عبد القادر بن محمد بن حبيب عبد القادر بن محمد بن حبيب: عبد القادر بن محمد بن عمر بن حبيب الشيخ العالم الزاهد العارف بالله تعالى الصفدي الشافعي صاحب التائية المشهورة، أخذ العلم والطريق عن الشيخ العلامة الصالح شهاب الدين بن أرسلان الرملي صاحب الصفوة وعن غيره، وكان خامل الذكر بمدينة صفد، مجهول القدر عند أهلها لا يعرفون محله من العلم والمعرفة، وكان يقرئ الأطفال، ويباشر وظيفة الأذان حتى لقيه سيدي علي بن ميمون، فسمع شيئا من كلامه، فشهد له ذوقه بأنه من أكابر العارفين، وأعيان المحبين، فهناك نشر ذكره وعرف الناس قدره، كما ذكر ذلك الشيخ علوان الحموي في أول شرح تائية ابن حبيب. قلت: وحدثني بعض الصالحين الثقات أن السيد علي بن ميمون كان سبب رحلته من الغرب طلب لقي جماعة أمره بعض رجال المغرب بلقيهم، منهم ابن حبيب، وقال: إنه في بلدة من بلاد الشام بين جبال وآكام، فلما دخل ابن ميمون البلدان الشامية تطلب ابن حبيب في قرايا البقاع، ووادي التيم، وما والاهما حتى دخل قرية دربل، فوجدها قريبا مما وصف له به بلدة بن حبيب، فلما دخل ابن ميمون دربل أحس به ابن حبيب وهو بصفد، وهذا لا يبعد على أولياء الله تعالى، فنظروا إلى ابن حبيب ذات يوم، وهو يحلق سبابة يده اليمنى في كف يده اليسرى، وهو يقول عند كل تحليقة: در دربل در دربل حتى حلق أربعين تحليقة، فكان ابن ميمون إذا أصبح كل يوم دار نواحي دربل يتصفح وجوه أهلها، ولا بغيته فيهم حتى دارها أربعين يوما بعدد تحليقات ابن حبيب، ثم خرج ابن ميمون من دربل، وسافر حتى دخل بلدة صفد، فتنشق أنفاس ابن حبيب، فدخل عليه المكتب، فقعد ناحية، فأضافه الشيخ عبد القادر بن حبيب وأكرمه، ثم لما أطلق الأولاد قال لابن ميمون: يا رجل إني أريد أن أغلق باب المكتب، فنظر إليه سيدي علي بن ميمون أعبد القادر أما كفاك ما أتعبتني أربعين يوما بقولك در دربل در دربل حتى تطردني الآن؟ فقال له ابن حبيب: يا أخي إذا كان كذلك فاسترني. قال: بل والله لأفضحنك وأشهرنك، فما زال سيدي علي بن ميمون - قدس الله سره - بابن حبيب حتى أشهره، وعرف الناس بمقداره حتى رمقوه بالأبصار، وشدت لزيارته الرحال من الأقطار، قال الشيخ علوان - رحمه الله تعالى -: هذا وهو متسبب بأسباب الخمول، متلبس بأمور لا تسلمها علماء النقول، ولا تسعها منهم العقول، إذا كان ممن أقيم في السماع، وكشف القناع، والضرب ببعض الآلات، والبسط والخلاعات، ثم اعتذر - رضي الله تعالى عنه - عن ضربه بالآلات بما هو مذكور في شرح التائية. وبالجملة، فكان ابن حبيب - رضي الله تعالى عنه - متسترا بالخلاعة والنفخ في المواصيل، والضرب على الدف على الإيقاع حيثما كان في الأسواق والمحافل كل ذلك لأجل التستر، {ويأبى الله إلا أن يتم نوره}، ويظهر أمره حتى رسخ في النفوس أنه من كمل العارفين، وكان حيثما سمع الأذان وقف وأذن، وكان ربما مشى بدبوس إمام نائب صفد، وكان لا يمكن أحدا من تقبيل يده، وإنما يبادي للمصافحة، ويطوف على أهل السوق فيصافحهم في حوانيتهم واحدا واحدا، وكان يداعب الناس سمع قائلا يقول عن الله تعالى: كريم. فقال: ليس كريم، فتعجب منه، فقال: ليس كريم أي لا يشبه ريما، وهو الظبي ولا غيره لأنه ليس كمثله شيء. وقال مرة: عمري كذا كذا ألف سنة - بكسر السين - فأنكر عليه. فقال: أردت بالسنة النعاس، وكل ذلك تسترا وتمويها. ولا يزداد الناس فيه إلا اعتقادا، وكان يقول: يأتوني فيقولون: سلكنا وغزلهم معرقل، وكان يقول: لو جاءني صادق لطبخته في يومين، وكان في بداءته يثور به الغرام، وتسري فيه المحبة والشوق حتى يفيض على رأسه الماء من إناء كبير، فلا يصل إلى سرته من شدة الحرارة الكائنة في بدنه، وكان ينفرد الأيام والليالي في البراري والصحاري حتى فجأته العناية، ووافته الهداية، وجاءته الفيوض العرفانية، والمواهب الربانية، وكان لا يتكلم في رمضان إلا بإشارة خوفا من النطق بما لا يعني، وكان لا يقبل هدايا الأمراء، ولا يشير إلى مسلم بيده اليسرى وكان إذا جاءته رسالة من إخوانه لا يأخذها إلا متوضئا. وقال مرة لبعض أصحابه: تقدم فامش أمامي، ثم أخبره عن سبب ذلك أنه كان معه كتاب فيه بسم الله الرحمن الرحيم، ففعل ذلك تعظيما لاسم الله تعالى، وكان مبتلي بأمراض وعلل خطيرة حتى عمت سائر جسده، وربما طرحته في الفراش وهو على وظائفه ومجاهداته، وكان يعاقب نفسه إذا اشتهت شيئا بإحضار الشهوة، ومنعها إياها أياما، وكان يعتقد ابن العربي اعتقادا زائدا، ويؤول كلامه تأويلا حسنا، وبعث إليه سيدي علي بن ميمون مرة يستأذنه في الزيارة، فبعث إليه يقول: إن مشكاح الأسواق لا يزار، ثم سافر ابن حبيب إلى دمشق، وكان سيدي علي بالبترون، فحضر إلى دمشق، ونزل بمكانه بالصالحية، وكان ابن حبيب نازلا عند الشيخ عبد النبي المالكي بدمشق، ولم يجتمعا بالأشباح في هذه المرة، ولما بلغه أن سيدي علي يذكره في مجلس التربية بين الفقراء أنشدها ضمنا لنفسه:
ولقد سما الكلب الحقير إلى السهى | لما تلفظت الأسود بذكره |
لما عفوت، ولم أحقد على أحد | أرحت نفسي من حمل المشقات |
يا صاح كم ذا التواني والتلاهي وكم | تسوف العمر ولى في المحالات |
الحق يدعوك في الإسحار، فاسع وقم | وافتح فؤادك، وانشق طيب نفحات |
واستحل واستجل أبكار المعاني وطب | وناج ربك في ترتيل آيات |
وأحسن الظن فيه، واستعن به | فاستغن والجأ إليه في الأمورات |
واغرس بقلبك أشجار الوداد له | واخليه من شوك سعدان الخليقات |
وصالح الله وأصلح ما تريد كما | تطيع مولاك تلقى منه طاعات |
لم يعلم المدبرون الشوق منه لهم | لفطروا كيف في أهل المحبات |
إن يمش قاصده يأتيه هرولة | لبدك اللازم انهض كم إضاعات |
دع الزمان وأهليه ونفسك لا | تذهب عليهم أخا العرفان حسرات |
كالوقت من كان معه كيف حل ومن | أضحى مع الله لا يلهو بأوقات |
طوبى لمن ذاق كأسا من محبته | ودام حتى حظي منه بكاسات |
من قام بالنفس لم يثبت وقد ثبتا | من قام في الله في أهنى هنيئات |
خوف المحب، وفسق العارفين كذا | كذب المريد فساد في الطريقات |
إن لم تجد منصفا للحق دعه إلى | مولى الموالي ومساك السموات |
أنا الضيغم الضرغام صمصام عزمها | على كل صب في الغرام مصمم |
وما سدت حتى ذقت ما الموت دونه | كذا حسن عشقي في الأنام يترجم |
دار الكتب العلمية - بيروت-ط 1( 1977) , ج: 1- ص: 243