنا نزور الإمام الأوزاعي فصحبهم ابن ميمون لزيارته، ففي أثناء الطريق لعب ابن عراق على جواده كعادة الفرسان، فعاب عليه السيد علي بن ميمون. فقال له: أتحسن لعب الخيل أكثر مني؟ قال: نعم، فنزل ابن عراق عن فرسه، فتقدم إليه سيدي علي، فحل الحزام وشده كما يعرف، وركب ولعب على الجواد، فعرفوا مقداره في ذلك، ثم انفتح الأمر بينهما إلى أن أشهر الله تعالى الشيخ علي بن ميمون، وصار من أمره ما صار. قال الشيخ موسى: كذا أخبرني علي الغرياني المغربي عن شيخه علي الكيزواني، عن سيدي محمد بن عراق، وقال في الشقائق: إنه دخل القاهرة، وحج منها، ثم دخل البلاد الشامية، وربى كثيرا من الناس، ثم توطن بمدينة بروسا، ثم رجع إلى البلاد الشامية، وتوفي بها.
قال: وكان لا يخالف السنة حتى نقل عنه أنه قال: لو أتاني السلطان أبو يزيد بن عثمان لا أعامله إلا بالسنة، وكان لا يقوم للزائرين، ولا يقومون، وإذا جاءه أحد من أهل العلم يفرش له جلدة شاة تعظيما له، وكان قوالا بالحق لا يخاف في الله تعالى لومة لائم، وكان له غضب شديد إذا رأى في المريدين منكرا يضربهم بالعصا. قال: وكان لا يقبل وظيفة ولا هدايا الأمراء والسلاطين، وكان مع ذلك يطعم كل يوم عشرين نفسا من المريدين، وله أحوال كثيرة، ومناقب عظيمة. انتهى.
وكان من طريقته ما حكاه عنه سيدي محمد بن عراق في كتاب السفينة أنه لا يرى لبس الخرقة ولا ألباسها وذكر الشيخ علوان رضي الله تعالى عنه أنه كان لا يرى الخلوة، ولا يقول بها، وكان إذا بلغه أن أحدا سبه، أو ذمه، أو نسبه إلى جهل، أو فسق، أو بدعة يتأول ما يتأول عنه، وكان يقال عنه: كناز وكيماوي ومطالبي فيقول: نعم أنا كناز، وعندي كنز عظيم، ولكن لا يطلبونه ولا يسألوني عنه، وأنا كيماوي ولكن لا يطلبون ما عندي من الكيمياء، وأنا مطالبي وعندي مطلب نفيس مزهود فيه، ويشير إلى كنز العلم، ومطلب المعرفة، وكيمياء الحقيقة، وكان كثيرا ما يقول: جواب الزفوت السكوت، ومن وصاياه: إجعل تسعة أعشارك صمتا، وعشرك كلاما، وكان يقول: الشيطان له وحي وفيض، فلا تغتروا بما يجري في نفوسكم وعلى ألسنتكم من الكلام في التوحيد والحقائق حتى تشهدوه من قلوبكم، وكان إذا أتاه متظلم من الحكام يقول له: أصلح حالك مع الله، فمن أصلح ما بينه وبين الله أصلح الله ما بينه، وبين خلقه، وكان ينهى أصحابه عن الدخول بين العوام، وبين الحكام، ويقول: ما رأيت لهم مثلا إلا الفأر والحيات فإن كلا منهما مفسد في الأرض، فالحيات مسلطة على الفار، والفار مسلطة على الناس، وكذلك العوام سلط بعضهم على بعض، فسلط الله تعالى الحكام عليهم، وكما أنه لا بد أن يسلط على الحية قاتلا يقتلها أو يأتيها أجلها سلط على الظالم ظالما آخر، وكان شديد الإنكار على علماء عصره، وكان يسمي القضاة القصاة والمشايخ المسايخ، والفقيه الفقيع من فقع اللبن إذ فسد، وكان من كلامه لا ينفع الدار إلا ما فيها، وكان يقول أيضا: لا تشتغل بعد أموال التجار وأنت مفلس، وكان يقول: أسلك ما سلكوا تدرك ما أدركوا، وكان يقول: لا تخلطوا الحقائق ويستدل بقوله تعالى: {ولا تلبسوا الحق بالباطل} وكان يقول: عجبت لمن يقع عليه نظر المفلح. كيف لا يفلح قلت: وهو منقول عن سيدي أحمد بن الرفاعي - رضي الله تعالى عنه - وكان يقول: يبصر أحدكم القذاة في عين أخيه، ولا يبصر الجذع في عينه. قلت: هو حديث رواه الإمام أحمد من طريق أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - ولفظه يبصر أحدكم القذى في عين أخيه، وينسى الجذع في عينه، وكان يقول: كنزك تحت جمارك، وأنت تطلبه من عند جارك، وله كلام غير هذا، وله من المؤلفات شرح الجرومية على طريقة الصوفية، وكتاب ’’غربة الإسلام، في مصر والشام’’، وما والاهما من بلاد الروم والأعجام، ورسائل عدة منها ’’بيان فضل خيار الناس، والكشف عن مكر الوسواس’’، ’’ورسالة الإخوان، من أهل الفقه وحملة القرآن’’، و ’’كشف الإفادة، في حق السيادة’’، و ’’مواهب الرحمن، وكشف عورات الشيطان’’، و ’’تذكرة السالكين’’، و ’’تذكرة المريد المنيب، بأخلاق أصحاب الحبيب’’، كذا في ترجمته لابن طولون ورسالة لطيفة سماها ’’تنزيه الصديق، عن وصف الزنديق’’، ترجم فيها الشيخ محيي الدين بن العربي، وذكر في أولها أن سبب تأليفها أنه دخل دمشق في سنة أربع وتسعين وثمانمئة، فسمع عن بعض أهلها استنقاص الشيخ محيي الدين بعد أن زار الشيخ عبد القادر ابن حبيب الصفدي بها في شعبان من هذه السنة، وهو الذي عرفه بابن العربي، وبمقامه في الصالحية. قال: وكنت أسمع به في المغرب، ولا أدري من حاله سوى أنه من أهل العلم والخير، فقصدت زيارته، فانتهيت إلى حمام يقال له: حمام الجورة، فسألت من الحمامي أن يفتح لي باب مقامه، فصعد من بعض الجدران، وفتح لي باب مقامه، فوجدته ليس فيه أثر العواد، وفيه عشب يابس يدل على أن أحدا لا يأتيه إلى أن قال: ثم قعدت عند قدميه الكريمتين كما ينبغي. بل أقول قعدت على سوء الأدب إذ هو أن أقف خارج المقام بالكلية في مقام السائل المقتر لكن أخطأت. وأسأل الله تعالى بلطفه أن يتوب علي من ذلك. قال: ثم رأيت في مشهد قبره عند رأسه حجرا مكتوبا فيه قوله تعالى: {ادع إلى سبيل ربك} الآية، فعند ذلك قوي نور اعتقادي في الشيخ، وتزايد نورا على نور حتى ملأ ظاهري وباطني، وكنت قصدت بلاد ابن عثمان رجاء الجواز من هناك إلى المغرب، فدخلت برصة غرة المحرم سنة خمس وتسعين، فلما كان تسع وتسعمئة خطر بنا إلى تقييد بعض كلمات في إظهار شيء من محمود صفاته، ثم ذكر - رحمه الله تعالى - ترجمة الشيخ ابن العربي - رضي الله تعالى عنه - ودل هذا الكلام منه على أنه كان له اعتقاد زائد في ابن العربي، وهو ما عليه أعيان المتأخرين، ومن العلماء المحققين، والصوفية المتعمقين، رضي الله تعالى عنهم أجمعين -، ودل هذا الكلام منه أيضا أنه - رضي الله تعالى عنه - دخل دمشق قبل القرن العاشر وذكر سيدي محمد بن عراق رضي الله تعالى عنه - في كتاب السفينة أن سيدي علي بن ميمون دخل دمشق سنة أربع وتسعمئة.
وذكر ابن طولون في تاريخه مفاكهة الإخوان أن سيدي علي بن ميمون أول ما دخل دمشق دخل في أواخر سنة اثنتي عشرة وتسعمئة، فهرع الناس إليه للتبرك به، ونزل بحارة السكة بالصالحية، وصار يعمل بها ميعادا، ويرشد الناس، وممن صعد إليه للأخذ عنه الشيخ عبد النبي شيخ المالكية، والشيخ شمس الدين بن رمضان شيخ الحنفية، وسلكا على يديه، وخلق من الفضلاء انتهى.
ولا تنافي بين هذا وبين ما تقدم لأن ما ذكره ابن طولون هو مبلغ علمه إذا لم يعلم بقدمة ابن ميمون الأولى، والثانية حين ذكر هذا الكلام، وأيضا فإن سيدي علي بن ميمون لم يشتهر في بلاد العرب بالعلم والمشيخة والإرشاد إلا بعد رجوعه من الروم إلى حماة سنة إحدى عشرة، ومكث بها مدة طويلة، ثم قدم منها إلى دمشق في سابع عشري رجب سنة ثلاث عشرة وتسعمئة كما ذكره سيدي محمد بن عراق في سفينته، وتقدم في ترجمة ابن عراق من هذا الكتاب. قال ابن عراق: وأقام - يعني شيخه ابن ميمون - في قدمته هذه ثلاث سنوات، وخمسة أشهر، وأربعة عشر يوما يربي ويرشد ويسلك ويدعو إلى الله تعالى على بصيرة. قال: واجتمع عليه الجم الغفير. قال: وكنت حينئذ متجردا معي جماعة ممن أصلحهم عشرة سيدي الشيخ عبد النبي مفتي المالكية وسيدي محمد بن رمضان مفتي الحنفية، وسيدي أحمد بن سلطان كذلك، وسيدي عبد الرحمن الحموري مفتي الشافعية، وسيدي إسماعيل الدنابي خطيب جامع الحنابلة، وأبو عبد الرحمن قيم الجامع، وسيدي عيسى القباقبي المصري، وسيدي أحمد ابن الشيخ حسن، وجاره حسن الصواف، وسيدي الشيخ داود العجمي. انتهى.
قلت: وكان ممن اصطحب به شيخ الإسلام الجد - رضي الله تعالى عنه - وكان يحضر سيدي علي بن ميمون دروسه ومجالسه، فكان الجد - رضي الله تعالى عنه - يقول لابن ميمون حين يحضر عنده: يا سيدي علي أمسك لي قلبي. أمسك لي قلبي، وممن اجتمع به شيخ الإسلام الوالد، وكان يومئذ في سن الثماني أو التسع لكنني لم أتحقق عنه أنه أخذ عنه شيئا، أو لم يأخذ عنه، وكان شيخنا الشيخ حسن الصلتي المقري يذكر أنه رأى سيدي علي بن ميمون، وحضر مجالسه، فعلى هذا يكون بحمد الله تعالى قد صحبنا في طريق الله تعالى من صحبه، ومن كراماته أنه حصلت بين رجلين من الفقراء المتجردين عنده منافرة، فخرج أحدهما على وجهه، فسمع الشيخ بذلك، فقال: لمن كان السبب في ذلك: إما أن تأتي به، وإما أن تذهب عني، فلم يلبث يسيرا إلا والذي خرج على وجهه قد دخل على الشيخ، وهو يبكي، وذكر أن الشيخ تشكل له في صورة أسد، وكان كلما توجه إلى طريق منعه من سلوكها، ومن كراماته أن المطر حبس بدمشق في سنة ثلاث عشرة وتسعمئة، فكتب سيدي علي بخطه درجا إلى نائب دمشق سيبائي، فحضر النائب بالدرج إلى الجامع الأموي في يوم الجمعة رابع رمضان، فقرأه على مفتي دار العدل السيد كمال الدين بن حمزة، وقضاة القضاة الثلاثة الشافعي ابن الفرفور، والمالكي خير الدين، والحنبلي نجم الدين بن مفلح، فإذا فيه آيات من القرآن العظيم، وأحاديث من السنة في التحذير للترك ونحوهم من الظلم، ثم انتقل إلى الفقهاء والقضاة فحذرهم من أكل مال الأوقاف، ثم حث على الاستغفار، وذكر ما يتعلق بذلك، ومن نقل ذلك من السلف بحيث أن سيبائي ذرف دمعه فهم في أثناء قراءة الدرج وقع المطر، وجاء الله تعالى بالغيث كذلك ذكر هذه الواقعة ابن طولون، وأنا لا أشك في أنها كرامة ظاهرة، وانتقد ابن طولون على الدرج المذكور أن صاحب الترجمة تعرض فيه لذكر الشيخ تقي الدين ابن قاضي عجلون وبذكر غيره، ولامهم فيه على ترك الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وأنا أقول: لا انتقاد عليه في ذلك أصلا، فإنه أراد النصيحة، وأظن أن الفتنة التي وقعت بين التقوي ابن قاضي عجلون، وابن أخته السيد كمال الدين، وبقية أعيان دمشق بسبب هدم التربة كما تقدم شرحها في ترجمة السيد وغيرها أيضا. إنما كانت بسبب توجه سيدي علي بن ميمون بقلبه عليهم، وتكدر خاطره، ويؤيد ذلك أن هدم التربة المذكورة كان في ثاني رمضان المذكور، ثم استفتي الشيخ تقي الدين في هذه الأيام في هذه الواقعة، وأفتى بعدم الهدم، ثم هاجت الفتنة بعد ذلك، وانتشر شرها، وتطاير شررها حتى طلب الشيخ تقي الدين وابن أخته وآخرون إلى السلطان الغوري بمصر، وصودروا بأموال كثيرة، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ثم رأيت ابن طولون ترجم سيدي علي بن ميمون في التمتع بالأقران، وذكر من مصنفاته ’’بيان فضل خيار الناس، والكشف عن مكر الوسواس’’، و ’’الرسالة الميمونية، في توحيد الجرومية’’، و ’’بيان غربة الإسلام، ورسالة الإخوان، من أهل الفقه وحملة القرآن’’، و’’كشف الإفادة، في حسن السيادة’’، و ’’مواهب الرحمن، في كشف عورات الشيطان’’، وغير ذلك، وقال: قدم دمشق فتلقاه الشيخ عبد النبي، وأنزله بحارة السكة بالصالحية، وهرع للسلام عليه طلبة العلم والفضلاء والعلماء والقضاة والأمراء، وصار يسأل كلا عن اسمه، وينهاه عن ذكره اللقب إن ذكره، ثم عن حرفته ويوصيه بتقوى الله تعالى، ثم يوجه نفسه إلى القبلة، ويرفع يديه إلى وجهه ويقرأ له الفاتحة، ويدعو له ويصرفه، وإن رأى في ملبسه شيئا منكرا ذكره. قال: ثم عقد للتسليك مجلسا في منزله، فتلمذ له خلق من المذاهب الأربعة كالشيخ عبد النبي من المالكية، والشمس ابن رمضان من الحنفية، والشهاب بن مفلح من الحنابلة، والزين الحموري من الشافعية، وآخر من تسلك على يديه منهم القاضي أبو عبد الله محمد بن عراق، وشاع ذكره وبعد صيته، وصار كلامه مسموعا عند الأمراء خصوصا نائب الشام سيبائي، ولهم فيه اعتقاد زائد، ثم قال ابن طولون: اجتمعت به وسلمت عليه، ثم ترددت إلى مجلسه، فما رأت عيني أعظم شأنا منه لكنه كان يستنقص الناس، وقال أحيانا: ما رأيت في هذه المملكة أعلم من ابن حبيب الصفدي. قال: وكان ابن حبيب مشهورا بمحبة ابن العربي، ويتبجح بها انتهى.
قلت: وما ذكره عن أنه كان يستنقص الناس هذا إنما كان من سيدي علي بن ميمون على سبيل التنهيض لمن يستنقصه، وينكر عليه لا على سبيل احتقار الناس واستصغارهم، وتأييد نفسه عليهم، ومن كرامات ابن ميمون - رضي الله تعالى عنه - أيضا ما ذكره الشيخ علوان في شرح تائية ابن حبيب أن رجلا من أعيان دمشق وفضلائها في العلم والتدريس. قال: فبلغني أنه تفرس فيه أنه لا يكون منه نتيجة، وكان ذلك بعد أن تجرد ذلك الرجل وارتكب أنواعا من الرياضة والمجاهدات، وحكى سيدي محمد ابن سيدي علوان في تحفته. قال: أخبرني شفاها جمع ممن سكن قرية مجدل معوش التي هي قرية الشيخ، وقبره فيها أنه كان في جوارهم، وفي قريتهم كروم قد يبست أغصانها، وفسدت عروقها، وتعطلت بالكلية، فمذ حل الشيخ المذكور بتلك الأراضي عادت الأراضي المجدبة مخصبة، وعادت أشجار العنب المذكورة أيضا إلى أحسن ما يكون، وأينعت ثمارها. قال: وهي مستمرة من ذلك الآن إلى هذا الزمان، ولم يعرف ذلك إلا من بركته، وذكر أيضا أن بعض أهل العلم حكى له، وقد توجه لزيارة قبر سيدي علي بن ميمون - رضي الله تعالى عنه - في سنة سبع وثلاثين وتسعمئة فقال: إن من غريب كرامات من أنتم متوجهون لزيارته، ما شاهدته بعيني ذلك أن رجلا من الأجناد أرسل كلبا قال: أو صقرا على غزال، فركضت الغزال حتى جاءت إلى الأرض التي هو مدفون فيها، فدخلتها واجتمعت في ظل الشيخ، فقيل للجندي: دعها فإنها قد فعلت فعل العائذ بقبر الشيخ، فلم يلتفت إلى مقالتهم، وجاء إليها وهي قائمة، فلم تبرح مكانها، حتى أمسكها الجندي بيده وذبحها وأكل من لحمها، فلما فرغ من أكله أخذه وجع في بطنه، واستمر حتى مات من ليلته، فلما غسل كان لحمه على المغتسل متقطعا قطعا حتى كأنه أكل شيئا مسموما قال: فعلمت أنا وغيري أن ذلك كله من بركة الشيخ انتهى.
وكان سبب انتقال سيدي علي بن ميمون من دمشق إلى مجدل معوش، وهي قرية من معاملة بيروت أنه دخل عليه، وهو بصالحية دمشق قبض، واستمر ملازما له حتى ترك مجلس التأديب، وأخذ يستفسر عن الأماكن التي في بطون الأودية، ورؤوس الجبال حتى ذكر له سيدي محمد بن عراق مجدل المعوش، فهاجر إليها في ثاني عشر المحرم سنة سبع عشرة وتسعمئة. قال سيدي محمد بن عراق: ولم يصحب غيري، والولد علي، وكان سنه عشر سنين، وشخصا آخر عملا بالسنة، وأقمت معه خمسة أشهر، وتسعة عشر يوما، وتوفي ليلة الاثنين حادي عشر جمادى الآخرة، ودفن بها في أرض موات بشاهق جبل حسبما أوصى به. قال: ودفن بعده خارج حضرته المشرفة رجلان وصبيان وامرأتان، وأيضا امرأتان وبنتان الرجلان محمد المكناسي، وعمر الأندلسي والصبيان عبد الله، وكان عمره ثلاث سنين، وموسى بن عبد الله التركماني، والامرأتان أم إبراهيم وبنتها عائشة زوجة الذعري، والامرأتان الأخريان مريم القدسية، وفاطمة الحموية، وسألته عند وفاته عن أمور منها: أين أجعل دار هجرتي؟ فقال: مكان يسلم فيه دينك ودنياك، ثم تلا قوله تعالى: {إن الذين توفاهم الملآئكة} وقال ابن طولون في حوادث سنة سبع عشرة وتسعمئة من تاريخه: ويوم الجمعة تاسع عشرته - يعني جمادى الآخرة - بعد صلاتها بالجامع الأموي نودي بالسدة بالصلاة غائبة على الشيخ العالم السيد علاء الدين علي بن ميمون المغربي. قال: وقد صح أنه توفي ليلة الخميس حادي عشرة بتل بالقرب من مجدل معوش، وبه دفن انتهى. ولم يختلف قول سيدي محمد بن عراق في السفينة، وقول ابن طولون، والشيخ موسى الكناوي أن سيدي علي بن ميمون توفي في ليلة الحادي عشر من جمادى الآخرة غير أن في كلام ابن طولون أنه كان يوم الخميس، وتقدم أنه كان يوم الاثنين، وقول ابن طولون أصح لأنه أرخ هو والحمصي وغيرهما مستهل جمادى المذكورة أنه كان يوم الاثنين، فيكون حادي عشرة يوم الخميس بلا شك رحمه الله تعالى.

  • دار الكتب العلمية - بيروت-ط 1( 1977) , ج: 1- ص: 272