عماد الدولة
موسى بن علي
موسى بن علي
شيخ الكتاب في زمانه، ونادرة عصره وأوانه، تفرد في الدنيا بكتابة المزدوج وأتقنه وكل من تقدمه فيه سمج، وآخترع قلما آخر سماه المعجز، وأتى فيه بمحاسن إذا أطنب فيه الواصف ظن أنه موجد، وكان خطه كأنه حدائق ذات بهجة، وسطوره من حسنها تفدى بكل مهجة، لو عاينه الولي التبريزي لم يكن له تبريز، أو ابن العديم لاعترف له بالتعجيز:
كأن المعاني في محاريب طرسه | قناديل ليل، والسطور سلاسل |
كواكب عجم في أهلة أحرف | بدور المعالي بينهن كوامل |
ولم يزل على حاله الى أن غار في الثرى نجمه، وهيل عليه ترابه ورجمه.
وتوفي رحمه الله تعالى في ذي القعدة سنة ست عشرة وسبع مئة.
ومولده بحماة سنة إحدى وخمسين وست مئة.
وكتب الأقلام السبعة وجودها، وأقلامه الرطبة كلها لم يلحقه فيها أحد. وممن كتب عليه: الشيخ كمال الدين بن الزملكاني، والشيخ بدر الدين بن المحدث، والقاضي علاء الدين بن الآمدي، وجماعة آخرون.
وكتب هو شيئا كثيرا الى الغاية من الدروج والقطع والطراز الذي في الطارمة، والذي على باب دار السعادة، والذي في الظاهرية الجوانية والذي على باب الأمير سيف الدين بهادر آص، كل ذلك بخط يده، وقد تغير طراز دار السعادة مرات وأعاد عليه الدهانون، وأصوله باقية ومعالم حسنها بادية. وكان يكتب على الطاسات وعلى ما ينقش، ويطعم كل سطر بدرهم ويكتب في اليوم جملة من ذلك مستكثرة.
وكان يعمل بالفأس في بستانه ويعمر باللبن وغيره، ويكتب تلك الكتابة المليحة الرطبة، ورزق الحظوة في خطه واشتهر، وكان مأمونا على أولاد الناس، عفيفا خيرا دينا.
وقلت أنا فيه:
يشهد لابن البصيص خط | يسلب ممن يراه عقله |
بأنه النجم في علاه | وما رأى مثله ابن مقله |
ألا كل شيء ما خلا الله نافد | وكل وجود قد بدا فهو بائد |
تفكر في هذا الوجود ووضعه | وفي حركات الفلك وهي سوامد |
وفي حركات النيرات بأفقها | وفي كل جرم لا يرى متباعد |
وما ذاتها في رقة وكثافة | وهل هي شيء دائم متوالد |
ترى كل ما في الكون لابد زائل | له محدث باق وذلك نافد |
وإيجادنا فيه وذلك آية | تدل على فرد تفرد واحد |
وكم آية غابت فليس ترى لنا | تدل على وتر التفرد ماجد |
شهيد على الأشياء ليس بغائب | على كل شيء من نواحيه شاهد |
تحققت حقا أنه لي محرك | على أنه سبحانه لي واجد |
فعشت سعيدا ثم أنقل مكرما | الى واحد إنعامه متزايد |
وإني مهما عشت شاكر أنعم | علي توالت من نوالك حامد |
فحسبي تشريفا أراه محققا | بأنك ربي ليس فيه معاند |
دار الفكر المعاصر، بيروت - لبنان / دار الفكر، دمشق - سوريا-ط 1( 1998) , ج: 5- ص: 481