محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن جزي الكلبي يكنى أبا القاسم من أهل غرناطة وذوي الأصالة والنباهة فيها. كان رحمه الله على طريقة مثلى: من العكوف على العلم والاشتغال بالنظر والتقييد والتدوين فقيها حافظا قائما على التدريس مشاركا في فنون من عربية وأصول وقراءات وحديث وأدب حافظا للتفسير مستوعبا للأقوال جماعة للكتب ملوكي الخزانة حسن المجلس ممتع المحاضرة صحيح الباطن تقدم خطيبا بالمسجد الأعظم من بلده على حداثة سنه فاتفق على فضله وجرى على سنن أصالته.
قرأ على الأستاذ أبي جعفر بن الزبير وأخذ عنه العربية والفقه والحديث والقرآن ولازم الخطيب الفاضل أبا عبد الله بن رشيد وأبا المجد بن الأحوص والقاضي أبا عبد الله بن برطال والأستاذ النظار المتفنن أبا القاسم: قاسم بن عبد الله بن الشاط.
وألف الكثير في فنون شتى منها: كتاب وسيلة المسلم في تهذيب صحيح مسلم وكتاب الأقوال السنية في الكلمات السنية وكتاب الدعوات والأذكار المخرجة من صحيح الأخبار وكتاب القوانين الفقهية في تلخيص مذهب المالكية والتنبيه على مذهب الشافعية والحنفية والحنبلية وكتاب تقريب الوصول إلى علم الأصول وكتاب النور المبين في قواعد الدين وكتاب المختصر البارع في قراءة نافع وكتاب أصول القراء الستة غير نافع وكتاب الفوائد العامة في لحن العامة إلى غير ذلك مما قيده من التفسير والقراءات وغير ذلك. وله فهرسة كبيرة اشتملت على جملة كثيرة من أهل المشرق والمغرب ومن شعره:
لكل بني الدنيا مراد ومقصد | وإن مرادي صحة وفراغ |
لأبلغ في علم الشريعة مبلغا | يكون به لي في الجنان بلاغ |
ففي مثل هذا فلينافس أولو النهى | وحسبي من الدنيا الغرور بلاغ |
فما الفوز إلا في نعيم مؤبد | به العيش رغد والشراب يساغ |
وله في الجناب النبوي:
أروم امتداح المصطفى فيردني | قصوري عن إدراك تلك المناقب |
ومن لي بحصر البحر والبحر زاخر | ومن لي بإحصاء الحصى والكواكب؟ |
ولو أن كل العالمين تألقوا | على مدحه لم يبلغوا بعض واجب |
فأمسكت عنه هيبة وتأهبا | وخوفا وإعظاما لأرفع جانب |
ورب سكوت كان فيه بلاغة | ورب كلام فيه عتب لعاتب |
وله أيضا:
يا رب إن ذنوبي اليوم قد كثرت | فما أطيق لها حصرا ولا عددا |
وليس لي بعذاب النار من قبل | ولا أطيق لها صبرا ولا جلدا |
فانظر إلهي إلى ضعفي ومسكنتي | ولا تذيقنني حر الجحيم غدا |
توفي شهيدا يوم الكائنة بطريف في عام أحد وأربعين وسبعمائة رحمه الله تعالى.