محمد بن عبد الله بن سعيد بن عبد الله بن سعيد محمد بن عبد الله بن سعيد بن عبد الله بن سعيد بن علي بن أحمد السلماني قرطبي الأصل ثم نزل سلفه طليطلة ثم لوشة ثم غرناطة يكنى أبا عبد الله ويلقب لسان الدين ولد في خامس عشري رجب سنة 713 بلوشة وكان سلفه قديما يعرفون ببني وزير ثم صاروا يعرفون ببني الخطيب نسبة إلى سعيد جده الأعلى وكان قد ولي الخطابة بها وتحول جده الأدنى سعيد إلى غرناطة ومات سنة 683 ونشأ ابنه عبد الله في نعمة طائلة ثم ولي الوزارة بلوشة ورجع وخدم في المخزن بغرناطة ومات سنة 741 وقرأ لسان الدين القرآن على أبي عبد الله بن عبد الولي العواد حفظا ثم تجويدا لأبي عمرو وقرأ القراآت أيضا والعربية على أبي علي القيجاطي وأبي القاسم ابن جزي وأبي عبد الله بن الفخار وتأدب بأبي الحسن بن الجباب وسمع من أبي عبد الله بن جابر وأخيه أبي جعفر وأبي البركات بن الحاج وأبي محمد بن سلمون وأخيه أبي القاسم وأبي عمرو بن الأستاذ وأبي بكر بن شيرين وأبي عبد الله بن عبد الملك وأبي عبد الله بن حزب الله وأبي العباس بن يربوع وأبي محمد بن أيوب المالقي خاتمة أصحاب أبي علي بن أبي الأحوص وغيرهم وأخذ الطب والمنطق والحساب عن يحيى بن هذيل الفيلسوف وبرز في الطب وتولع بالشعر فنبغ فيه وترسل ففاق أقرانه واتصل بالسلطان أبي الحجاج يوسف بن أبي الوليد بن نصر بن الأحمر فمدحه وتقرب منه واستكتبه من تحت يد أبي الحسن بن الجباب إلى أن مات أبو الحسن في الطاعون العام فاستقل بكتابة السر وأضاف إليه رسوم الوزارة واستعمله في السفارة إلى الملوك واستنابه في جميع ما يملكه حتى كان في جملة المناشير له وأطلقنا يده على كل ما جعل الله لنا النظر فيه فلما قتل أبو الحجاج سنة 755 وقام ابنه محمد استمر بابن الخطيب على وزارته واستكتب معه غيره ثم أرسله إلى أبي عنان المريني بفأس ليستنجده فمدحه فاهتز له وبالغ في إكرامه فلما خلع محمد وتغلب أخوه إسماعيل على السلطنة فقبض عليه بعد أن أمنه واستؤصلت نعمته وقد وصفها بأنها لم يكن بالأندلس مثلها من تفجر الغلة وفراعة الأعيان وغبطة العقار وحصانة الآلات ورفعة البنيان واستجادة العدة ووفور الكتب إلى الآنية والفرش والطيب والمضارب والسائمة وبيع جميع ذلك وصاحبها البخس ونقصها الخوف وشمل الطلب جميع الأقارب واستمر مسجونا إلى أن وردت شفاعة أبي سالم ابن أبي عنان فيه وفي صاحبه وجعل خلاصه شرطا في مسالمة الدولة فانتقل صحبة سلطانه إلى فاس وبالغ في إكرامه وأجرى عليه وأقطعه وجالسه ثم نقله إلى مدينة سلا بعد أن دخل مراكش فأكرمه عمالها ثم شفع له أبو سالم مرة ثانية فردت عليه ضياعه بغرناطة غلى أن عاد سلطانه إلى السلطنة فقدم عليه بولده فأكرمه وتوسل إليه بأن يأذن له في الحج فلم يجبه وقلده ما وراء بابه فباشره مقتصرا على الكفاية راضيا بغير النبيه من اللبس هاجرا للزخرف صادعا بالحق في أسواق الباطل وعمر حينئذ زاوية ومدرسة وصلحت أمور سلطانه على يده فلم يزل في ذلك إلى أن وقع بينه وبين عثمان بن يحيى بن عمر شيخ الغزاة منافرة أدت إلى نفي عثمان المذكور في شهر رمضان سنة 764 فظن ابن الخطيب أن الوقت صفا له وأقبل سلطانه على اللهو وانفرد هو بتدبير المملكة فكثرت القالة فيه من الحسدة واستشعر في آخر الأمر أنهم سعوا به إلى سلطانه وخشي على نفسه البادرة فأخذ في التحيل في الخلاص وراسل أبا سالم صاحب فأس في اللحاق به وخرج على أن يتفقد الثغور الغربية فلم يزل حتى حاذى جبل الفتح فركب البحر إلى سبتة ودخل مدينة فاس سنة 73 فتلقاه أبو سالم وبالغ في إكرامه وأجرى له الرواتب فاشترى بها ضياعا وبساتين فبلغ ذلك أعداءه بالأندلس فسعوا به عند سلطانه حتى أذن لهم في الدعوى عليه بمجلس الحكم بكلمات كانت تصدر منه وتنسب إليه وأثبتوا ذلك وسألوه الحكم به فحكم بزندقته وإراقة دمه وأرسلوا صورة المكتوب إلى فاس فامتنع أبو سالم فقال هلا أثبتم ذلك عليه وهو عندكم فأما ما دام عندي فلا يوصل إليه فاستمر على حالته بفاس إلى أن مات أبو سالم فلما تسلطن بها أبو العباس بعده اغراه به بعض من كان يعادية فلم يزل إلى أن قبض عليه وسجن فبلغ ذلك سلطان غرناطة فأرسل وزيره أبا عبد الله ابن زمرك إلى أبي العباس بسببه فلم يزل به إلى أن أذن لهم في الدعوى عند القاضي فباشر الدعوى ابن زمرك في مجلس السلطان وأقام البينة بالكلمات التي أثبتت عليه فعزره القاضي بالكلام ثم بالعقوبة ثم بالسجن فطرق عليه السجن بعد أيام ليلا فخنق وأخرج من الغد فدفن فلما كان من غد دفنه وجد على شفير قبره محروقا فاعيد إلى حفرته وقد احترق شعره واسودت بشرته وذلك في شهور سنة 776 وقد اشتهر أنه نظم - حين أرادوا قتله - الأبيات المشهورة التي منها
فقل للعدا ذهب ابن الخطيب | وفات فسبحان من لا يفوت |
فمن كان يشمت منكم به | فقل يشمت اليوم من لا يموت |
وذكر الشيخ محمد القضباني أن ابن الأحمر وجهه رسولا إلى ملك الفرنج فلما أراد الرجوع أخرج له كتابا من ابن الخطيب بخطه يشتمل على نظم ونثر في غاية الحسن والبلاغة فاقرأه إياه فلما فرغ من قراءته قال له مثل هذا يقتل وبكى حتى بل ثيابه ومن تواليف ابن الخطيب التاج المحلى في أدباء المائة الثامنة والإكليل الزاهر فيمن فضل عند نظم التاج من الجواهر وهذان الكتابان يشتملان على تراجم الأدباء بالمغرب وجميع ما فيهما من الكلام مسجوع وله طرفة العصر في دولة بني نصر - ثلاث مجلدات ونفاضة الجراب في علالة الأعراب - أربعة أسفار وديوان الشعر في مجلدين وحمل الجمهور على السنين والشهور والتعريف بالحب الشريف واليوسفي في الطب - مجلدان ورقم الحلل في نظم الدول أرجوزة ونثره لو جمع لزاد على عشر مجلدات ومن شعره
ولما رأت عزمي حثيثا على السرى | وقدرا بها صبري على موقف البين |
أتت بكتاب الجوهري دموعها | فعاوضت من دمعي بمختصر العين |
وله
قل لشمس الدين وقيت الردى | لم يدع سقمك عندي جلدا |
رمدت عينك هذا عجب | أو عين الشمس تشكو الرمدا |
وله
أفقد جفنى لذبذ الوسن | من لم أزل فيه خليع الرسن |
عذاره المسكي في خده | انبته الله النبات الحسن |
وله
ما ضرنى أن لم أجئ متقدما | السبق يعرف آخر المضمار |
ولئن غدا ربع البلاغة بلقعا | فلرب كنز في أساس جدار |
وله
حلفت لهم بأنك ذو يسار | وذو ثقة وذو كف أمين |
ليستندوا إليك لحفظ مال | فتأكل باليسار وباليمين |
وله جلس المولى لتسليم الورى ... ولفرط البرد في الجو احتكام
فإذا ما سألوا عن يومنا | قلت هذا اليوم برد وسلام |
وله
إن الهوى لشكاية معروفة | صبر التصبر من أجل علاجها |
والنفس أن ألف مرارة طعمه | يوما ضمنت لها صلاح مزاجها |
وله
قال جوادي عندما | همزت همزا أزعجه |
إلى متى تهمز بي | ويل لكل همزه |
وله
طال حزني لنشاط ذاهب | كنت أسقي زمنا من حانه |
وشباب كان يندى خده | نزل الثلج على ريحانه |
وله
يا من بأكناف فؤادي رتع | قد ضاق بي عن حبك المتسع |
ما فيك لي جدوى ولا ارعوي | شح مطاع وهوى متبع |
وله
أنكرت لما أن حل عارضه | فقال حين رابه نظري |
ألم تقل لي بأنني قمر | فانظر إلى وبر اريب القمر |
وأما قصائده فكثيرة جدا رحمه الله تعالى حصلت هذه الترجمة من كلام ابن الخطيب نفسه من آخر كتابه الإحاطة إلا ما يتعلق بقصة وفاته من ابتدائها فتقلتها من تاريخ ابن خلدون