محمد بن عنان محمد بن عنان: محمد بن حسن، الشيخ العالم الصالح الناسك العارف بالله تعالى الشهير بابن عنان المصري الشافعي، كان ممن جمع بين علم الشرع وعلم الحقيقة، تفقه بالشيخ يحيى المناوي، وهو ممن أخذ عنه أيضا، وكان سيدي محمد بن عنان ممن اشتهر بالجد في العبادة، والاجتهاد في الطاعة، وقيام الليل، وحفظ الأوقات من التضييع، حتى كان سيدي محمد بن أبي الحمائل يقول: ما رأت عيني أعبد من ابن عنان، وقصده الشيخ أمين الدين ابن إمام الكاملية إلى بلاد الشرقية، وأخذ عنه وتبرك برؤيته، وكان يحفظ القرآن العظيم، قال الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: قال لي مرة: حفظت القرآن وأنا رجل كبير، فقرأت النصف الأول أولا على الشيخ ناصر الدين بن الاحطائي، والنصف الثاني على أخي الشيخ عبد القادر، كان لا يترك قيام الليل صيفا ولا شتاء، من حين كان صغيرا، وكان يتهيأ ويستعد لقيام الليل من صلاة العصر، فلا يستطيع أحد أن يكلمه حتى يصلي الوتر بعد العشاء، فإذا قام للتهجد من الليل، لا يتجرأ أحد أن يكلمه حتى يصلي الضحى، وكان لا يصغي قط لشيء من كلام الناس فيما لا يعنيه، ولا يستمع إلى أخبار الناس، لا سأل عن عزل من عزل، ولا تولية من تولى، قال الشيخ عبد الوهاب: وسمعته مرة يقول: منذ دخلت طريق الفقراء لا أقدر أجلس على حدث قط، بل وضوئي دائم ليلا ونهارا، قال: ولقد أصابتني جنابة مرة في ليلة باردة، وكان على باب داري بركة جمد ظاهرها من البرد، فنزلت فيها واغتسلت، فوجدتها من شدة الهمة كأنها مسخنة بالنار، وكان إذا استنجى في الخلاء وأبطأ ماء الوضوء، يرى أن يضرب يده في الحائط ويتيمم حتى يجيء الماء، ولا يجلس على غير طهارة لحظة، وكان يقول: من ادعى مجالسة الله عز وجل وهو يمكث على حدث لحظة واحدة، فهو قليل الأدب.
وظهرت له كرامات كثيرة، منها ما ذكره الشيخ يوسف الحرثي أن طائفة الفقراء وردوا على سيدي محمد على غفلة وهو شاب، وكانوا نحو خمسمئة فقير، فأشبعهم كلهم من عجين أمه، وكان نصف ويبة ستر إناء العجين بردائه، وقال لأمه: قرصي منه ولا تكشفيه، فأخذت منه ما كفاهم، ثم أمرها فكشفت الإناء فلم تجد فيه شيئا، وقال الشيخ أمين الدين بن النجار: كنا في سفر مع سيدي أبي العباس الغمري، وسيدي محمد بن عنان، فاشتد الحر علينا، فنزل الشيخان وطرحا على حمارتيهما بردة، وجلسا في ظلها، فعطش سيدي أبو العباس فلم يجد معنا ماء يشربه، فأخذ سيدي محمد طاسته وغرف بها ماء باردا من الأرض الناشفة وقدمه لسيدي أبي العباس، فلم يشرب منه فقال: يا شيخ محمد، الظهور في هذه الأيام يقطع الظهور، فقال سيدي محمد: وعزة الله لولا خوف الظهور لسألت الله تعالى أن يجعلها بركة يشرب منها البهائم إلى يوم القيامة، وقال الشيخ شمس الطبخي وهو صهر سيدي محمد بن عنان: إن شخصا كان في مقبرة برهمتوش، يصيح كل ليلة في قبره، فأعلموا سيدي الشيخ محمد بذلك، فمشى إلى قبره، وقرأ عليه سورة الملك، ودعا الله تعالى ساعة، فمن تلك الليلة ما سمعوا له صياحا، وكان إذا دخل على فقير من إخوانه النافعين للناس وهو مريض يتحمل عنه المرض ويضطجع، فيقوم ذلك المريض في الحال، كأن لم يكن به مرض، وفعل ذلك مع الشيخ أبي العباس الغمري وغيره، قال الشيخ عبد الوهاب: ولما حضرته الوفاة فوق سطوح جامع باب البحر بخط المقسم، مات نصفه الأسفل، فصلى وهو جالس بالإيماء، فلما فرغ من الصلاة أشار إلي أضجعوني فأضجعناه، فما زال يهمهم بشفتيه والسبحة في يده، حتى كانت آخر حركة يده وشفته طلوع روحه، وكان ذلك في شهر رييع الأول، سنة اثنتين وعشرين وتسعمئة، ودفن خلف محراب جامع المقسم، وبنى عليه ولده الشيخ أبو الصفا قبة وزاوية - رحمه الله تعالى-.
دار الكتب العلمية - بيروت-ط 1( 1977) , ج: 1- ص: 38