أبو الحسن علي بن عبد الرحمان الأنصاري الكاتب رحل إلى مصر.
فمن شعره قوله يمدح الناصر للدين أبا محمد اليازوري:
توالت فتوحات وأدرك ثار | وقر لأمر المسلمين قرار |
وجرد سيف الله ناصر دينه | فصال به حد له وغرار |
ودانت له الحرب العوان وإنها | وإن رئمت أنسا به لنوار |
يرد إليه أمرها وهي شامس | لها مسحل من قهره وعرار |
كأن مطاف الحادثان بشاهق | منيف الذرى للفتح فيه مطار |
تزل خطوب الدهر عن صفحاته | كما زل عن صفح الحسام غبار |
فيا ناصر الدين الذي فخرت به | بناة المعالي يعرب ونزار |
لقد علم الأعداء أنك منتض | حساما لهم هلك به ودمار |
وأنك حزب الله تسعى بهديه | وتغضب في مرضاته وتغار |
بكفك سيف الله تضربهم به | وهل يحتمي من ذي الفقار فقار |
تسلهم خيل الإله عوابسا | كما طرد الليل البهيم نهار |
كتائب في ذات الإله مشيحة | لها بغياث المسلمين شعار |
فولوا فرارا والرماح تنوشهم | لهم حيد عن وقعها ونفار |
وجاؤوك في دوح، قناك غصونه | فليس لها إلا الرؤوس ثمار |
أضفتهم حتى إذا ما تمردوا | أضفت بهم تبا لهم وخسار |
وأروع بسام عليه سكينة | من الله باد نورها ووقار |
عمرت به جيد المعالي قلائدا | يطول بها الإمتاع وهي قصار |
فيا علم المجد الذي طرزت به | حلاه وأضحى في ذاره منار |
تنام الرعايا ملء أجفانها كرى | فنومك تسهاد له وغرار |
فلا عطلت منك الوزارة إنها | هي المعصم الحالي وأنت سوار |
وعش يا ’’غياث المسلمين’’ فإنما | حياتك عز للورى وفخار |
ودم ملكا ما ساوت العين أختها | وما صحبت يمنى اليدين يسار |
يمينك أندى العارضين سحابا | وعزمك أمضى الضاربين ذبابا |
وأنت أعم الناس طولا وسؤددا | وأطيبهم جرثومة ونصابا |
وأشرعهم يوم اللقاء أسنة | وأمرعهم يوم العطاء جنابا |
شهادة بر لا يحابى بمثلها | ألا ربما كان السحاب محابى |
حللت بدار الملك ثم قطنتها | كما قطن الليث الغضنفر غابا |
وأنشبتها بالسمهرية والظبى | طعانا نفى عنها العدى وضرابا |
وفجرت فيها للنضار جداولا | وسطرت فيها للسماح كتابا |
يقولون إن المزن يحكيك صوبه | مجاملة: ها قد شهدت، وغابا |
وكم أزمة عم البرية بؤسها | فهل ناب فيها عن نداك منابا؟ |
همت ذهبا فيها يداك عليهم | وضنت يداه أن ترش ذهابا |
ولو كان للأسياف عزمك ما نبت | ولا ناط بالخصر النجاد قرابا |
تغار من المجد المعالي، وتنتمي | إلى اسمك حبات القلوب طرابا |
وما زلت ترضي الله في نصر دينه | بمألكة تزجي الأسود غضابا |
إذا طويت كانت وغى وقساطلا | وإن نشرت كانت ظبا وحرابا |
وما أنت إلا مطعم النصر أينما | أغرت على نهب لزمت نهابا |
وكم نعم خولته لم تشله | بخيل ولم توجف عليه ركابا |
وأبلح ميمون النقيبة لو دعا | إلى نصره وحش الفلا لأجابا |
أجل ملوك الأرض من ظل لاثما | ترابا علته رجله وركابا |
سقى حلبا من جود كفك ماطر | إذا لم تصب فيه المواطر صابا |
علوتهم بالمرهفات كأنما | مددت عليهم بالبروق سحابا |
وأطلعت سحبا من بنانك ثرة | تفيض عليهم نائلا وعقابا |
عرفت لها طيفا على النأي طارقا | يساعد مشتاقا ويسعد شائقا |
ألمت وفي جفني بقايا مدامع | مرتها نواها فاستهلت سوابقا |
وأومض في رجع الحديث ابتسامها | وميض الحيا أهدى لنجد شقائقا |
فولت بقلب أسلمته يد الهوى | إلى الشوق مغلوب التجلد وامقا |
سقاها الحيا حيث استهلت مواطرا | كجود ’’غياث المسلمين’’ دوافقا |
رعى الله ’’تاج الأصفياء’’ وإنما | دعوت بأن يرعى الدنى والخلائقا |
فيا ’’ناصر الدين’’ الذي بنواله | إذا الشعر بين الجود والبخل فارقا |
ملكت فؤادا بالمعالي متيما | وأعطيت قلبا بالمكارم عاشقا |
وما ابتدر الأملاك غاية سؤدد | ومكرمة إلا وجدناك سابقا |
فمن كان منهم مانعا كنت باذلا | ومن كان منهم حارما كنت رازقا |
وخولك الله المغارب كلها | تنفذ فيها حكمه والمشارقا |
تنكبت عن ظل الهوادة سالكا | هواجر في طرف العلى وودائقا |
وملمومة أزدية ناصرية | بعثت على الأعداء منها البوائقا |
قرعت بها عظم العراق فلم تزل | له بشفار المشرفي عوارقا |
وقد جمعت منه خراسان ذيلها | على عجل لما قددت البنائقا |
قددت غمام السابري عليهم | مضاعفة لما انتضيت البوارقا |
بكفك آجال الأعادي وإنما | أخذت على الأعمار منها المضايقا |
إذا خاطب لم يعل أعواد منبر | بما تشتهي من خطبة كان فاسقا |
إذا ردهم لم يبد بين سطوره | بذكرك سطر كان زيفا مزابقا |
إذا ما تعاطى الجود بعدك مدع | له أو تحلى باسمه كان سارقا |
ومن يبغ أن يحظى نداه بمنعم | سواك كمن يبغي مع الله خالقا |
وكان الذي كانت خراسان داره | بها مغرما ثم استقل مفارقا |
إذا هم تقويضا تلفت باكيا | بساتين في أكنافها وجواسقا |
تريه مناه مرفقا في طماعة | إذا ساغت الأطماع كنت مرافقا |
وقد نصحته نفسه وهي حربه | إذا نصح الأعداء كانوا أصادقا |
وبالموصل أستأصلت شافة ملكه | بكرات حملات تشيب المفارقا |
يقيك بشحط الدار منها فلم تزل | تجوب سهوبا دونها وسمالقا |
ذكرت الردينيات في جنباتها | بواسق تعلو في ذراها البواسقا |
جلبت من الأجبال ’’طيء’’ | كراديس شكت بالكماة الرساتقا |
فظلت وقد عادت جواسقها ربى | وكانت رباها قبل ذاك شواهقا |
إذا خاطر الرعديد أنهل رمحه | كما اختلس اللحظ المحب مسارقا |
وساقت ’’عقيل’’ في رؤوس رماحها | عقائل من أموالهم ووسائقا |
وهرت ’’كلاب’’ في الوشيج فأقعصت | ثعالب في أجحارها وخرانقا |
ملكت رجالات العراق براحة | تفيض حيا طورا وطورا صواعقا |
فقد أنطقت بالجود من كان أخرسا | وقد أخرست بالبأس من كان ناطقا |
تصافح أيديها الألوف صوامتا | وما عرفت من قبل إلا الدوانقا |
وكم قلعة بالمشرفي اقتلعتها | وأذريتها وجه الرياح سواحقا |
وثقت بنصر الله في كل موطن | وكنت أمرأ |
كساك أمير المؤمنين مناقبا | فكنت بها يا ’’ناصر الدين’’ لائقا |
وأصفاك من بين البرية خلة | رآك لها محض المودة صادقا |
هذي العيون وهذه الحدق | فليدن من بفؤاده يثق |
لو أنهم عشقوا لما عذلوا | لكنهم عذلوا وما عشقوا |
عنفوا علي بلومهم سفها | لو جرعوا كأس الهوى رفقوا |
ما الحب إلا مسلك خطر | عسر النجاة وموطئ زلق |
من أجل هذا ظل يقنص لي | ث الغاب فيه الشادن الحزق |
ومسربل بالحسن معتجر | منه بأكمله ومنتطق |
عجبي لجبهته وطرته | وضح الصباح وما انجلى الغسق |
يا ليلة نادمت كوكبها | في حيث أطلعه لي الأفق |
لو لم أعاجل كأسه بجنى | فيه البرود لكنت أحترق |
حتى إذا صرعته سورتها | قمرا عليه الشهب تأتلق |
قبلت وجنته وقد ظهرت | في صحنها من قلبي الحرق |
قد كانت الآمال ذاوية | ظمأى مكدر شربها رنق |
حتى أتيح لها أبو حسن | فنمت وعم غصونها الورق |
يستصغر الدنيا، فأهون ما | تعطي يداه العين والورق |
في صورة جمع الكمال لها | والأحسنان الخلق والخلق |
وتخرق في الجود يعظمه | فيكاد يحسب أنه خرق |
ألا أنعم بنارنجك المجتنى | فقد حضر السعد لما حضر |
كأن السماء همت بالنضار | فصاغت لنا الأرض منه أكر |
وروض حديق كالشباب طرقته | وللنجم في أفق السماء ركود |
ترقوق في أحداق نرجسه الندى | كما استعبر العشاق |
وتفتر فيه للأقاحي مباسم | فتخجل فيه للشقيق خدود |
وترتج من فوق الغصون ثمارها | كما ارتج من بان القدود نهود |
يسل عليها المشرفيات جدول | له ثغب عذب الرضاب برود |
وقامت عذارى النخل من كل جانب | حواسر في لباتهن عقود |
كأنما الورد الذي نشره | يعبق من طيب معاليكا |
دماء أعدائك مسفوكة | قد قابلت بيض أياديكا |
تضمن فوه درا من ثنايا | جلاه لنا بدر من كلام |
وشال عذاره من تحت صدغ | فصار بصحن وجنته كلام |
يمين أبي العلاء إذا استهلت | سحائب جودها هطلت نوالا |
تفيض على العفاة حيا وإن لم | تفض سحب الكرام وغضن وإلا |
إن كان لم يخبرك قلبك أنني | قد ذبت من كمد فلست كذاكا |
لا تطلبن شهادة من غيره | اسأله عن أحبابه وكفاكا |
لحظات من شبيهات الدمى | صرعتني بين ظلم ولمى |
بعد ما قلت تناهت صبوتي | رجعتني مستهاما مغرما |
لائمي أقصر فإني كلما | زدت لوما زاد سمعي صمما |
بأبي من جاءني معتذرا | وجلا مما جناه ندما |
فرأيت البدر في طلعته | ضاحكا من وجهه مبتسما |
زائر أسأل عنه مقلتي | هل رأته يقظة أو حلما |
بوشاح ناقض الحجل فذا | باح بالسر وهذا كتما |
كيف تخفى زورة الصبح وقد | فتح الروض وجلى الظلما |
عجبي من سقم في طرفه | يورث السقم ويشفي السقما |
قمر يعبده عاشقه | عبد المفتون قبل الصنما |
قد أعار الكأس منه وجنة | وثنايا ورضابا وفما |
أحبابا ما أثار الماء في | جوها أم حدقا أم أنجما |
جال فيها لؤلؤا منتثرا | وعلاها لؤلؤا منتظما |
كيف أعتد بلقيا هاجر | قبل ما حاول وصلي صرما |
لو تجاسرت على الفتك به | لم أعد أقرع سني ندما |
أي شيء ضرني لو أنني | كنت في الحل طرقت الحرما |
أنا عندي من شفى غلته | من حبيب مسعد ما أثما |
ولقد ذقت بكاسات الهوى | عسلا طورا وطورا علقما |
وجليس قد شنأنا شخصه | مذ عرفناه ملحا مبرما |
ثقل الوطأة في زورته | ثم ما ودع حتى سلما |
بعض ما لاقيت منه أنه | نفر الرئم الذي قد رئما |
ذل من يأوي إلى ملتجئ | ليس يؤوي ويروي من ظما |
وأعز الخلق طرا عائذ | برئيس الرؤساء اعتصما |
نحن منه في جنان ورع | نلبس العز ونجني النعما |
قد بلوناه على علاته | فبلونا العارض المنسجما |
أقول ولاح لي خد وصدغ: | لمن تفاحة مع صولجان؟ |
بودي لو لثمتهما جميعا | ولكني أحاذر صول جان |
زماننا منقلب فاسد | يرفع أهل الجهل والعجب |
كالنقش في الخاتم لا يستوي | ختم به إلا مع القلب |
أنت عما حل بي في شغل | إنما يرثي لمثلي من بلي |
لي وعد عند عينيك مضى | دونه عمري ووافى أجلي |
فوريحان العذار الخضل | فوق ورد الوجنة المشتعل |
يا حبيب النفس لو أبصر ما | حل بي منك عدوي رق لي |
جاء بكمثرى جني غدا | منظره بيدي لنا خبره |
من كل زهراء خلوقية | تجمع بين النهد والسرة |
دار الغرب الإسلامي - بيروت -ط 1( 1995) , ج: 1- ص: 14