عبد البر بن محمد بن الشحنة عبد البر بن محمد بن الشحنة: عبد البر بن محمد بن محمد قاضي القضاة، أبو البركات، سري الدين، ابن قاضي القضاة أبي الفضل محب الدين ابن قاضي القضاة أبي الوليد محب الدين أيضا ابن الشحنة، الحنفي. ولد بحلب سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، ثم رحل إلى القاهرة، فاشتغل في علوم شتى على شيوخ متعددة، ذكرهم السخاوي في ترجمته في ’’الضوء اللامع’’ منهم والده، وجده، ودرس وأفتى، وتولى قضاء حلب، ثم قضاء القاهرة، وصار جليس السلطان الغوري وسميره. قال الحمصي: وكان عالما متفننا للعلوم الشرعية والعقلية. قال ابن طولون: ولم يثن الناس عليه خيرا، وذكر الحمصي أن عبيد السلموني شاعر القاهرة هجاه بقصيدة قال في أولها:
فشا الزور في مصر، وفي جنباتها | ولم لا وعبد البر قاضي قضاتها |
وعقد على السلموني بسبب ذلك عقد مجلس في مستهل المحرم سنة ثلاث عشرة وتسعمئة بحضرة السلطان الغوري، وأحضر في الحديد، فأنكر، ثم عزر بسببه بعد أن قرئت القصيدة بحضرة السلطان، وأكابر الناس، وهي في غاية البشاعة والشناعة، والسلموني المذكور كان هجاء خبيث الهجو ما سلم منه أحد من أكابر مصر، فلا يعد هجوه جرحا في مثل القاضي عبد البر، وقد كان له في ذلك العصر حشمة وفضل، وكان تلميذه القطب بن سلطان مفتي دمشق يثني عليه خيرا، ويحتج بكلامه في مؤلفاته، وكان ينقل عنه أنه أفتى بتحريم قهوة البن، وله - رحمه الله تعالى - مؤلفات كثيرة منها شرح منظومة بن وهبان، في فقه أبي حنيفة النعمان، ومنها شرح الوهبانية، في فقه الحنفية، وشرح منظومة جده أبي الوليد بن الشحنة التي نظمها في عشرة علوم، وكتاب لطيف في حوض دون ثلاث أذرع. هل يجوز فيه الوضوء أو لا. وهل يصير مستعملا بالتوضؤ فيه أولا؟ ومنها ’’الذخائر الأشرفية، في ألغاز الحنفية’’، وله شعر لطيف منه قوله من قصيدة مفتخرا:
أضار وما مناقبي الفخار | وبي والله للدنيا الفخار |
بفضل شائع، وعلوم شرع | لها في سائر الدنيا انتشار |
وهمة لوذع شهم تسامى | وفوق الفرقدين لها قرار |
وفكر صائب في كل فن | إلى تحقيقه أبدا يصار |
ومنها:
سموت لمنصب الإفتاء طفلا | وكان له إلى قربي ابتدار |
وكم قررت في الكشاف درسا | عظيما قبل ما دارالعذار |
وقال ناظما لأسماء البكائين في غزاة تبوك وهم الذين نزلت فيهم هذه الآية
{ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع}.
إلا أن بكاء الصحابة سبعة | لكونهم قد فارقوا خير مرسل |
فعمرو أبو ليلى، وعليه سالم | كذا سلمة عرياض وابن مغفل |
قلت: وذيل عليه شيخ الإسلام الوالد بقوله:
كثعلبة عمرو، وصخر وديعة | وعبد ابن عمرو وابن أزرق معقل |
قال الشيخ الوالد - رضي الله تعالى عنه -: وكنت قبل أن أقف على بيتي القاضي عبد البر
قد استوفيت أسماءهم، ونظمتها في هذه الأبيات:
وفي الصحب بكاؤن بضعة عشر قد | بكوا حزنا إذ فارقوا خير مرسل |
فمنهم أبو ليلى، وعمرو بن عتمة | وصخر بن سلمان وربع بمعقل |
كذلك عبد الله، وهو ابن أزرق | كذاك ابن عمرو، ثم نجل مغفل |
وثعلبة، وهو ابن زيد، وسالم | هو ابن عمير في مقال لهم جلي |
أبو علية أو علية ووديعه | وبالأمجد العرياض للعد أكمل |
وذكر ابن الحنبلي في تاريخه أن القاضي عبد البر نظم أبياتا في أسماء البكائين المذكورين، وبين فيها اختلاف المفسرين، وأهل السير فيهم، وشرحها في رسالة لطيفة، ولعلها غير البيتين المتقدمين، ومن لطائف القاضي عبد البر ما أنشده عنه شيخ الإسلام الوالد - رضي الله تعالى عنه - في كتابه فصل الخطاب:
حبشية سائلتها عن جنسها | فتبسمت عن در ثغر جوهري |
وطفقت أسأل عن نعومة ماطقي | قالت: فما تبغيه جنسي أبحري |
وكانت وفاته يوم الخميس خامس شعبان سنة إحدى وعشرين وتسعمئة، وصلي عليه غائبة بجامع بني أمية بدمشق المحمية خامس عشر شعبان المذكور - رحمه الله تعالى رحمة واسعة آمين.