الأمير أبو أحمد جعفر بن الطيب الكلبي
الأمير أبو أحمد جعفر بن الطيب الكلبي
ما الصبر بعد فراقكم من شاني | رحل العزاء برحلة الأظعان |
ما كنت أحسب للمنية ثانيا | فإذا الفراق هو الحمام الثاني |
بعدا لذاك اليوم بعدا إنه | أجرى دموع العين بالهملان |
من ساتر دمعا بفضل ردائه | أو ممسك قلبا من الخفقان |
وألفت فيك الحزن حتى إنني | لأسر فيك بكثرة الأشجان |
ملك إذا لاذ العفاة ببابه | أخذوا من الأيام عقد أمان |
يعطي الجزيل ولا يمن كأنما | فرض عليه نوافل الإحسان |
أراها للرحيل مثورات | جمالا بالجمال محملات |
تتيه على الركائب في سراها | بأقمار عليها طالعات |
ولو نظرت لمن تسري إليه | لصدت عن وجوه الغانيات |
وجازت والفلاة لها ركاب | كما كانت ركابا للفلاة |
ولم تعلق بشيء غير شعر | منابته بأفواه الرواة |
تمر على المياه ولم تردها | كأن الري في زجر الحداة |
أقول لها وقد علقت ذميلا | بأجفان لزجري سامعات |
سأنزل عنك في مرعى خصيب | وماء بارد عذب فرات |
بأرض ’’مدافع’’ مأوى الأماني | وقتال السنين المجديات |
فيحمل عنك همي فوق طرف | سبوق من خيول سابقات |
أغر تخاله ريحا أعيرت | قوائم باللجين محجلات |
كساه الليل أثوابا ولكن | تراها بالصباح مرقعات |
وحسبك ما يفرق من نوال | بأيد للمكارم جامعات |
فقد أطمعت في جدواك حتى | سباع الطير من بعض العفاة |
ضحوك مرة جهدا وباك | وشاكر حاله حينا وشاك |
ومغتبط بعيش غير باق | يروم سلامة تحت الهلاك |
ألا يا حار قد حارت عقول | وغلت بالغليل عن الجراك |
وقد نصبت لك الدنيا شباكا | فإياك الدنو من الشباك |
وإن شيدت لي يا حار بيتا | فحاول أن يكون على السماك |
وأبعد إن قدرت على مكان | فإني والحوادث في عراك |
لقد بليت بشيء لست أعرفه | مولى يجور على ضعفي وأنصفه |
ما زال يطعمني لفظ له خنث | يمن بالوعد سرا ثم يخلفه |
يا رب زدني غراما في محبته | ودع فؤادي بالأشواق يتلفه |
فارقتكم لا عن قلى وتركتكم | رغما على حكم الزمان الجائر |
وفقدتكم من ناظري فوجدتكم | لما أردت لقاءكم في خاطري |
وحقك لو نلت النوال معجلا | لغير سؤال كان غير جميل |
فكيف وما في الأرض وجه مؤمل | ولا يرتجى للجود غير بخيل |
ألا سكن إذا ما ضقت يوما | سكنت إليه في شكوى همومي |
أوسع صدره وأحل منه | محل الجود من قلب الكريم |
لو تشتفي بالدمع مقلة عاشق | لشفت فؤادي هذه العبرات |
لكن دمعي كلما أجريته | وقدت به بين الحشا الزفرات |
وليل أتى في جحفل من ظلامه | فقدت له من أسرة اللهو جحفلا |
وسل علينا منصلا من بروقه | فسلت له كفي من الراح منصلا |
وركبت في خطية الشمع لهذما | طعنت به في نحره فتجندلا |
هيفاء يكفينا المدام غناؤها | وجمالها التفاح والريحانا |
دار الغرب الإسلامي - بيروت -ط 1( 1995) , ج: 1- ص: 2