التصنيفات

الشهاب الحجازي، أحمد أحمد بن محمد بن علي بن حسين بن إبراهيم، أبو الطيب شهاب الدين، بن الشيخ الصالح المقرئ شمس الدين، الأنصاري الخزرجي
السعدي العبادي الحجازي الأصل المصري، الشافعي الأديب البارع المفنن. ولد في شعبان سنة تسعين وسبعمائة. وأجاز له الحافظ زين الدين العراقي، وسمع على المجد الحنفي، والبدر النسابة، والبرهان الأنباسي، وابن أبي المجد وغيرهم، وحضر دروس الكمال الدميري، ودعا له، وسمع من شرحه لابن ماجة. ولازم العز بن جماعة، والولي العراقي، والشمس البرماوي، والبساطي في عدة من الفنون. وعني بالأدب كثيرا إلى أن تقدم فيه، وصار أحد أعيانه. وله فيه تصانيف منها: ’’ التذكرة نحو سبعين جزءا، و ’’ كتاب النيل ’’ و ’’ روض الآداب ’’، ’’ وحبيب الحبيب ونديم الكئيب ’’، و ’’ القواعد المقامات من شرح المقامات ’’ ’’، و ’’ قلائد النحور من جواهر البحور ’’، في اقتباسات القرآن، و ’’ ديوانه المفرد ’’، و ’’ ومصنف في الألغاز والأحاجي ’’، و ’’ ومصنف أدعية يدعى بها عقب قراءة الختمات بحسب الوقائع والمقامات ’’، و ’’ أجوبة اعتراضات ابن الخشاب على الحريري ’’. مات يوم الأربعاء سابع رمضان، سنة خمس وسبعين وثمانمائة. وقال مضمنا:

وقال في ملحية لابسة ثوب خمري:
وقال في باكية تسمى جنة مضمنا:
وقال في مليحة قرعاء:
وقال في مليح ضرب:
وقال مضمنا:
وقال في تراب مضمنا:
ومن نثر الشهاب الحجازي ما كتب به وقد طلع له دمل إلى الشريف صلاح الدين الأسيوطي في رمضان سنة خمس عشرة وثمانمائة: الحمد لله حسبي الله ما شاء الله لا قوة إلا بالله ’’ إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب ’’. اللهم وفقنا للصواب، مما أنهيه إلى من أسود به، واستند إليه، فهو لي سيد وسند، ومن نجده في الأمور المهمة أغنى به عن العدد والعدد، ومن تستولد أفكاره آدابا كالدرر وحاشاها من اليتم وهو لها أب اجتهد في تأديبها وجد، ومن ينشي فينسي وينثر كالمنثور
فأجد عنده راحاتي وراحي. ومن إذا أفسد نظامي الطالع المنحوس فهو على الحقيقة صلاحي. حرسه الله تعالى من الآفات، ونصب أعلام سعوده نصب الالفات.
انه حدث لي نازلة وهي طلوع دمل كاد أن ينزلني التراب، ويفرق بيني وبين الأحباب والأتراب. ولي عشر ليال لا أكتحل بالمنام، ولا اطعم الطعام، فها أنا في هذا الشهر الشريف صائم الليل والنهار، وطائر قلبي قد غشيته نار هذا الدمل فكأنه السمندل وكيف لا وهو داخل النار.
فياله من دمل خلته من حرارته جمره، وشبهته بفارس عاد بغض الي الحياة فكر في مهجتي كرة وكره، فلم أجد بدا من استعمال الصبر مذ وصف لي فما أحلاه عنده وما أمره، حتى اشبهت القول الشاذ، ومنعت به أن آلف الأخوان والتذ بمطعم ومشرب فمنعني في الحالين من الملاذ، وهون علي الموت بهذه المشقة الصعبة، ورخصت مهجتي حتى كادت أن تباع كما يقال بمحبه، ويئست من العافية فقلت على غلبة الظن لم يبق بيني وبينها مجاز، إذ هو في احمراره كالعقيق ودمعي ينبع من العيون وبيني وبين النوم حجاز.
على أن صاحب الدمل ضعيف لا يزار. وكلما قصد استعارة الصبر وتهجم عليه الليل رجع عن ذلك واستعار استعار. فتراني كلما جن الليل سلسلته بالدموع. ونحل جسمي في هذه العشر ليال لعدم المطعم والهجوع. والواقع أن البكاء لا يسمن ولا يغني من جوع. فاقسم بالفجر، وليال عشر، لقد فطر هذا الصيام قلبي، وقطعني عن المخاديم ورميت بالنوى فطار لبي وأعظم من لا يعرف الألم، ولا يفرق بين البرء والسقم، إذ لم يرني مع الساجد والراكع، ولا جمع بيني وبينه في هذا الشهر جامع، وقال لي مثلك يفرط في هذا العشر. وقراءة ليلة القدر خير من ألف شهر. فلما رأيته جاهل دائي تلوت له سلام هي حتى مطلع الفجر. ولم يقصد المملوك بهذه السقطات إلى المخدوم التهجم عليه، ألا لكونه سيد والعبد منتسب إليه.
فمولانا وأن كان عين الوقت ومحله الصدر، فقد أصابه مما شكوت منه جانب. ويعلم قدر ما يقاسي المملوك من هذا العارض وما هو من هذا الكاس شارب. فليصفح سيدي عما فيه من الخطا فإنه أكثر من الصواب، ويتجاوز عن العبد فإنه مصاب، ويعف عن القلم الذي قد يعثر في طرسه وهو من الأدب قليل الحاصل، وليس له حظ في الخط فما حقه أن يقال فيه إلا ملقى في الكتابة كمد واصل. والله تعالى ينقذ مولانا مما يكره، وينفذ في أعدائه أمره، ويرحم سلفه، ويبقي خلفه، ويديم سيادته، ويزيد شرفه، بمنه وكرمه آمين. فأجاب الشريف رحمه تعالى الله: أما بعد حمد الله رافع شهب الهدى
أعلاما وجاعل رتب أهل الفضل في كل زمان أعلاما، والصلاة والسلام على أفضل خلقه، واشرف حزبه، محمد نبيه ورسوله القائل: ما من مرض أو وجع يصيب الموءمن إلا كان كفارة لذنبه، وعلى آله الطيبين الطاهرين وصحبه، فقد وصل إلي من مولانا مالك ازمة البيان، المشار إلى فضله بالبنان، مشرف مشتمل على شكوى ألم الدمامل، مبديا من مطالع كلمة الشهابي ما لا تدعيه البدور الكوامل، ضارع بسحره، بارع بنظمه ونثره، ملهيا بما لا تتأثم به أيدي الاخوان من ادارة خمره. ففض ختامه عن أطيب من المسك السحيق، وحسر لثامه عن أبهر من در الحباب على خد الرحيق، ونشر كمامه عن زهر كلم اما الأنجم فمراحي وأما الثرى فشقيق. وقال لمن حوله من الفضلاء إلا تسمعون، وإلى المجاراة في هذا الفن المعجب إلا تجتمعون. فقال القوم هيهات، وانى لنا المطار في هذا الأفق الذي لا يدعي قوادم السوابق من الطير فيه الثبات، وهذا أفق شهابي لا تستطيع محاولته الافهام وتلك عصا قلم إذا لقيت تلقف ما تأفك عصي الأقلام.
فلله در ما تولد من هذا الفكر الأنجب، وما ركض بهذه المعاني من عنبر هذا النفس الأشهب. فلقد أفصح عن خبر الجسم بالتغير والأبدال، وطالع بعد حذف ذكر الصحة بحروف الاعتدال، ’’ فزاد ما بك في غيظي على الزمن ’’.
فأما ما شكاه مولانا مما أشترك المملوك معه فيه من المادة، ومن بروز هذه الحدة التي هي عن الاجتماع بخير الجماعات حادة فقد أمسى المملوك وكل من دماميله ما له فجر، ولا لوصل ألمه وسهره على الرغم هجر، قد يبست فيه الدواب من كثرة ما يتحجر، وزاد على قسوة الأحجار وأن من الحجارة لما يتفجر. فهو الأصم لا يرثي لمتألم، والأبكم لا يفتح فاه على انه للجسد مكلم. وما زلت أكتم عرضا إلى أن تجسم، وعارضا إلى أن أقام وتكوم، وموجودا في القلب إلى أن وجد في العين، ومعروضا في الخاطر إلى أن صار مكفوفا بالساقين، أو مقبوضا باليدين، قد طلق جنبي الأرض التي هي فراش، وتهافت على الاستنجاد بالصبر على ما أجد من نار الوهج كالفراش. وكنت أردت من الزمان ثروة فإذا هي دراهم الحرارة ودنانير الدماميل. وأكثر الناس من قول ’’ ما لك؟ ’’ ولكن عما مدته قصيرة وألمه طويل. فكم صبر على خطبها قلبه الكليم، ووصف له التشاغل بالصديق والإستحمام في الحمام فلم يجده صديق ولا نفعة حميم، وخفف عن المملوك ما وجد لما ساهمه بر مولانا في عرض الجسد. فإن النفوس إذا تعارفت، والأرواح إذا تمازجت، تشاركت الأبدان لتشاركها في السراء، وتجاذبت الأعضاء لتشاكلها عند الضراء. ويوءيد هذا ما أتفق لابن هاني وعنان، وحكاية عوادة عنهما في ذلك الزمان، ’’ علة خصت وعمت في حبيب ومحب ’’ وأما ملام ذلك الجاهل لمولانا ووصفه له بأنه عفيف الجبهة، فقد عرض له
مولانا بالمملوك عند هذه المجاراة بأنه يكبر من وراء الصف بلا شبهة. وكأني بمولانا والعافية قد أصبحت مشيدة، والرعدة قد ولت عن الجسد الشريف شريدة، والألم قد قال هذا فراق بينك وبيني، والسقم قد عرض حمله فقال إنسان المليحة على عيني، وقد سطر المملوك هذا الجواب يديه ليلا واليد تاركة، وطريق خاطره بالفكر سالكة، والنعاس قد ترك الشمعة الضاحكة، في العين حالكة. ولعله لا يفي بإعادة التأمل لما كتبه، وبالله يقسم لقد آثر حظ قلبه في خطاب مولانا على حظ عينه من الكرى فحجبه. وهو يسأله بسط العذر عند الوقوف عليه، والصدقة بستر مساويه بعد النظر إليه. ويرجوان ان يصبح بصحته المحبون له سالمين من الغير حتى لا يعتل في أيامه إلا النسيم، ولا يرى هزة إلا من الجفن والخصر السقيم إن شاء الله تعالى. وكتب الشهاب الحجازي إلى الشهاب ابن الشاب التائب ملغزا في خاتم: الحمد لله عالم الغيب، وساتر العيب. سألتك أعزك الله شهاب النجبا، وخاتم الأدبا، فاتح مقفل كل معمى ومخبا، ربيب الآداب، كهل الأدب شيخ الكتاب، أخو البلاغة، ابن البراعة، أبو التقى، آدام الله تعالى له البقا، عن شخص راق في المرأى لكل رائي، يضيء كالكوكب، ويدور كاللولب. حسن الصفات والنشآت، ساكن كثير الحركات، صامت لا ينطق يؤخذ منه عدة لغات. يورث ويرث، ويتصبب وينبعث.
جبينه أبلج، وثغره غير مفلج. لا يزال فمه مفتوحا، ومع جودته وصلابته لا تراه إلا مفدوحا. يهواه كل ذي ثروة وسخا، صبور على كد مستعمله في الشدة والرخا. بديع في معانيه بعيد عن العكس والطرد، وربما أحس عند الحر بالبرد. إذا لاذ بصاحبه لازم الملاذ، ويعد استعماله من الملاذ. له فم وعين يروقان السامع والباصر، وتألفه الأيدي من ذوي الأيادي وتعقد عليه الخناصر. جعل الله له في نفوس الناس عزه، وجعل أصبع كل فرد فرد منه كما يقال في المثل تحت رزه. يحمل زائره على رأسه، وإن لم يكن من أبناء جنسه. ويفر ممن وضع على النعش، وربما صح في الرهان عليه النقش. طالما وصفه القاري في آخر الكلام القديم بنصه، ويروي عنه الحديث بفصه. أبلج من الفضه، وابهج من الإقحوانة الغضه. كثير السكوت فإذا حرك فهو نشيط، ذو جسم وقلب ولا حجر له وهو مع ذلك بما هو بصدده محيط. محظوظ في اللحظ، ملحوظ في الخط. طالما ضيق على صاحبه حتى ضاق به ذرعا، ولربما حصلت التوسعة من قلبه فلم يجد نفعا. محلى وفي قالب الحسن مفرغ ابيض اللون كأنما صيغ من لون بدر السماء بل هو من ثناء مالكه يصبغ. ظرف مظروف، عند ذوي الظرف معروف. يوضع على المعسر إذا حصل له الضيق، وانه لنعم الرفيق. لا يدع اثنين يسلكان مسلكه، ولا يرضى في ممرة ومقره بشركه. يعلو على رأسه التنزيل، فلا يتغير لذلك ولا يستحيل. رباعي الحروف ونصفه حرف
معجم، وان أنقصته من حروفه تم. ذكر في القرآن، وحملته يد سيد ولد عدنان، ويهواه كل إنسان، ونبهت على فضله الكهان والرهبان، وما اختلف في حبه اثنان. ساكت صامت كالأبله، يدور على ما لم يصنع له. فهو لعمري ساكن ومأوى، وفي بعض الأحيان يصدى ويروى. ومتى تصدى لأمر ما ظهر وتجلى، وما ذاق أحد مرارة البوءس وصحبه بعد إلا تحلى، فلينعم سيدي حفظه الله تعالى بالجواب من الفاظه العليه، تفضلا على هذه الفقر الفقيرة من الحلاوة وان كانت خليه. وليصفح عن اللسان العيي، والجنان الحيي، والله تعالى يجعله في حسب خاتم الأنبياء وسيد الأصفياء.
فأجاب والغز له في مسك: الحمد لله عالم الخفيات. سألتني رعاك الله تعالى برعايته أيها الشهاب المضي، ومن له في سماء البلاغة سرعة السير والمضي، من لم يزل مالك أزمة الأدب ومملكها، وسالك طرق الفضائل ومسلكها، محلي بنان البيان وأجياده، ومروض الصعب من جياد المعاني حتى يستسلم لقياده، محرك بلابل الخواطر ومهيجها، وملقح عقيم الأفكار بمقدمات مسائله ومنتجها، عن شخص خف على يد حامله، حتى علق بأنامه. كثير التحول والانتقال، يذهب من ذات اليمين إلى ذات الشمال. تراه مع صاحبه طوع يديه، فمتى أراده لم يلو عليه. يجود له بنضاره ولجينه، ويمنحه الاحتمال ولو دخل إصبعه في عينه. يتلقى الصبر على من هجر، بقلب من حجر. يؤثر صحبته المتحلي، وربما يجله عن المرافقة المتخلي. يصحب المتوضي لا المتيمم، ويزين العالم والمتعلم. لم يتقن من النحو إلا باب الظرف، وكثير من أبناء جنسه مشتغل بفن الحساب والصرف. نسبته إلى الغزالي اشهر من نسبة الأحياء بل انتسابه لنبي الله سليمان انشر شهرة وأحيا. من فضائله انه
من دلائل النبوة، وعلامة من الملوك على عدم الغدر وصحة الفتوة. كم نال به خائف الأمان، وكم صرح باسمه في التسليم بعد الأذان. يحتوي على ما في أيدي الملوك، وتراه مملوكا كالصعلوك يدور على ملء جوفه ويجول، ونزيله معه في الفارغ المشغول. هذا ولم يشك مع خلو جوفه سغبا، ولا يبدي عند دورانه تعبا. لكن يحمي ويغور، قبل أن يجري ويدور. يذوب جسمه ويحترق، ثم يلتئم فلا يفترق. لم يسع جوفه مشربا ولا مأكلا، على أنه لو دخل فيه البحر ما امتلأ، حتى وقع في جمع تكسر ولم يسلم، مع أنه يصل إلى حالة النزع ولا يألم. لا يحسن السباحة، ولا يجد حظا من الراحة. لو كف البحر أصابع زيادته وبقي ولو أصبعا، لكان منه منحدر متقلعا. وربما زاد في قيمة قدره، بحدبة تطلع في ظهره. طالما ظل به صاحبه عابثا، وحلف الجاهل به في رمضان حانثا. أن صحفته كان تركيا، وأن حذفت نصفه كان طيرا بهيا. وإن بدلت أول حروفه بذل وسخا، أو عكسته دل على التآخي لا الاخا. لم يعص مولاه طرفة عين قولا ولاعملا، على أنه ربما نسب إليه التكبر والخيلا، ووقع في الإسراف على نفسه باستعمال الطلا. فأجبت بحسب الإمكان، مع تسور الغم على حصن الفكر وختم الهم على حاصل الجنان. فلينظر المخدوم حفظه الله تعالى بعين الرضا لهذا السجع فقد هذر، ولا يزيف سبك هذه الفقر. فإنها سليمة من حسن الصياغة، مستخلصة من الفصاحة والبلاغة. أدام الله تعالى علينا جود سحائب فكرته المزرى بالندا المروي عن حاتم، وجعله في حمى السيد الكامل الفاتح الخاتم. وقد آن أن ننزع ما تنازعناه من أيدينا ونطلقه، وإلا فقد صار معنا في بوتقه.
وليصفح سيدي عما خطر لعبده، من خطر التهجم على إنشاء سوآله وقصده. فقد مد لي المخدوم جسر التجسر، ومهد لي طريقا يوجب التقدم من غير تأخر. فأقول بلسان التأدب والإجلال، متمسكا بأذيال الإذلال، ما قولك أيدك الله في شخص طاب مخبره، وحمد أثره، ان صحبته جملك وظرفك، وأن جهلت مقامه دلك عليه وعرفك، وأن تمسكت به تعلق بك، وإن احتملته منحك غاية اربك. وإن أهنته أكرمك، وإن طرحته تبعك والتزمك. لا يمل معه اللبث، على مافي جنسه من الخبث. حرم العقل واعطي الذكا، ومع استتاره تراه متهتكا. طالما ألف النفار، واستوطن القفار. لا يوحشه فراق معهد ولا ربع، بل شأنه الانفصال عن الوطن بالطبع. إن فارق وطنه في حياة أهله كان كالإنسان في الطهارة، وإلا فقد أشبه ميتة الفارة. كم فضح سارقا بل سارقه، وأبى انزال الماء إلا بالمساحقه. إن حفظته ضاع، وان كتمت سره ذاع. يستدل على سماته الصالحة، بهبوب نسماته الغادية الرائحة. وربما استدل على مراسه، بتصاعد أنفاسه. يهدي لمحبه رياح قربه فيستريح، فهو لعمري قانع منه بالريح. كأنه من ثنائك سرق، أو من أخلاقك خلق. تمنح خلائقه للنديم، وتهجره فيراسلك مع النسيم. يقنع منه الصديق في صدق الصحبة، ولو بوزن حبه. يحبس فلا يوجد لإطلاقه دوا، غير تعلقه بأذيال الهوى. سره جهر، ونومه سهر. ينفي الخبث، ولا يحتمل العبث. لا تعيبه غبرة لونه، ولا حلكة جونه. بينما يرى كالليل إذا عسعس، تراه كالصبح إذا تنفس. يلتفت في الأثواب فلو أنها عدد العشر، لأظهر فيها بديع اللف والنشر. طابت شيمته، وغلت قيمته. صحبه النبي وأحبه، وكفاه من الشرف هذه الرتبة. فليجمع سيدي بنظره شمل هذه الفقر
اليانعة، وليطلع في ليل معماها كواكب فكرته اللامعة. وليسمح بجوابه، لنهتدي بضوء صوابه. فهو قطب دائرة الآداب، وشمس فلك أولي الألباب. فرد جمع محاسن الأدبا، من مضى منهم ومن ولي.
لا بدع أن فقتهم بمزيد الفضل وإحراز المعالي:
والله أسأل أن يعامل المخدوم بجميل الفضل والمنة، ولا يحرمنا وإياه عرف الجنة.
فأجاب: الحمد لله القريب المجيب.
وإذا عكس هذا القبيح صار مع المليحة مليحا. لا يتأوه إذا جلده سلخ وكم له في الأطعمة من مزية لا يسمن ولا يغني من جوع إذا أكل بعدما طبخ. دم طاهر ليس بطحال ولا كبد، جامد مذاب أحبب به من ذائب وجمد. تركي أسود، وهو لعمري شيء لم يعهد. كم أوذي وصبر على الأذى، واستعمل في المأكل والمشرب وربما كان أسوأ من القذى. إذا ورد الماء وهو يروي عن الصفي غادره يروي عن ابن المنذر، ويشرب من لطافته كما قالوا في الماء العكر. مذكور في كتاب الله العزيز، ويكفيه مثل ذلك في التبريز. يصحب النافر والآنس، وهو خاتم الرحيق وفيه فليتنافس المتنافس. لا ينكر شمه ويراه المزكوم والأعشى، ومتى ناقشه الدر وقرأ للونه سورة ’’ والضحى ’’ تلى هو للونه ’’ والليل إذا يغشى ’’. بل هو بالفضيلة أخص، حيث جاء إسمه في الكتاب والسنة بالنص. أسود تهواه البيض، وربما حملت المليحة منه بعدما تحيض. إذا شق ثوبه وتناثر أعظم به من ساقط لكل لاقط، وهو المنفرد المسجون إذا أفلت وخالط كان ألطف مخالط. ذكي لم يزل عند أهل الذكاء محفوظا، أسود الجلدة ما برح عند بيض الوجوه محفوظا. ذكره بالجميل شائع، ويدور عليه الفهر الدوران المتتابع، والجميل مع ذلك منه ضائع. يمدحه الأدباء والبلغا، وقد سود من الله عند من طغا وبغى. كثير الإنصاف، لعدم ميله إلى الخلاف. تراه كبعض النسا يهوى السحاق، ويألفه ذوو الغنى كيف لا وصوته ناش عن إسحاق. إذا حبسته ألف حبسك، وإن مسيته مسك. فأكرم بك كتاب ختامه مسك، وأعظم برسالة جزالة بلاغتها يا فكري الفاتر تؤسك. أي والله.
فلله درها من تحية أربت على الأواخر والأوائل، فلو أدركتها الأول أضحى قس عندها شبه باقل وكان يغترف من فضالة فضلها القاضي الفاضل. فيا حسن ما انشا، من انشا. يفعل ما لا يفعل المدام، ويا طيب ما استعذب من بلاغة براعة استهلالها اللائق بهذا المقام، وما نشق من عبير مسك براعة هذا الختام يعجز عن وصفها اللسان، ويعترف كل فاضل لخفي دقائقها ببديع المعاني والبيان. فقبلها المملوك حين قابلها، وعاد لها فلم يجد من عادلها. نعم قبلها ألف قبلة، وكاد يجعلها أمامه يا إمامة قبله. ولو أمكنه طي ما نشر من هذا الجواب التافه لطوى، ولكن نوى ذلك فغلبته الطاعة ولكل امرىء ما نوى. لكن براعة الرسالة الذكية أملت عليه فاستملى، وجلى محاسنها وأستجلى وأستحل سحرها وأستحلى. والله تعالى يديم على مولانا نعمه المتوالية، ويمنحه بعد العمر الطويل من الجنان الرائحة الآنية.
وقال في الحريق الذي وقع ببولاق سنة اثنتين وستين وثمانمائة:

  • المطبعة السورية الأمريكية - نيويورك / المكتبة العلمية - بيروت-ط 0( 1927) , ج: 1- ص: 63