---
title: "أبو حيان النحوي | موسوعة التراجم والأعلام"
description: "أبو حيان النحوي"
canonical_url: "https://www.taraajem.com/persons/11982/أبو-حيان-النحوي"
last_updated: "2026-09-27"
---

# أبو حيان النحوي

**الاسم الكامل**: أبو حيان النحوي  
**العصر**: المملوكي  
**سنة الولادة**: 1265م 654هـ  
**سنة الوفاة**: 1344م 745هـ  
**التصنيف**: رجال  

## التراجم والترجمة في المصادر

### في كتاب: الأعلام

أبو حيان النحوي  محمد بن يوسف بن على بن يوسف بن حيان الغرناطي الاندلسي الجياني، النفزي، اثير الدين، ابو حيان: من كبار العلماء بالعربية والتفسير والحديث والتراجم واللغات. ولد في احدى جهات غرناطة، ورحل إلى مالقة. وتنقل إلى أن اقام بالقاهرة وتوفى فيها، بعد ام كف بصره. واشتهرت تصانيفه في حياته وقرئت عليه. من كتبه (البحر المحيط - ط) في تفسير القرآن، ثماني مجلدات و (النهر-ط) اختصر به البحر المحيط، و (مجاني العصر) في تراجم رجال عصره، ذكره ابن حجر في مقدمة الدرر وقال انه نقل عنه، ولم يذكره في ترجمة ابي حيان، و (طبقات نحاة الاندلس) و (زهو الملك في نحو الترك) و (الادراك للسان الاتراك-ط) و (منطق الخرس في لسان الفرس) و (نور الغبش في لسان الحبش) و (تحفة الاريب-ط) في غريب القرآن، و (منهج السالك في الكلام على الفية ابن مالك) و (التذييل والتكميل-خ) في شرح التسهيل لابن مالك، نحو، و (عقد اللآلي-خ) في القراآت، و (الحلل الحالية في اسانيد القرآن العالية) و (التقريب-خ) بخطه، و (المبدع-خ) في التصريف، و (النصار) مجلد ضخم ترجم به نفسه وكثيرا من اشياخه، و (ارتشاف الضرب من لسان العرب-خ) و (اللمحة البدرية في علم العربية-خ) وله شعر.

---

### في كتاب: أعيان الشيعة

أثير الدين أبو حيان محمد بن يوسف بن علي ابن يوسف بن حيان المقري الأثري الغرناطي

في الجزء الأول من كتاب نفح الطيب: قال الفاضل كمال الدين الأدفوي: وجرى على مذهب كثير من النحويين في تعصيبه للإمام علي التعصب المتين قال: حكى لي أنه قال لقاضي القضاء ابن جماعة أن عليا عهد إليه النبي صلى الله عليه وسلم أن لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق أتراه ما صدق في هذا فقال صدق فالذين سلوا السيوف في وجهه يبغضونه أو يحبونه

---

### في كتاب: الوافي بالوفيات

العلامة أثير الدين أبو حيان محمد بن يوسف بن علي بن يوسف بن حيان الشيخ الإمام الحافظ العلامة فريد العصر وشيخ الزمان وإمام النحاة أثير الدين أبو حيان الغرناطي، قرأ القرآن بالروايات وسمع الحديث بجزيرة الأندلس وبلاد إفريقية وثغر الإسكندرية وديار مصر والحجاز، وحصل الإجازات من الشام والعراق وغير ذلك واجتهد وطلب وحصل وكتب وقيد ولم أر في أشياخي أكثر اشتغالا منه لأني لم أره إلا يسمع أو يشتغل أو يكتب ولم أره على غير ذلك، وله إقبال على الطلبة الأذكياء وعنده تعظيم لهم، نظم ونثر وله الموشحات البديعة وهو ثبت فيما ينقله محرر لما يقوله عارف باللغة ضابط لألفاظها، وأما النحو والتصريف فهو إمام الدنيا فيهما لم يذكر معه في أقطار الأرض غيره في العربية، وله اليد الطولى في التفسير والحديث والشروط والفروع وتراجم الناس وطبقاتهم وتواريخهم وحوادثهم خصوصا المغاربة وتقييد أسمائهم على ما يتلفظون به من إمالة وترخيم وترقيق وتفخيم لأنهم مجاورو بلاد الفرنج وأسماؤهم قريبة وألقابهم كذلك، كل ذلك قد جوده وقيده وحرره، والشيخ شمس الدين الذهبي له سؤالات سأله عنها فيما يتعلق بالمغاربة وأجابه عنها، وله التصانيف التي سارت وطارت وانتشرت وما انتثرت وقرئت ودريت ونسخت وما فسخت، أخملت كتب الأقدمين وألهت المقيمين بمصر والقادمين، وقرأ الناس عليه وصاروا أئمة وأشياخا في حياته، وهو الذي جسر الناس على مصنفات الشيخ جمال الدين ابن مالك رحمه الله ورغبهم في قراءتها وشرح لهم غامضها وخاض بهم لججها وفتح لهم مقفلها، وكان يقول عن مقدمة ابن الحاجب رحمه الله تعالى: هذه نحو الفقهاء، والتزم أن لا يقرئ أحدا إلا إن كان في سيبويه أو في التسهيل لابن مالك أو في تصانيفه، ولما قدم البلاد لازم الشيخ بهاء الدين ابن النحاس رحمه الله كثيرا وأخذ عنه كتب الأدب، وهو شيخ حسن العمة مليح الوجه ظاهر اللون مشربا حمرة منور الشيبة كبير اللحية مسترسل الشعر فيها لم تكن كثة، عبارته فصيحة لغة الأندلس يعقد القاف قريبا من الكاف على أنه ينطق بها في القرآن فصيحة وسمعته يقول: ما في هذه البلاد من يعقد حرف القاف، وكان له خصوصية بالأمير سيف الدين أرغون الدوادار الناصري نائب السلطان بالممالك الإسلامية ينبسط معه ويبيت عنده، ولما توفيت ابنته نضار طلع إلى السلطان الملك الناصر وسأل منه أن يدفنها في بيتها داخل القاهرة فأذن له في ذلك وسيأتي ذكرها إن شاء الله تعالى، وكان أولا يرى رأي الظاهرية ثم إنه تمذهب للشافعي رضي الله عنه، وتولى تدريس التفسير بالقبة المنصورية والإقراء بالجامع الأقمر، وقرأت عليه الأشعار الستة والمقامات الحريرية وحضرها جماعة من أفاضل الديار المصرية وسمعوها بقراءتي عليه وكان بيده نسخة صحيحة يثق بها وبيد الجماعة قريب من اثنتي عشرة نسخة وإحداهن بخط الحريري ووقع منه ومن الجماعة في أثناء القراءة فوائد ومباحث عديدة وقال: لم أر بعد ابن دقيق العيد أفصح من قراءتك، ولما وصلت المقامة التي أورد الحريري فيها الأحاجي قال: ما أعرف مفهوم الأحجية المصطلح عليها بين أهل الأدب، فأخذت في إيضاح ذلك وضرب الأمثلة له فقال لي: لا تتعب معي فإني تعبت مع نفسي في معرفة ذلك كثيرا وما أفاد ولا ظهر لي، وهذا في غاية الإنصاف منه والعدالة لاعترافه لي في ذلك الجمع وهم يسمعون كلامه بمثل ذلك. وقرأت عليه أيضا سقط الزند لأبي العلاء وقرأت عليه بعض الحماسة لأبي تمام الطائي ومقصورة ابن دريد وغير ذلك، وسمعت من لفظه كتاب تلخيص العبارات بلطيف الإشارات في القراءات السبع لابن بليمة وسمعت عليه كتاب الفصيح لثعلب بقراءة القاضي شهاب الدين ابن فضل الله بالقاهرة، وسمعت من لفظه خطبة كتابه المسمى ب ارتشاف الضرب من لسان العرب، وانتقيت ديوانه وكتبته وسمعته منه، وسمعت من لفظه ما اخترته من كتابه مجاني الهصر وغير ذلك، أنشدني من لفظه لنفسه: 

        سبق الدمع بالمسير المطايا      إذ نوى من أحب عني نقله        وأجاد السطور في صفحة الخـ      ـد ولم لا يجيد وهو ابن مقله        
وأنشدني أيضا في صفات الحروف:

        أنا هاو لمستطيل أغن      كلما اشتد صارت النفس رخوه        أهمس القول وهو يجهر سبي      وإذا ما انخفضت أظهر علوه         فتح الوصل ثم أطبق هجرا      بصفير والقلب قلقل شجوه         لان دهرا ثم اغتدى ذا انحراف      وفشا السر مذ تكررت نحوه        
وأنشدني أيضا لنفسه:

        يقول لي العذول ولم أطعه:      تل فقد بدا للحب لحيه        تخيل أنها شانت حبيبي      وعندي أنها زين وحليه         
وأنشدني أيضا لنفسه: 

        شوقي لذاك المحيا الزاهر الزاهي      شوق شديد وجسمي الواهن الواهي         أسهرت طرفي ودلهت الفؤاد هوى      فالطرف والقلب مني الساهر الساهي         نهبت قلبي وتنهى أن يبوح بما      يلقاه واشوقه للناهب الناهي         بهرت كل مليح بالبهاء فما      في النيرين شبيه الباهر الباهي         لهجت بالحب لما أن لهوت به      عن كل شيء وويح اللاهج اللاهي        
وأنشدني أيضا لنفسه:

        راض حبيبي عارض قد بدا      يا حسنه من عارض رائض         وظن قوم أن قلبي سلا      والأصل لا يعتد بالعارض         
أنشدني أيضا لنفسه موشحة:

        إن كان ليل داج، وخاننا الإصباح،      فنورها الوهاج، يغني عن المصباح         سلافة تبدو      كالكواكب الأزهر         مزاجها شهد      وعرفها عنبر        يا حبذا الورد      منها وإن أسكر         قلبي بها قد هاج، فما تراني صاح،      عن ذلك المنهاج، وعن هوى يا صاح         وبي رشا أهيف      قد لج في بعدي         بدر فلا يخسف      منه سنا الخد        بلحظه المرهف      يسطو على الأسد        كسطوة الحجاج، في الناس والسفاح،      فما ترى من ناج، من لحظه السفاح         علل بالمسك      قلبي رشا أحور         منعم المسك      ذو مبسم أعطر        رياه كالمسك      وريقه كوثر        غصن على رجراج، طاعت له الأرواح،      فحبذا الآراج، إن هبت الأرواح         مهلا أبا القاسم      على أبي حيان         ما إن له عاصم      من لحظك الفتان        وهجرك الدائم      قد طال بالهيمان        فدمعه أمواج، وسره قد لاح      لكنه ما عاج، ولا أطاع اللاح        يا رب ذي بهتان      يعذل في الراح        وفي هوى الغزلان      دافعت بالراح        وقلت لا سلوان      عن ذاك يا لاحي        سبع الوجوه والتاج، هي منية الأفراح،      فاختر لي يا زجاج قمصال وزوج أقداح        
وأنشدني من لفظه أيضا لنفسه يعارض شمس الدين محمد بن العفيف التلمساني:

        عاذلي في الأهيف الأنس      لو رآه كان قد عذرا        رشأ قد زانه الحور      غصن من فوقه قمر        قمر من سحبه الشعر      ثغر في فيه أم درر        جال بين الدر واللعس      خمرة من ذاقها سكرا        رجة بالردف أم كسل      ريقة بالثغر أم عسل        وردة بالخد أم خجل      كحل بالعين أم كحل        يا لها من أعين نعس      جلبت لناظري سهرا        مذ نأى عن مقلتي سني      ما أذيقا لذة الوسن        طالما ألقاه من شجني      عجبا ضدان في بدني        بفؤادي جذوة القبس      وبعيني الماء منفجرا        قد أتاني الله بالفرج      إذ دنا مني أبو الفرج        قمر قد حل في المهج      كيف لا يخشى من الوهج        غيره لو صابه نفسي      ظنه من حره شررا        نصب العينين لي شركا      فانثنى والقلب قد ملكا        قمر أضحى له فلكا      قال لي يوما وقد ضحكا        أنت جئت في أرض أندلس      نحو مصر تعشق القمرا        
والموشحة التي لشمس الدين محمد التلمساني في هذا الوزن هي:

        قمر يجلو دجى الغلس      بهر الأبصار مذ ظهرا        آمن من شبهة الكلف      ذبت في حبيه بالكلف        لم يزل يسعى إلى تلفي      بركاب الدل والصلف        آه لولا أعين الحرس      نلت منه الوصل مقتدرا        يا أميرا جار مذ وليا      كيف لا ترثي لمن بليا        فبثغر منك قد جليا      قد حلا طعما وقد حليا        وبما أوتيت من كيس      جد فما أبقيت مصطبرا        بدر تم في الجمال سني      ولهذا لقبوه سني        قد سباني لذة الوسن      بمحيا باهر حسن        هو خشفي وهو مفترسي      فارو عن أعجوبتي خبرا        لك خد يا أبا الفرج      زين بالتوريد والضرج        وحديث عاطر الأرج      كم سبى قلبا بلا حرج        لو رآك الغصن لم يمس      أو رآك البدر لاستترا        يا مذيبا مهجتي كمدا      فت في الحسن البدور مدى        يا كحيلا كحله اعتمدا      عجبا أن تبرئ الرمدا        وبسقم الناظرين كسي      جفنك السحار فانكسرا        
وتوجه الشيخ أثير الدين أبو حيان يوما لزيارة الشيخ صدر الدين ابن الوكيل فلم يجده في منزله فكتب بالجبس على عادة المصريين: حضر أبو حيان، وكانت الكتابة على مصراع الباب، فلما حضر الشيخ صدر الدين رأى اسم الشيخ وكتب إليه:

        قالوا: أبو حيان غير مدافع      ملك النحاة، فقلت بالإجماع        اسم الملوك على النقود وإنني      شاهدت كنيته على المصراع        
وفيه يقول القاضي محيي الدين عبد الله بن عبد الظاهر وقد سمعه يتكلم في مسألة أصولية نقلت ذلك من خط محيي الدين وأنشدنيه أثير الدين من لفظه:

        قد قيل لما أن سمعت مباحثا      في الذات قررها أجل مفيد        هذا أبو حيان، قلت: صدقتم      وبررتم هذا هو التوحيدي        
وأنشدني من لفظه لنفسه القصيدة الدالية التي نظمها في مدح النحو والخليل وسيبويه ثم خرج منها إلى مديح صاحب غرناطة وغيره من أشياخه وأولها:

        هو العلم لا كالعلم شيء تراوده      لقد فاز باغيه وأنجح قاصده        
وهي تزيد على المائة بيت قصيدة مليحة، حكي لي أن الشيخ أثير الدين نظمها وهو ضعيف وتوجه إليه جماعة يعودونه فيهم شمس الدين ابن دانيال فأنشدهم الشيخ القصيدة المذكورة فلما فرغت قال ابن دانيال: يا جماعة وأخبركم أن الشيخ عوفي وما بقي به بأس لأنه لم يبق عنده فضلة، قوموا بنا بسم الله. وأنشدني الشيخ أثير الدين لنفسه قصيدته السينية التي أولها:

        أهاجك ربع حائل الرسم دارسه      كوحي كتاب أضعف الخط دارسه        
وهي قصيدة مليحة تلعب فيها بفنون الكلام تقارب المائة، وأنشدني لنفسه إجازة:

        تقشقته شيخا كأن مشيبه      على وجنتيه ياسمين على ورد        أخا العقل يدري ما يراد من النهى      أمنت عليه من رقيب ومن ضد        وقالوا الورى قسمان في شرعة الهوى      لسود اللحى ناس وناس إلى المرد         ألا إنني لو كنت أصبو لأمرد      صبوت إلى هيفاء مائسة القد         وسود اللحى أبصرت فيهم مشاركا      فأحببت أن أبقى بأبيضهم وحدي        
وأنشدني من لفظه لنفسه في مليح أحدب:

        تعشقته أحدبا كيسا      يحاكي نجيبا حنين البغام         إذا كدت أسقط من فوقه      تعلقت من ظهره بالسنام        
أنشدني من لفظه لنفسه في مليح أسود:

        علقته سبجي اللحظ حالكه      ما ابيض منه سوى ثغر حكى الدررا        قد صاغه من سواد العين خالقه      وكل عين إليه تقصد النظرا        
وأنشدني لنفسه إجازة ومن خطه نقلت: 

        ألا ما لها لخصا بقلبي عوابثا      أظن بها هاروت أصبح نافثا        إذا رام ذو وجد سلوا منعنه      وكن على دين التصابي بواعثا         وقيدن من أضحى عن الحب مطلقا      وأسرعن للبلوى بمن كان رائثا         بروحي رشا من آل خاقان راحل      وإن كان ما بين الجوانح لابثا         غدا واحدا في الحسن للفضل ثانيا      وللبدر والشمس المنيرة ثالثا        
وأنشدني لنفسه:

        عداتي لهم فضل علي ومنة      فلا أذهب الرحمن عني الأعاديا        هم بحثوا عن زلتي فاجتنبتها      وهم نافسوني فاكتسبت المعاليا        
وأنشدني لنفسه إجازة ومن خطه نقلت: 

        أسحر لتلك العين في القلب أم وخز      ولين لذاك الجسم في اللمس أم خز        وأملود ذاك القد أم أسمر غدا      له أبدا في قلب عاشقه هز        فتاة كساها الحسن أفخر ملبس      فصار عليه من محاسنها طرز         وأهدى إليها الغصن لين قوامه      فماس كأن الغصن خامره العز        يضوع أديم الأرض من نشر طيبها      ويخضر في آثارها تربة الجرز        وتختال في برد الشباب إذا مشت      فينهضها قد ويقعدها عجز        أصابت فؤاد الصب منها بنظرة      فلا رقية تجدي المصاب ولا حرز        
وأنشدني لنفسه إجازة في مليح أبرص ومن خطه نقلت:

        وقالوا: الذي قد صرت طوع جماله      ونفسك لاقت في هواه نزاعها        به وضح تأباه نفس أخي الحجى      وأفظع داء ما ينافي طباعها        فقلت لهم: لا عيب فيه يشينه      ولا علة فيه يروم دفاعها        ولكنما شمس الضحى حين قابلت      محاسنه ألقت عليه شعاعها        
وأنشدني لنفسه ومن خطه نقلت:

        رجاؤك فلسا قد غدا في حبائلي      قنيصا رجاء للنتاج من العقم        أأتعب في تحصيله وأضيعه      إذا كنت معتاضا من البرء بالسقم        
وأنشدني لنفسه ومن خطه نقلت في نوتي:

        كلفت بنوتي كأن قوامه      إذا ينثني خوط من البان ناعم        مجاذفه في كل قلب مجاذب      وهزاته للعاشقين هزائم        
وأنشدني لنفسه ومن خطه نقلت في فحام:

        وعلقته مسود عين ووفرة      وثوب يعاني صنعة الفحم عن قصد        كأن خطوط الفحم في وجناته      لطاخة مسك في جني من الورد        
وأنشدني لنفسه ومن خطه نقلت في مليح أعمى:

        ما ضر حسن الذي أهواه أن سنا      كريمتيه بلا شين قد احتجبا        قد كانتا زهرتي روض وقد ذوتا      لكن حسنهما الفتان ما ذهبا        كالسيف قد زال عنه صقله فغدا      أنكى وآلم في قلب الذي ضربا        
وأنشدني إجازة لنفسه ومن خطه نقلت:

        سأل البدر هل تبدى أخوه      قلت: يا بدر لن يطيق طلوعا        كيف يبدو وأنت يا بدر باد      أو بدران يطلعان جميعا        
وكتبت له أستدعي إجازته بما صورته:

المسؤول من إحسان سيدنا الشيخ الإمام العالم العامل العلامة لسان العرب، ترجمان الأدب، جامع الفضائل، عمدة وسائل السائل، حجة المقلدين، زين المقلدين، قطب المولين، أفضل الآخرين، وارث علوم الأولين، صاحب اليد الطولى في كل مقام ضيق، والتصانيف التي تأخذ بمجامع القلوب فكل ذي لب إليها شيق، والمباحث التي أثارت الأدلة الراجحة من مكامن أماكنها، وقنصت أوابدها الجامحة من مواطئ مواطنها، كشاف معضلات الأوائل، سباق غايات قصر عن شأوها سحبان وائل، فارع هضبات البلاغة في اجتلاء اجتلابها وهي في مرقى مرقدها، سالب تيجان الفصاحة في اقتضاء اقتعابها من فرق فرقدها، حتى أبرز كلامه جنان فضل جنان من بعده عن الدخول إليها جبان، وأتى ببراهين وجوه حورها لم يطمثهن إنس قبله ولا جان، وأبدع خمائل نظم ونثر لا تصل إلى أفنان فنونها يد جان، أثير الدين أبي حيان محمد:

        لا زال ميت العلم يحييه ولا      عجب لذلك من أبي حيان        حتى ينال بنو العلوم مرامهم      ويحلهم دار المنى بأمان        
إجازة كاتب هذه الأحرف ما رواه -فسح الله في مدته- من المسانيد والمصنفات والسنن والمجاميع الحديثية، والتصانيف الأدبية، نظما ونثرا إلى غير ذلك من أصناف العلوم على اختلاف أوضاعها، وتباين أجناسها وأنواعها، مما تلقاه ببلاد الأندلس وإفريقية، والإسكندرية والديار المصرية، والبلاد الحجازية، وغيرها من البلدان بقراءة أو سماع أو منازلة أو إجازة خاصة أو عامة كيف ما تأدى ذلك إليه، وإجازة ما له -أدام الله إفادته- من التصانيف في تفسير القرآن العظيم والعلوم الحديثية والأدبية وغيرها وما له من نظم ونثر إجازة خاصة وأن يثبت بخطه تصانيفه إلى حين هذا التاريخ وأن يجيزه إجازة عامة لما يتجدد له من بعد ذلك على رأي من يراه ويجوزه منعما متفضلا إن شاء الله تعالى.

فكتب الجواب بما صورته:

أعزك الله ظننت بالإنسان جميلا فغاليت، وأبديت من الإحسان جزيلا وما باليت، وصفت من هو القتام يظنه الناظر سماء، والسراب يحسبه الظمآن ماء، يا ابن الكرام وأنت أبصر من يشيم، أمع الروض النضير يرعى الهشيم، أما أغنتك فواضلك وفضائلك، ومعارفك وعوارفك، عن نغبة من دأماء، وتربة من يهماء، لقد تبلجت المهارق من نور صفحاتك، وتأرجت الأكوان من أريج نفخاتك، ولأنت أعرف بمن تقصد للدرايه، وأنقذ بمن تعتمد عليه في الروايه، لكنك أردت أن تكسو من مطارفك، وتتفضل بتالدك وطارفك، وتجلو الخامل في منصة النباهه، وتنقذه من لكن الفهاهه، فتشيد له ذكرا، وتعلي له قدرا، ولم يمكنه إلا إسعافك فيما طلبت، وإجابتك فيما إليه ندبت، فإن المالك لا يعصى، والمتفضل المحسن لا يقصى، وقد أجزت لك -أيدك الله- جميع ما رويته عن أشياخي بجزيرة الأندلس وبلاد إفريقية وديار مصر والحجاز وغير ذلك بقراءة وسماع ومناولة وإجازة بمشافهة وكتابة ووجادة، وجميع ما أجيز لي أن أرويه بالشام والعراق وغير ذلك، وجميع ما صنفته واختصرته وجمعته وأنشأته نثرا ونظما، وجميع ما سألت في هذا الاستدعاء، فمن مروياتي الكتاب العزيز قرأته بقراءات السبعة على جماعة من أعلاهم الشيخ المسند المعمر فخر الدين أبو الظاهر إسماعيل بن هبة الله بن علي بن هبة الله المصري ابن المليجي آخر من روى القرآن بالتلاوة عن أبي الجود، والكتب الستة والموطأ ومسند عبد ومسند الدارمي ومسند الشافعي ومسند الطيالسي والمعجم الكبير للطبراني والمعجم الصغير له وسنن الدارقطني وغير ذلك، وأما الأجزاء فكثيرة جدا، ومن كتب النحو والآداب فأروي بالقراءة كتاب سيبويه والإيضاح والتكملة والمفصل وجمل الزجاجي وغير ذلك والأشعار الستة والحماسة وديوان حبيب وديوان المتنبي وديوان المعري. 

وأما شيوخي الذين رويت عنهم بالسماع أو القراءة فهم كثير وأذكر الآن جملة من عواليهم فمنهم القاضي أبو علي الحسن بن عبد العزيز بن أبي الأحوص القرشي، والمقرئ أبو جعفر أحمد بن سعد بن أحمد بن بشير الأنصاري، وإسحاق بن عبد الرحيم بن محمد بن عبد الملك بن درباس، وأبو بكر بن عباس بن يحيى بن غريب البغداذي القواس، وصفي الدين الحسين بن أبي المنصور ظافر الخزرجي، وأبو الحسين محمد بن يحيى بن عبد الرحمن بن ربيع الأشعري، ووجيه الدين محمد بن عبد الرحمن بن أحمد الأزدي ابن الدهان، وقطب الدين محمد بن أحمد بن علي بن محمد بن القسطلاني، ورضي الدين محمد بن علي بن يوسف الأنصاري الشاطبي اللغوي، ونجيب الدين محمد بن أحمد بن محمد بن المؤيد الهمذاني، ومحمد بن مكي بن أبي القاسم بن حامد الأصبهاني الصفار، ومحمد بن عمر بن محمد بن علي السعدي الضرير ابن الفارض، وزين الدين أبو بكر محمد بن إسماعيل بن عبد الله بن الأنماطي، ومحمد بن إبراهيم بن ترجم بن حازم المازني، ومحمد بن الحسين بن الحسن بن إبراهيم الداري ابن الخليلي، ومحمد بن عبد المنعم بن محمد بن يوسف الأنصاري ابن الخيمي، ومحمد بن عبد الله بن محمد بن عمر العنسي عرف بابن النن، وعبد الله بن محمد بن هرون بن محمد بن عبد العزيز الطائي القرطبي، وعبد الله بن نصر الله بن أحمد بن رسلان بن فتيان بن كامل الخزمي، وعبد الله بن أحمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن فارس التميمي، وعبد الرحيم بن يوسف بن يحيى بن يوسف بن خطيب المزة، وعبد العزيز بن عبد الرحمن بن عبد العلي المصري السكري، وعبد العزيز بن عبد المنعم بن علي بن نصر بن الصيقل الحراني، وعبد العزيز بن عبد القادر بن إسماعيل الفيالي الصالحي الكتاني، وعبد المعطي بن عبد الكريم ابن أبي المكارم بن منجى الخزرجي، وعلي بن صالح بن أبي علي بن يحيى بن إسماعيل الحسيني البهنسي المجاور، وعازي بن أبي الفضل بن عبد الوهاب الحلاوي، والفضل بن علي بن نضر بن عبد الله بن الحسين بن رواحة الخزرجي، ويوسف بن إسحاق بن أبي بكر الطبري المكي، واليسر بن عبد الله بن محمد بن خلف بن اليسر القشيري، ومؤنسة بنت السلطان الملك العادل أبي بكر بن أيوب بن شاذي، وشامية بنت الحافظ أبي علي الحسن بن محمد بن محمد التيمية، وزينب بنت عبد اللطيف بن يوسف بن محمد بن علي البغداذي. 

وممن كتبت عنهم من مشاهير الأدباء: أبو الحكم مالك بن عبد الرحمن بن علي بن الفرح المالقي ابن المرحل، وأبو الحسن حازم بن محمد بن حازم الأنصاري القرطاجني، وأبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن يحيى بن عبد الله الهذلي التطيلي، وأبو عبد الله محمد بن محمد بن محمد بن زنون المالقي، وأبو عبد الله محمد بن عمر بن جبير الجلياني العكي المالقي، وأبو الحسين يحيى بن عبد العظيم بن يحيى الأنصاري الجزار، وأبو عمرو عثمان بن سعيد بن عبد الرحمن بن تولو القرشي، وأبو حفص عمر بن محمد بن أبي علي الحسن المصري الوراق، وأبو الربيع سليمان بن علي بن عبد الله بن ياتيبن الكومي التلمساني، وأبو العباس أحمد بن أبي الفتح نصر الله بن باتكين القاهري، وأبو عبد الله محمد بن سعيد بن حماد بن محسن الصنهاجي البوصيري، وأبو العباس أحمد بن عبد الملك بن عبد المنعم العزازي.

وممن أخذت عنه من النحاة: أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن عبد الرحمن الخشني الأبذي، وأبو الحسن علي بن محمد بن علي بن يوسف الكتامي ابن الضائع، وأبو جعفر أحمد بن إبراهيم بن الزبير بن محمد بن الزبير الثقفي، وأبو جعفر أحمد بن يوسف بن علي بن يوسف الفهري اللبلي، وأبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن محمد بن نصر الحلبي ابن النحاس.

وممن لقيت من الظاهرية أبو العباس أحمد بن علي بن خالص الأنصاري الإشبيلي الزاهد، وأبو الفضل محمد بن محمد بن سعدون الفهري الشنتمري، وجملة الذين سمعت منهم نحو من أربع مائة شخص وخمسين، وأما الذين أجازوني فعالم كثير جدا من أهل غرناطة ومالقة وسبتة وديار إفريقية وديار مصر والحجاز والعراق والشام.

وأما ما صنفت فمن ذلك: البحر المحيط في تفسير القرآن العظيم، إتحاف الأريب بما في القرآن من الغريب، كتاب الأسفار الملخص من كتاب الصفار شرحا لكتاب سيبويه، كتاب التجريد لأحكام سيبويه، كتاب التذييل والتكميل في شرح التسهيل، كتاب التنخيل الملخص من شرح التسهيل، كتاب التذكرة، كتاب المبدع في التصريف، كتاب الموفور، كتاب التقريب، كتاب التدريب، كتاب غاية الإحسان، كتاب النكت الحسان، كتاب الشذا في مسألة كذا، كتاب الفصل في أحكام الفصل، كتاب اللمحة، كتاب الشذرة، كتاب الارتضاء في الفرق بين الضاد والظاء، كتاب عقد اللآلي، كتاب نكت الأمالي، كتاب النافع في قراءة نافع، الأثير في قراءة ابن كثير، المورد الغمر في قراءة أبي عمرو، الروض الباسم في قراءة عاصم، المزن الهامر في قراءة ابن عامر، الرمزة في قراءة حمزة، تقريب النائي في قراءة الكسائي، غاية المطلوب في قراءة يعقوب، المطلوب في قراءة يعقوب قصيدة، النير الجلي في قراءة زيد بن علي، الوهاج في اختصار المنهاج، الأنوار الأجلي في اختصار المجلي، الحلل الحالية في أسانيد القرآن العالية، كتاب الإعلام بأركان الإسلام، نثر الزهر ونظم الزهر، قطر الحبي في جواب أسئلة الذهبي، فهرست مسموعاتي، نوافث السحر في دمائث الشعر، تحفة الندس في نحاة الأندلس، الأبيات الوافية في علم القافية، جزء في الحديث، مشيخة ابن أبي منصور، كتاب الإدراك للسان الأتراك، زهو الملك في نحو الترك، نفحة المسك في سيرة الترك، كتاب الأفعال في لسان الترك، منطق الخرس في لسان الفرس.

ومما لم يكمل تصنيفه: كتاب مسلك الرشد في تجريد مسائل نهاية ابن رشد، كتاب منهج السالك في الكلام على ألفية ابن مالك، نهاية الإغراب في علمي التصريف والإعراب رجز، مجاني الهصر في آداب وتواريخ لأهل العصر، خلاصة التبيان في علمي البديع والبيان رجز، نور الغبش في لسان الحبش، المخبور في لسان اليخمور.

قاله وكتبه أبو حيان محمد بن يوسف بن علي بن يوسف بن حيان، ومولدي بغرناطة في أخريات شوال سنة أربع وخمسين وست مائة تمت.

وتوفي رحمه الله تعالى في ثامن عشري صفر سنة خمس وأربعين وسبعمائة، وصلي عليه بجامع دمشق صلاة الغائب في شهر ربيع الأول وقلت أنا في رثائه:

        مات أثير الدين شيخ الورى      فاستعر البارق واستعبرا        ورق من حزن نسيم الصبا      واعتل في الأسحار لما سرى        وصادحات الأيك في نوحها      رثته في السجع على حرف را        يا عين جودي بالدموع التي      يروى بها ما ضمه من ثرى        واجري دما فالخطب في شأنه      قد اقتضى أكثر مما جرى        مات إمام كان في علمه      يرى إماما والورى من ورا        أمسى منادى للبلى مفردا      فضمه القبر على ما ترى         يا أسفا كان هدى ظاهرا      فعاد في تربته مضمرا         وكان جمع الفضل في عصره      صح فلما أن قضى كسرا        وعرف الفضل به برهة      والآن لما أن مضى نكرا        وكان ممنوعا من الصرف لا      يطرق من وافاه خطب عرا         لا أفعل التفضيل ما بينه      وبين من أعرفه في الورى         لا بدل عن نعته بالتقى      ففعله كان له مصدرا        لم يدغم في اللحد إلا وقد      فك من الصبر وثيق العرى         بكى له زيد وعمرو فمن      أمثلة النحو وممن قرا         ما أعقد التسهيل من بعده      فكم له من عسرة يسرا        وجسر الناس على خوضه      إذ كان في النحو قد استبحرا         من بعده قد حال تمييزه      وحظه قد رجع القهقرى        شارك من قد ساد في فنه      وكم له فن به استأثرا        دأب بني الآداب أن يغسلوا      بدمعهم فيه بقايا الكرى        والنحو قد سار الردى نحوه      والصرف للتصريف قد غيرا        واللغة الفصحى غدت بعده      يلغى الذي في ضبطها قررا        تفسيره البحر المحيط الذي      يهدي إلى وارده الجوهرا        فوائد من فضله جمة      عليه فيها نعقد الخنصرا         وكان ثبتا نقله حجة      مثل ضياء الصبح إن أسفرا        ورحلة في سنة المصطفى      أصدق من تسمع إن خبرا        له الأسانيد التي قد علت      فاستفلت عنها سوامي الذرى         ساوى بها الأحفاد أجدادهم      فاعجب لماض فاته من طرا        وشاعرا في نظمه مفلقا      كم حرر اللفظ وكم حبرا         له معان كلما خطها      تستر ما يرقم في تسترا         أفديه من ماض لأمر الردى      مستقبلا من ربه بالقرى         ما بات في أبيض أكفانه      إلا وأضحى سندسا أخضرا        تصافح الحور له راحة      كم تعبت في كل ما سطرا         إن مات فالذكر له خالد      يحيا به من قبل أن ينشرا         جاد ثرى واراه غيث إذا      مساه بالسقيا له بكرا         وخصه من ربه رحمة      تورده في حشره الكوثرا         
محمد بن يوسف بن عبد الغني بن ترشك -بالتاء ثالثة الحروف والراء وشين معجمة وبعدها كاف- الشيخ تاج الدين المقرئ الصوفي البغداذي، مولده ثالث عشر شهر رجب الفرد سنة ثمان وستين وست مائة ببغداذ، حفظ القرآن العظيم في صباه بالروايات وأقرأه، وسمع الكثير من ابن حصين ومن في طبقته وإجازاته عالية وروى وحدث، وسمع منه خلق ببغداذ وبدمشق وبغيرهما من البلاد، وكان ذا سمت حسن وخلق طاهر ونفس عفيفة رضية وصوت مطرب إلى الغاية، وقدم الشام مرارا وحدث وحج غير مرة ثم عاد إلى بلده، وتوفي رحمه الله تعالى سنة خمسين وسبع مائة وقد أضر بأخرة.

### في كتاب: الوافي بالوفيات

أثير الدين أبو حيان النحوي هو محمد بن يوسف.

### في كتاب: الوافي بالوفيات

أبو حيان النحوي أبو حيان أثير الدين النحوي المتأخر. اسمه محمد بن يوسف، تقدم ذكره في المحمدين فليطلب هناك.

---

### في كتاب: أعيان العصر وأعوان النصر

محمد بن يوسف بن علي ابن يوسف بن حيان، الشيخ الإمام العالم العلامة الفريد الكامل، حجة العرب، مالك أزمة الأدب، أثير الدين أبو حيان الأندلسي الجبائي الجياني، بالجيم والياء آخر الحروف مشددة، وبعد الألف نون.

كان أمير المؤمنين في النحو، والشمس السافرة شتاء في يوم الصحو، والمتصرف في هذا العلم، فإليه الإثبات والمحو، لو عاصر أئمة البصرة لبصرهم، وأهل الكوفة لكف عنهم اتباعهم الشواذ وحذرهم، نزل منه كتاب سيبويه في وطنه بعد أن كان طريدا، وأصبح به التسهيل بعد تعقيده مفيدا، وجعل سرحة شرحه وجنة راقت النواظر توريدا. ملأ الزمان تصانيف، وأمال عنق الأيام بالتواليف. تخرج به أئمة هذا الفن، وروق لهم في عصره منه سلافة الدن، فلو رآه يونس بن حبيب لكان بغيضا غير محبب، أو عيسى بن عمر لأصبح من تقعيره وهو محدب، أو الخليل لكان بعينه قذاه، أو سيبويه لما تردى من مسألته الزنبورية برداه، أو الكسائي لأعراه حلة جاهه عند الرشيد وأناسه، أو الفراء لفر منه ولم يقتسم ولد المأمون تقديم مداسه، أو الزيدي لأظهر نقصه من مكامنه، أو الأخفض لأخفى جملة من محاسنه، أو أبو عبيدة لما تركه ينصب لشعب الشعوبية، أو أبو عمرو لشغله بتحقيق اسمه دون التعلق بعربية، أو السكري لما راق كلامه في المعاني ولا حلا، أو المازني لما زانه قوله:

#إن مصابكم رجلا
أو قطرب لما دب في العربية ولا درج، أو ثعلب لاستكن بمكره في وكره وما خرج، أو المبرد لأصبحت قواه مفترة، أو الزجاج لأمست قواريره مكسرة، أو ابن الوزان لعدم نقده، أو الثمانيني لما تجاوز حده، أو ابن بابشاذ لعلم أن قياسه ما اطرد، أو ابن دريد ما بلع ريقه ولا ازدرد، أو ابن قتيبة لأضاع رحله، أو ابن السراج لمشاه إذا رأى وحله، أو ابن الخشاب لأضرم فيه نارا ولم يجد معها نورا، أو ابن الخباز لما سجر له تنورا، أو ابن القواس لما أغرق في نزعه، أو ابن يعيش لأوقعه في نزعة، أو ابن خروف لما وجد له مرعى، أو ابن إياز لما وجد لإوازه وقعا، أو ابن الطراوة لم يكن نحوه طريا، أو الدباج لكان من حلته الرائقة عريا.

وعلى الجملة فكان إمام النحاة في عصره شرقا وغربا، وفريد هذا الفن الفذ بعدا وقربا، وفيه قلت:

        سلطان علم النحو أستاذنا      الشيخ أثير الدين حبر الأنام        فلا تقل زيد وعمرو فما      في النحو معه لسواه كلام        
خدم هذا العلم مدة تقارب الثمانين، وسلك من غرائبه وغوامضه طرقا متشعبة الأفنانين.

ولم يزل على حاله الى أن دخل في خبر كان، وتبدلت حركاته بالإسكان.

وتوفي - رحمه الله تعالى - بمنزله خارج باب البحر بالقاهرة، في يوم السبت بعد العصر، الثامن والعشرين من صفر سنة خمس وأربعين وسبع مئة، ودفن من الغد بمقبرة الصوفية خارج باب النصر، وصلي عليه بالجامع الأموي بدمشق صلاة الغائب في شهر ربيع الآخر.

ومولده بمدينة مطخشارش في أخريات شوال سنة أربع وخسين وست مئة.

وقلت أنا أرثيه - رحمه الله تعالى:

        مات أثير الدين شيخ الورى      فاستعر البارق واستعبرا        ورق من حزن نسيم الصبا      واعتل في الأسحار لما سرى        وصادحات الأيك في نوحها      رثته في السجع على حرف را        يا عين جودي بالدموع التي      يروى بها ما ضمه من ثرى        واجر دما فالخطب في شأنه      قد اقتضى أكثر مما جرى        مات إمام كان في فنه      يرى أماما والورى من ورا        أمسى منادى للبلى مفردا      فضمه القبر على ما ترى        يا أسفا كان هدى ظاهرا      فعاد في تربته مضمرا        وكان جمع الفضل في عصره      صح فلما أن قضى كسرا        وعرف الفضل به برهة      والآن لما أن مضى نكرا        وكان ممنوعا من الصرف لا      يطرق من وافاه خطب عرا        لا أفعل التفضيل ما بينه      وبين من أعرفه في الورى        لا بدل عن نعته بالتقى      ففعله كان له مصدرا        لم يدغم في اللحد إلا وقد      فك من الصبر وثيق العرا        بكى له زيد وعمرو فمن      أمثلة النحو ومن قد قرا        ما أعقد التسهيل من بعده      فكم له من عسرة يسرا        وجسر الناس على خوضه      إذ كان في النحو قد استبحرا        من بعده قد حال تمييزه      وحظه قد رجع القهقرى        شارك من قد ساد في فنه      وكم له فن به استأثرا        دأب بني الآداب أن يغسلوا      بدمعهم فيه بقايا الكرى        والنحو قد سار الردى نحوه      والصرف للتصريف قد غيرا        واللغة الفصحى غدت بعده      يلغى الذي في ضبطها قررا        تفسيره البحر المحيط الذي      يهدي الى وراده الجوهرا        فوائد من فضله جمة      عليه فيها نعقد الخنصرا        وكان ثبتا نقله حجة      مثل ضياء الصبح إن أسفرا        ورحلة في سنة المصطفى      أصدق من تسمع إن أخبرا        له الأسانيد التي قد علت      فاستغلت عنها سوامي الذرا        ساوى بها الأحفاد أجدادهم      فاعجب لماض فاته من طرا        وشاعرا في نظمه مفلقا      كم حرر اللفظ وكم حبرا        له معان كلما خطها      تستر ما يرق في تسترا        أفديه من ماض لأمر الردى      مستقبلا من ربه بالقرى        ما بات في أبيض أكفانه      إلا وأضحى سندسا أخضرا        تصافح الحور له راحة      كم تعبت في كل ما سطرا        إن مات فالذكر له خالد      يحيا به من قبل أن ينشرا        جاد ثرى واراه غيث إذا      مساه بالسقيا له بكرا        وخصه من ربه رحمة      تورده في حشره الكوثرا        
وكان قد قرأ القرآن على الخطيب أبي محمد عبد الحق بن علي بن عبد الله نحوا من عشرين ختمة، إفرادا وجمعا، ثم على الخطيب الحافظ أبي جعفر أحمد الغرناطي المعروف بالطباع بغرناطة، ثم قرأ السبعة الى آخر سورة الحجر على الخطيب الحافظ أبي علي الحسين بن عبد العزيز بن محمد بن أبي الأحوص بمالقة.

ثم إنه قدم الإسكندرية، وقرأ القراءات على عبد النصير بن علي بن يحيى المريوطي.

ثم قدم مصر فقرأ بها القراءات على أبي الطاهر إسماعيل بن هبة الله المليجي، وسمع الكثير على الجم الغفير بجزيرة الأندلس وبلاد إفريقية والإسكندرية، وبادر مصر والحجاز، وحصل الإجازات من الشام والعراق وغير ذلك، واجتهد في طلب التحصيل والتقييد والكتابة، ولم أر في أشياخي أكثر اشتغالا منه، لأني لم أره قط إلا يسمع أو يشتغل أو يكتب، ولم أره على غير ذلك. وله إقبال على الطلبة الأذكياء، وعنده تعظيم لهم، ونظم ونثر، وله الموشحات البديعة.

وهو ثبت فيما ينقله، محرر لما يقوله، عارف باللغة، ضابط لألفاظها.

وأما النحو والتصريف، فهو إمام الناس كلهم فيهما، لم يذكر معه في أقطار الأرض غيره في حياته.

وله اليد الطولى في التفسير والحديث والشروط والفروع وتراجم الناس وطبقاتهم وحوادثهم، خصوصا المغاربة، وتقييد أسمائهم على ما يتلفظون به من إمالة وترقيق وتفخيم، لأنهم يجاورون بلاد الإفرنج، وأسماؤهم قريبة من لغاتهم، وألقابهم كذلك، وقيده وحرره، وسأله شيخنا الذهبي أسئلة فيما يتعلق بذلك، وأجابه عنها.

وله التصانيف التي سارت وطارت وانتشرت وما انتثرت، وقرئت ودريت، ونسخت وما فسخت، أخملت كتب الأقدمين، وألهمت المقيمين بمصر والقادمين، وقرأ الناس عليه، وصاروا أئمة وأشياخا في حياته، وهو الذي جسر الناس على مصنفات ابن مالك - رحمه الله تعالى - ورغبهم في قراءتها، وشرح لهم غامضها، وخاض بهم لججها، وفتح لهم مقفلها. وكان يقول عن مقدمة ابن الجاجب: هذه نحو الفقهاء.

وكان التزم أن لا يقرئ أحدا إلا إن كان في كتاب سيبوية أو في التسهيل لابن مالك أو في تصانيفه، ولما قدم من البلاد لازم الشيخ بهاء الدين - رحمه الله - كثيرا، وأخذ عنه كتب الأدب.

وكان شيخا حسن العمة، مليح الوجه، ظاهر اللون مشربا حمرة، منور الشيبة، كبير اللحية مسترسل الشعر فيها، لم تكن كثة. عبارته فصيحة بلغة الأندلس، يعقد القاف قريبا من الكاف على أنه لا ينطق بها في القرآن إلا فصيحة. وسمعته يقول: ما في هذه البلاد من يعقد حرف القاف.

وكانت له خصوصية بالأمير سيف الدين أرغون كافل الممالك، ينبسط معه، ويبيت عنده في قلعة الجبل. ولما توفيت ابنته نضار طلع الى السلطان الملك الناصر محمد، وسأل منه أن يدفنها في بيته داخل القاهرة في البرقية، فأذن له في ذلك، سيأتي ذكرها - إن شاء الله تعالى.

وكان أولا يرى رأي الظاهرية، ثم إنه تمذهب للشافعي - رضي الله عنه - بحث على الشيخ علم الدين العراقي المحرر للرافعي، ومختصر المنهاج للنووي، وحفظ المنهاج إلا يسيرا، وقرأ أصول الفقه على أستاذه أبي جعفر بن الزبير، بحث عليه من الإشارة للباجي ومن المستصفى للغزالي، وعلى الخطيب أبي الحسن ابن فصيلة، وعلى الشيخ علم الدين العراقي، وعلى الشيخ شمس الدين الأصبهاني، وعلى الشيخ علاء الدين الباجي. وقرأ أشياء من أصول الدين على شيخه ابن الزبير، وقرأ عليه شيئا من المنطق، وقرأ شيئا من المنطق على بدر الدين محمد بن سلطان البغدادي، وقرأ عليه شيئا من الإرشاد للعميدي في الخلاف. ولكنه برع في النحو، وانتهت إليه الرئاسة والمشيخة فيه، وكان خاليا من الفلسفة والاعتزال والتجسيم، وكان أولا يعتقد في الشيخ ابن تيمية، وامتدحه بقصيدة، ثم إنه انحرف عنه لما وقف على كتاب العرش له.

قال الفاضل كمال الدين الأدفوي: وجرى على مذهب كثير من النحويين في تعصبه للإما علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - التعصب المتين قال: حكي لي أنه قال لقاضي القضاة بدر الدين بن جماعة إن عليا - رضي الله عنه - عهد إليه النبي - صلى الله عليه وسلم - أن لا يحبك إلا مؤمن، ولا يبغضك إلا منافق أتراه ما صدق في هذا؟ فقال: صدق، قال: فقلت له: فالذين سلوا السيوف في وجهه، يبغضونه أو يحبونه؟ وغير ذلك.

قال: كان سيئ الظن بالناس كافة، فإذا نقل له عن أحد خير لا يتكيف به وإذا كان شرا يتكيف به ويبني عليه، حتى ممن هو عنده مجروح، فيقع في ذم من هو بألسنة العالم ممدوح، وبسبب ذلك وقع في نفس جمع كثير منه ألم كثير. انتهى.

قلت: أنا لم أسمع منه في حق أحد من الأحياء والأموات إلا خيرا، وما كنت أنقم عليه شيئا إلا ما كان يبلغني عنه من الحط على الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد، على أنني ما سمعت في حقه شيئا، نعم سمعته كان لا يثق بهؤلاء الذين يدعون الصلاح، حتى قلت له يوما: يا سيدي، فكيف نعمل في الشيخ أبي مدين؟ فقال: هو رجل مسلم دين، وإلا ما كان يطير في الهواء، ويصلي الصلوات في مكة كما يدعي فيه هؤلاء الأغمار.

وكان فيه - رحمه الله تعالى - خشوع، يبكي إذا سمع القرآن، ويجري دمعه عند سماع الأشعار الغزلية. وقال كمال الدين المذكور، قال لي: إذا قرأت أشعار العشق أميل إليها، وكذلك أشعار الشجاعة تستميلني، وغيرهما، إلا أشعار الكرم ما تؤثر في، انتهى.

قلت: كان يفتخر بالبخل كما يفتخر غيره بالكرم، وكان يقول لي: أوصيك احفظ دراهمك، ويقال عنك بخيل ولا تحتج الى السفل.

وأنشدني من لفظه لنفسه:

        رجاؤك فلسا قد غدا في حبائلي      قنيصا رجاء للنتاج من العقم        أأتعب في تحصيله وأضيعه      إذا كنت معتاضا من البر بالسقم        
قلت: والذي أراه فيه أنه طال عمره وتغرب، وورد البلاد، ولا شيء معه، وتعب حت حصل المناصب تعبا كثيرا، وكان قد جرب الناس، وحلب أشطر الدهر، ومرت به حوادث، فاستعمل الحزم، وسمعته غير مرة يقول: يكفي الفقير في مصر أربعة أفلس، يشتري له طلمة بايتة بفلسين، ويشتري له بفلس ربيبا وبفلس كوز ماء، ويشتري ثاني يوم ليمونا بفلس يأكل به الخبز. وكان يعيب علي مشتري الكتب، ويقول: الله يرزقك عقلا تعيش به، أنا أي كتاب أردته استعرته من خزائن الأوقاف، وإذا أردت من أحد أن يعيرني دراهم ما أجد ذلك.

وأنشدني له بإجازة:

        إن الدراهم والنساء كلاهما      لا تأمنن عليهما إنسانا        ينزعن ذا اللب المتين عن التقى      فترى إساءة فعله إحسانا        
وأنشدني له من أبيات:

        أتى بشفيع ليس يمكن رده      دراهم بيض للجروح مراهم        تصير صعب الأمر أهون ما يرى      وتقضي لبانات الفتى وهو نائم        
ومن حزمه قوله - رحمه الله تعالى:

        عداتي لهم فضل علي ومنة      فلا صرف الرحمن عني الأعاديا        هم بحثوا عن زلتي فاجتنبتها      وهم نافسوني فاكتسبت المعاليا        
وقد مدحه كثير من الشعراء والكبار الفضلاء، فمنهم القاضي محيي الدين بن عبد الظاهر:

        قد قلت لما أن سمعت مباحثا      في الذات قررها أجل مفيد        هذا أبو حيان، قلت: صدقتم      وبررتم هذا هو التوحيدي        
وكان قد جاء يوما الى بيت الشيخ صدر الدين بن الوكيل فلم يجده، فكتب بالجص على مصراع الباب، فلما رأى ابن الوكيل ذلك قال:

        قالوا أبو حيان غير مدافع      ملك النحاة، فقلت: بالإجماع        اسم الملوك على النقود وإنني      شاهدت كنيته على المصراع        
ومدحه شرف الدين بن الوحيد بقصيدة مطولة، أولها:

        إليك أبا حيان أعملت أينقي      وملت الى حيث الركائب تلتقي        دعاني إليك الفضل فانقدت طائعا      ولبيت أحدوها بلفظي المصدق        
ومدحه نجم الدين إسحاق بن ألمى التركي، وسأله تكملة شرح التسهيل، وأرسلها إليه من دمشق، وأولها:

        تبدى فقلنا وجهه فلق الصبح      يلوح لنا من حالك الشعر في جنح        
منها:

        بدأت بأمر تمم الله قصده      وكمله باليمن فيه وبالنجح        وسهلت تسهيل الفوائد محسنا      فكن شارحا صدري بتكملة الشرح        
ومدحه مجير الدين عمر بن اللمطي بقصيدة، أولها:

        يا شيخ أهل الأدب الباهر      من ناظم يلفى ومن ناثر        
ومدحه نجم الدين يحيى الإسكندري بقصيد، أولها:

        ضيف ألم بنا من أبرع الناس      لا ناقض عهد أيامي ولا ناس        عار من الكبر والأدناس ذو ترف      لكنه من سرابيل العلا كاس        
ومدحه نجم الدين الطوفي بقصيدتين، أول الأولى:

        أتراه بعد هجران يصل      ويرى في ثوب وصل مبتدل        قمر جار على أحلامنا      إذ تولاها بقد معتدل        
وأول الثانية:

        أعذروه فكريم من عذر      قمرته ذات وجه كالقمر        
ومدحه بهاء الدين محمد بن شهاب الدين الخيمي بقصيدة، أولها:

        إن الأثير أبا حيان أحيانا      بنشره طي علم مات أحيانا        
ومدحه القاضي ناصر الدين شافع بقصيدة، أولها:

        فضضت عن العذب النمير ختامها      وفتحت عن زهر الرياض كمامها        
ومدحه جماعة آخرون، يطول ذكرهم.

وكتبت أنا إليه من الرحبة في سنة تسع وعشرين وسبع مئة:

        لو كنت أملك من دهري جناحين      لطرت لكنه فيكم جنى حيني        يا سادة نلت في مصر بهم شرفا      أرقى به شرفا تنأى عن العين        وإن جرى لسما كيوان ذكر علا      أحلني فضلهم فوق السماكين        وليس غير أثير الدين أثله      فساد ما شاد لي حقا بلا مين        حبر ولو قلت: إن الباء رتبتها      من قبل، صدقك الأقوام في ذين        أحيا علوما أمات الدهر أكثرها      مذ جلدت خلدت ما بين دفين        يا واحد العصر ما قولي بمتهم      ولا أحاشي امرأ بين الفريقين        هذي العلوم بدت من سيبويه كما      قالوا وفيك انتهت يا ثاني اثنين        فدم لها وبودي لو أكون فدى      لما ينالك في الأيام من شين        يا سيبويه الورى في الدهر لا عجب      إذا الخليل غدا يفديك بالعين        
يقبل الأرض وينهي ما هو عليه من الأشواق التي برحت بألمها، وأجرت الدموع دما، وهذا الطرس الأحمر يشهد بدمها، وأربت بسحها على السحائب، وأين دوام هذه من ديمها، وفرقت الأوصال على السقم لوجود عدمها:

        فيا شوق ما أبقى ويا لي من النوى      ويا دمع ما أجرى ويا قلب ما أصبا        
ويذكر ولاءه الذي تسجع به في الروض الحمائم، ويسير تحت لوائه مسير الرياح بين الغمائم، وثناؤه الذي يتضوع كالزهر الكمائم، ويتنسم تنسم هامات الربا إذا لبست من الربيع ملونات العمائم.

        ويشهد الله على كل ما      قد قلته والله نعم الشهيد        
فكتب هو الجواب عن ذلك، ولكنه عدم مني.

وأنشدته يوما لنفسي:

        قلت للكاتب الذي ما أراه      قط إلا ونقط الدمع شكله        إن تخط الدموع في الخد شيئا      ما يسمى؟ فقال: خط ابن مقله        
وأنشدني هو من لفظه لنفسه:

        سبق الدمع بالمسيل المطايا      إذ نوى من أحب عني رحله        وأجاد الخطوط في صفحة الخد      ولم لا يجيد وهو ابن مقله        
وأنشدني في مليح نوتي:

        كلفت بنوتي كأن قوامه      إذا ينثني خوط من البان ناعم        مجاذفه في كل قلب مجاذب      وهزاته للعاشقين هزائم        
وأنشدته أنا لنفسي:

        إن نوتي مركب نحن فيه      هام فيه صب الفؤاد جريحه        أقلع القلب عن سلوي لما      أن بدا ثغره وقد طاب ريحه        
وأنشدته أنا لنفسي أيضا:

        نوتينا حسنه بديع      وفيه بدر السماء مغرى        ما حك برا إلا وقلنا      يا ليت أنا نحك برا        
فأعجباه - رحمه الله - وزهزه لهما.

وأنشدني هو لنفسه في مليح أحدب:

        تعشقته أحدبا كيسا      يحاكي نجيبا حنين البغام        إذا كدت أسقط من فوقه      تعلقت من ظهره بالسنام        
فأنشدته أنا في ذلك لنفسي:

        وأحدب رحت به مغرما      إذ لم تشاهد مثله عيني        لا غرو أن هام فؤادي به      وخصره ما بين ردفين        
وأنشدني من لفظه في مليح أعمى:

        ما ضر حسن الذي أهواه أن سنا      كريمتيه بلا شين قد احتجبا        قد كانتا زهرتي روض وقد ذوتا      لكن حسنهما الفتان ما ذهبا        كالسيف قد زال عند صقله فغدا      أنكى وآلم في قلب الذي ضربا        
وأنشدته أنا لنفسي في ذلك:

        ورب أعمى وجهه روضة      تنزهي فيها كثير الديون        في خده ورد غنينا به      عن نرجس ما فتحته للعيون        
وأنشدته أيضا لنفسي في ذلك:

        أيا حسن أعمى لم يخف حد طرفه      محب غدا سكران فيه وما صحا        إذا طار خد بات يرعى خدوده      غدا آمنا من مقلتيه الجوارحا        
وكتبت إليه استدعاء، وهو:

المسؤول من إحسان سيدنا الإمام العلامة لسان العرب، ترجمان الأدب، جامع الفضائل، عمدة وسائل السائل، حجة المقلدين، زين المقلدين، قطب المولين، أفضل الآخرين، وارث علوم الأولين، صاحب اليد الطولى في كل مكان ضيق، والتصانيف التي تأخذ بمجامع القلب، فكل ذي لب إليها شيق، والمباحث التي أثارت الأدلة الراجحة من مكامن أماكنها، وقنصت أوابدها الجامحة من مواطئ مواطنها، كشاف معضلات الأوائل، سباق غايات قصر عن شأوها سحبان وائل، فارع هضبات البلاغة في اجتلاء اجتلابها وهي في مرقى مرقدها، سالب تيجان الفصاحة في اقتضاء اقتضابها من فرق فرقدها، حتى أبرز كلامه جنان فضل جنان من بعده عن الدخول إليها جبان، وأتى ببراهين وجوه حورها ’’لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان’’ وأبدع خمائل نظم ونثر، لا تصل الى أفنان فنونها يد جان، أثير الدين أبي حيان محمد:

        لا زال ميت العلم يحييه وهل      عجب لذلك من أبي حيان        حتى ينال بنو العلوم مرامهم      ويحلهم دار المنى بأمان        
إجازة كاتب هذه الأحراف ما رواه - فسح الله في مدته - من المسانيد والمصنفات والسنن والمجاميع الحديثية والتصانيف الأدبية، نظما ونثرا الى غير ذلك من أصناف العلوم على اختلاف أوضاعها، وتباين أجناسها وأنواعها، مما تلقاه ببلاد الأندلس وإفريقية والإسكندرية والديار المصرية والبلاد الحجازية وغيرها من البلدان، بقراءة أو سماع أو مناولة أو إجازة خاصة أو عامة، كيف ما تأدى إليه، وإجازة ما له أدام الله إفادته من التصانيف في تفسير القرآن العظيم والعلوم الحديثية والأدبية وغيرها، وما له من نظم ونثر، إجازة خاصة، وأن يثبت بخطه تصانيفه الى حين هذا التاريخ، وأن يجيزه إجازة عامة لما يتجدد له من بعد ذلك على رأي من يراه ويجوزه، منعما متفضلا إن شاء الله تعالى.

فكتب الجواب هو - رحمه الله تعالى:

أعزك الله ظننت بالإنسان جميلا فغاليت، وأبديت من الإحسان جزيلا وما باليت، وصفت من هو القتام يظنه الناظر سماء، والسراب يحسبه الظمآن ماء، يا بن الكرام وأنت أبصر من يشيم، أمع الروض النضير يرعى الهشيم، أما أغنتم فواضلك وفضائلك، ومعارفك وعوارفك، عن نغبة من دأماء، وتربة من يهماء، لقد تبلجت المهارق من نور صفحاتك، وتأرجت الأكوان من أريج نفحاتك، ولأنت أعرف بمن يقصد للدراية، وأنقد بمن يعتمد عليه في الرواية، لكنك أردت أن تكسو من مطارفك، وتتفضل من تالدك وطارفك، وتجلو الخامل في منصة النباهة، وتنقذه من لكن الفهاهة، فتشيد له ذكرا، وتعلي له قدرا، ولم يمكنه إلا إسعافك فيما طلبت، وإجابتك فيما إليه ندبت، فإن المالك لا يعصى، والمتفضل المحسن لا يقصى.

وقد أجزت لك - أيدك الله - جميع ما رويته عن أشياخي بجزيرة الأندلس وبلاد إفريقية وديار مصر والحجاز وغير ذلك بقراءة أو سماع ومناولة وإجازة بمشافهة وكتابة ووجادة، وجميع ما أجيز لي أن أرويه بالشام والعراق وغير ذلك، وجميع ما صنفته واختصرته وجمعته وأنشأته نثرا ونظما، وجميع ما سألت في هذا الاستدعاء.

فمن مروياتي: الكتاب العزيز، قرأته بقراءات السبعة على جماعة، من أعلاهم الشيخ المسند المعمر فخر الدين أبو الطاهر إسماعيل بن هبة الله بن علي بن هبة الله المصري ابن المليجي آخر من روى القرآن بالتلاوة عن أبي الجود. والكتب الستة، والموطأ ومسند عبد ومسند الدارمي ومسند الشافعي ومسند الطيالسي والمعجم الكبير للطبراني، والمعجم الصغير له، وسنن الدارقطني وغير ذلك.

وأما الأجزاء فكثير جدا.

ومن كتب النحو والآداب، فأروي بالقراءة كتاب سيبويه والإيضاح والتكملة والمفصل وجمل الزجاجي وغير ذلك. والأشعار الستة والحماسة وديوان حبيب وديوان المتنبي وديوان المعري.

وأما شيوخي الذين رويت عنهم بالسماع أو القراءة، فهم كثير، وأذكر الآن منهم جملة، فمنهم: القاضي أبو علي الحسن بن عبد العزيز بن أبي الأحوص القرشي، والمقرئ أبو جعفر أحمد بن سعد بن أحمد بن بشير الأنصاري، وإسحاق بن عبد الرحيم بن محمد بن عبد الملك بن درباس، وأبو بكر بن عباس بن يحيى بن غريب البغدادي القواس، وصفي الدين الحسين بن أبي المنصور بن ظافر الخزرجي، وأبو الحسين محمد بن يحيى بن عبد الرحمن بن ربيع الأشعري، ووجيه الدين محمد بن عبد الرحمن بن أحمد الأزدي بن الدهان، وقطب الدين محمد بن أحمد بن علي بن محمد بن القسطلاني، ورضي الدين محمد بن علي بن يوسف الأنصاري الشاطبي اللغوي، ونجيب الدين محمد بن أحمد بن محمد بن المؤيد الهمداني. ومحمد بن مكي بن أبي القاسم بن حامد الأصبهاني الصفار، ومحمد بن عمر بن محمد بن علي السعدي الضرير ابن الفارض، وزين الدين أبو بكر محمد بن إسماعيل بن عبد الله بن الأنماطي، ومحمد بن إبراهيم بن ترجم بن حازم المازني، ومحمد بن الحسين بن الحسن بن إبراهيم الداري بن الخليلي، ومحمد بن عبد المنعم بن محمد بن يوسف الأنصاري بن الخيمي، ومحمد بن عبد الله بن عمر العنسي عرف بابن النن، وعبد الله بن محمد بن هارون بن محمد بن عبد العزيز الطائي القرطبي، وعبد الله بن نصر الله بن أحمد بن رسلان بن فتيان بن كامل الخرمي، وعبد الله بن أحمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن فارس التميمي، وعبد الرحيم بن يوسف بن يحيى بن يوسف بن خطيب المزة، وعبد العزيز بن عبد الرحمن بن عبد العلي المصري السكري، وعبد العزيز بن عبد المنعم بن علي بن نصر بن الصيقل الحراني، وعبد العزيز بن عبد القادر بن إسماعيل الفيالي الصالحي الكتاني، وعبد المعطي بن عبد الكريم بن أبي المكارم بن منجا الخزرجي، وعلي بن صالح بن أبي علي بن يحيى بن إسماعيل الحسيني البهنسي المجاور، وغازي بن أبي الفضل بن عبد الوهاب الحلاوي، والفضل بن علي بن نصر بن عبد الله بن الحسين بن رواحة الخزرجي، ويوسف بن إسحاق بن أبي بكر الطبري المكي، واليسر بن عبد الله بن محمد بن خلف بن اليسر القشيري، ومؤنسة بنت الملك العادل أبي بكر بن أيوب بن شاذي، وشامية بنت الحافظ أبي علي الحسن بن محمد بن محمد التيمية، وزينتب بنت عبد اللطيف بن يوسف بن محمد بن علي البغدادي.

وممن كتبت عنه من مشاهير الأدباء: أبو الحكم مالك بن عبد الرحمن بن علي بن أبي الفرج المالقي، وأبو الحسن حازم بن محمد بن حازم الأنصاري القرطاجني، وأبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن يحيى بن عبد الله الهذلي التطيلي، وأبو عبد الله محمد بن محمد بن محمد بن زنون المالقي، وأبو عبد الله محمد بن عمر بن جبير الجلياني العكي المالقي، وأبو الحسين يحيى بن عبد العظيم بن يحيى الأنصاري الجزار، وأبو عمرو عثمان بن سعيد بن عبد الرحمن بن تولو القرشي، وأبو حفص عمر بن محمد بن أبي علي الحسن المصري الوراق، وأبو الربيع سليمان بن علي بن عبد الله بن ياتينن الكومي التلمساني، وأبو العباس أحمد بن أبي الفتح نصر الله بن باتكين القاهري، وأبو عبد الله محمد بن سعيد بن حماد بن محسن الصنهاجي البوصيري، وأبو العباس أحمد بن عبد الملك بن عبد المنعم العزازي.

وممن أخذت عنه من النحاة: أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن محمد بن عبد الرحمن الخشني الأبذي، وأبو الحسن علي بن محمد بن علي بن يوسف الكتاني بن الضائع، وأبو جعفر أحمد بن إبراهيم بن الزبير بن محمد بن الزبير الثقفي، وأبو جعفر أحمد بن يوسف بن علي بن يوسف الفهري اللبلي، وأبو عبد الله محمد بن ابراهيم بن محمد بن نصر الله الحلبي بن النحاس.

وممن لقيته من الظاهرية: أبو العباس أحمد بن علي بن خالص الأنصاري الإشبيلي الزاهد، وأبو الفضل محمد بن محمد بن سعدون الفهري الشنتمري.

وجملة الذين سمعت منهم نحو من أربع مئة شخص وخمسين.

وأما الذين أجازوني فعالم كثير جدا من أهل غرناطة ومالقة وديار إفريقية وديار مصر والحجاز والعراق والشام.

وأما ما صنفته: فمن ذلك البحر المحيط في تفسير القرآن العظيم، إتحاف الأريب بما في القرآن من غريب، كتاب الإسفار الملخص من كتاب الصفار شرحا لكتاب سيبويه، كتاب التجريد لكتاب سيبويه، كتاب التذييل والتكميل في شرح التسهيل، كتاب التنخيل الملخص من شرح التسهيل، كتاب التذكرة، كتاب المبدع في التصريف، كتاب الموفور، كتاب التقريب، كتاب التدريب، كتاب غاية الإحسان، كتاب النكت الحسان، كتاب الشذا في مسألة كذا، كتاب الفصل في أحكام الفصل، كتاب اللمحة، كتاب الشذرة، كتاب الارتضاء في الفرق بين الضاد والظاء، كتاب عقد اللآلي، كتاب نكت الأمالي، كتاب النافع في قراءة نافع، الأثير في قراءة ابن كثير، المورد الغمر في قراءة أبي عمرو، الروض الباسم في قراءة عاصم، المزن الهامر في قراءة ابن عامر، الرمزة في قراءة حمزة، تقريب النائي في قراءة الكسائي، غاية المطلوب في قراءة يعقوب، المطلوب في قراءة يعقوب، النير الجلي في قراءة زيد بن علي، الوهاج في اختصار المنهاج، الأنور الأجلى في اختصار المحلى، الحلل الحالية في أسانيد القرآن العالية، كتاب الإعلام بأركان الإسلام، نثر الزهر ونظر الزهر، قطر الحبي في جواب أسئلة الذهبي، فهرست مسموعاتي، نوافث السحر في دمائث الشعر، تحفة الندس في نحاة أندلس، الأبيات الوافية في علم القافية، جزء في الحديث، مشيخة ابن أبي منصور، كتاب الإدراك للسان الأتراك، زهو الملك في نحو الترك، نفحة المسك في سيرة الترك، كتاب الأفعال في لسان الترك، منطق الخرس في لسان الفرس.

ومما لم يكمل تصنيفه، كتاب مسلك الرشد في تجريد مسائل نهاية ابن رشد، كتاب منهج السالك في الكلام على ألفية ابن مالك، نهاية الإعراب في علمي التصريف والإعراب رجز، مجاني الهصر في آداب وتواريخ لأهل العصر، خلاصة التبيان في علمي البديع والبيان رجز، نور الغبش في لسان الحبش، المخبور في لسان اليخمور.

قاله وكتبه أبو حيان محمد بن يوسف بن علي بن يوسف بن حيان.

وأنشدني الشيخ أثير الدين من لفظه لنفسه في صفات الحروف:

        أنا هاو لمستطيل أغن      كلما اشتد صارت النفس رخوه        أهمس القول وهو يجهر سبي      وإذا ما انخفضت أظهر علوه        فتح الوصل ثم أطبق هجرا      بصفير والقلب قلقل شجوه        لان دهرا ثم اغتدى ذا انحراف      وفشا السر مذ تكررت نحوه        
وأنشدني أيضا لنفسه:

        يقول لي العذول ولم أطعه      تسل فقد بدا للحب لحيه        تخيل أنها شانت حبيبي      وعندي أنها زين وحليه        
وأنشدني لنفسه أيضا:

        شوقي لذاك المحيا الزاهر الزاهي      شوق شديد وجسمي الواهن الواهي        أسهرت طرفي ودلهت الفؤاد هوى      فالطرف والقلب مني الساهر الساهي        نبهت قلبي وتنهى أن تبوح بما      يلقاه وا شوقه للناهب الناهي        بهرت كل مليح بالبهاء فما      في النيرين شبيه الباهر الباهي        لهجت بالحب لما أن لهوت به      عن كل فويح اللاهج اللاهي        
وأنشدني من لفظه لنفسه:

        راض حبيبي عارض قد بدا      يا حسنه من عارض رائض        وظن قوم أن قلبي سلا      والأصل لا يعتد بالعارض        
وأنشدني من لفظه لنفسه:

        تعشقته شيخا كأن مشيبه      على وجنتيه ياسمين على ورد        أخاد العقل يدري ما يراد من النهى      أمنت عليه من رقيب ومن صد        وقالوا: الورى قسمان في شرعة الهوى      لسود اللحى ناس وناس الى المرد        ألا إنني لو كنت أصبو لأمرد      صبوت الى هيفاء مائسة القد        وسود اللحى أبصرت فيهم مشاركا      فأحببت أن أبقى بأبيضهم وحدي        
وأنشدني من لفظه لنفسه:

        ألا ما لها لخصا بقلبي عوابثا      أظن بها هاروت أصبح نافثا        إذا رام ذو وجد سلوا منعنه      وكن على دين التصابي بواعثا        وقيدن من أضحى عن الحب مطلقا      وأسرعت للبلوى بمن كان رائثا        بروحي رشا من آل خاقان راحل      وإن كان ما بين الجوانح لابثا        غدا واحدا في الحسن للفضل ثانيا      وللبدر الشمس المنيرة ثالثا        
وأنشدني لنفسه، ومن خطه نقلت:

        أسحر لتلك العين في القلب أم وخز      ولين لذاك الجسم في اللمس أم خز        وأملود ذاك القد أم أسمر غدا      له أبدا في القلب عاشقه هز        فتاة كساها الحسن أفخر حلة      فصار عليها من محاسنها طرز        وأهدى إليها الغصن لين قوامه      فماس كأن الغصن خامره العز        يضوع أديم الأرض من نشر طيها      ويخضر من آثارها تربه الجرز        وتختال في برد الشباب إذا مشت      فينهضها قد ويقعدها عجز        أصابت فؤاد الصب منها بنظرة      فلا رقية تجدي المصاب ولا حرز        
وأنشدني إجازة في مليح أبرص، ومن خطه نقلت:

        وقالوا الذي قد صرت طوع جماله      ونفسك لاقت في هواه نزاعها        به وضح تأباه نفس أولي النهى      وأفظع داء ما ينافي طباعها        فقلت لهم لا عيب فيه يشينه      ولا علة فيه يروم دفاعها        ولكنها شمس الضحى حين قابلت      محاسنه ألقت عليه شعاعها        
وأنشدني من لفظه لنفسه في فحام:

        وعلقته مسود عين ووفرة      وثوب يعاني صنعة الفحم عن قصد        كأن خطوط الفحم في وجناته      لطاخة مسك في جني من الورد        
وأنشدني إجازة، ومن خطه نقلت:

        سأل البدر هل تبدى أخوه      قلت يا بدر لن يطيق طلوعا        كيف يبدو وأنت يا بدر باد      أو بدران يطلعان جميعا؟        
وأنشدني من لفظه لنفسه موشحة عارض بها شمس الدين محمد بن التلمساني:

        عاذلي في الأهيف الآنس      لو رآه كان قد عذرا        رشأ قد زانه الحور      غصن من فوقه قمر        قمر من سحبه الشعر      ثغر في فيه أم درر        جال بين الدر واللعس      خمرة من ذاقها سكرا        رجة بالردف أم كسل      ريقة بالثغر أم عسل        وردة بالخد أم خجل      كحل بالعين أم كحل        يا لها من أعين نعس      جلبت لناظري سهرا        مذ نأى عن مقلتي سني      ما أذيقا لذة الوسن        طال ما ألقاه من شجني      عجبا ضدان في بدني        بفؤادي جذوة القبس      وبعيني الماء منفجرا        قد أتاني الله بالفرج      إذ دنا مني أبو الفرج        قمر قد حل في المهج      كيف لا يخشى من الوهج        غيره لو صابه نفسي      ظنه من حره شررا        نصب العينين لي شركا      فانثنى والقلب قد ملكا        قمر أضحى له فلكا      قال لي يوما وقد ضحكا        أنت جئت من أرض أندلسي      نحو مصر تعشق القمرا        
وأما موشحة ابن التلمساني، فهي:

        قمر يجلو دجا الغلس      بهر الأبصار مذ ظهرا        آمن من شبهة الكلف      ذبت في حبيه بالكلف        لم يزل يسعى الى تلفي      بركاب الدل والصلف        آه لولا أعين الحرس      نلت منه الوصل مقتدرا        يا أميرا جار مذ وليا      كيف لا ترثي لمن بليا        فبثغر منك قد جليا      قد حلا طعما وقد حليا        وبما أوتيت من كيس      جد فما أبقيت مصطبرا        بدر تم في الجمال سني      ولهذا لقبوه سني        قد سباني لذة الوسن      بمحيا باهر حسن        هو خشفي وهو مفترسي      فارو عن أعجوبتي خبرا        لك خد يا أبا الفرج      زين بالتوريد والضرج        وحديث عاطر الأرج      كم سبى قلبا بلا حرج        لو رآك الغصن لم يمس      أو رآك البدر لاستترا        يا مذيبا مهجتي كمدا      فقت في الحسن البدور مدى        يا كحيلا كحلة اعتمدا      عجبا أن تبرئ الرمدا        وبسقم الناظرين كسي      جفنك السحار وانكسرا        
وأنشدني من لفظه لنفسه أيضا:

        إن كان ليل داج=وخاننا الإصباح=فنورها الوهاج      يغني عن المصباح        سلافة تبدو      كالكوكب الأزهر        مزاجها شهد      وعرفها عنبر        يا حبذا الورد      منها وإن أسكر        قلبي بها قد هاج=فما تراني صاح=عن ذلك المنهاج      وعن هوى يا صاح        وبي رشا أهيف      قد لج في بعدي        بدر فلا يخسف      منه سنا الخد        بلحظه المرهف      يسطو على الأسد        كسطوة الحجاج=في الناس والسفاح=فما ترى من ناج      من لحظه السفاح        علل بالمسك      قلب رشا أحور        منعم المسك      ذو مبسم أعطر        رياه كالمسك      وريقه كوثر        غصن على رجراج=طاعت له الأرواح=فحبذا الآراج      إن هبت الأرواح        مهلا أبا القاسم      على أبي حيان        ما إن له عاصم      من لحظك الفتان        وهجرك الدائم      قد طال بالهيمان        فدمعه أمواج=وسره قد لاح=لكنه ما عاج      ولا أطاع اللاح        يا رب ذي بهتان      يعذل في الراح        وفي هوى غزلان      دافعت بالراح        وقلت لا سلوان      عن ذاك يا لاحي        سبع الوجوه والتاج=هي منية الأفراح=فاختر لي يا زجاج      قمصال وزوج أقداح        
وأنشدني من لفظه لنفسه القصيدة الدالية، التي نظمها في مدح النحو والخليل وسيبويه، ثم خرج منها الى مديح صاحب غرناطة وغيره من أشياخه، وأولها:

        هو العلم لا كالعلم شيء تراوده      لقد فاز باغيه وأنجح قاصده        
وهي قصيدة جيدة تزيد على المئة بيت. حكي لي أن الشيخ أثير الدين - رحمه الله تعالى - نظمها وهو ضعيف، وتوجه إليه جماعة يعودونه، وفيهم شمس الدين بن دانيال، فأنشدهم الشيخ - رحمه الله تعالى - القصيدة المذكورة، فلما فرغت، قال ابن دانيال: يا جماعة، أخبركم أن الشيخ قد عوفي، وما بقي عليه باس، لأنه لم يبق عنده فضلة، قوموا باسم الله.

وأنشدني من لفظه لنفسه - رحمه الله تعالى - قصيدته السينية التي أولها:

        أهاجك ربع حائل الرسم دارسه      كوحي كتاب أضعف الخط دارسه

---

### في كتاب: الدرر الكامنة في أعيان المئة الثامنة

محمد بن يوسف بن علي بن يوسف بن حيان الغرناطي محمد بن يوسف بن علي بن يوسف بن حيان الغرناطي أثير الدين أبو حيان الأندلسي الجياني ولد في أواخر شوال سنة 654 وقرأ القرآن على الخطيب عبد الحق بن علي إفرادا وجمعا ثم على الخطيب أبي جعفر ابن الطباع ثم على الحافظ أبي علي بن أبي الأحوص بمالقة وسمع الكثير ببلاد الأندلس وإفريقية ثم قدم الاسكندرية فقرأ القراءآت على عبد النصير بن علي المربوطي وبمصر على أبي طاهر إسماعيل بن عبد الله المليجي خاتمة أصحاب أبي الجود ولازم بها الشيخ بهاء الدين ابن النحاس فسمع عليه كثيرا من كتب الأدب ومن عوالي أشياخه على ما كتب بخطه أبو علي بن أبي الأحوص ومحمد بن يحيى بن عبد الرحمن بن ربيع والوجيه بن البرهان والقطب القسطلاني وابن الأنماطي والعز الحراني وأبو محمد بن هارون ومحمد بن عبد الله بن البن وابن خطيب المزة وغازي الحلاوي ومؤنسة بنت العادل وشامية بنت البكري قال وعدة من أخذت عنه أربعمائة وخمسون شخصا وأما من أجازني فكثير جدا وسمع أيضا من عبد الوهاب ابن الفرات وعبد الله بن أحمد بن فارس قال الصفدي لم أره قط إلا يسمع أو يشغل أو يكتب أو ينظر في كتاب ولم أره على غير ذلك وكان له إقبال على أذكياء الطلبة يعظمهم وينوه بقدرهم وكان كثير النظم من الأشعار والموشحات وكان ثبتا فيما ينقله عارفا باللغة وأما النحو والتصريف فهو الإمام المطلق فيهما خدم هذا الفن أكثر عمره حتى صار لا يذكر أحد في أقطار الأرض فيهما غيره وله اليد الطولى في التفسير والحديث وتراجم الناس ومعرفة طبقاتهم وخصوصا المغاربة وله التصانيف التي سارت في آفاق الأرض واشتهرت في حياته وأقرأ الناس قديما وحديثا حتى ألحق الصغار بالكبار وصارت تلامذته أئمة وأشياخا في حياته وهو الذي جسر الناس على قراءة كتب ابن مالك ورغبهم فيها وشرح لهم غامضها وكان يقول عن مقدمة ابن الحاجب هذه نحو الفقهاء وألزم أحدا أن لا يقرئ أحدا إلا في كتاب سيبويه أو في التسهيل لابن مالك أو في مصنفاته وقال ابن الخطيب كان سبب رحلته عن غرناطة أنه حملته حدة شبيبته على التعرض للأستاذ أبي جعفر ابن الطباع وقد وقعت بينه وبين أستاذه أبي جعفر بن الزبير وحشة فنال منه وتصدى للتأليف في الرد عليه وتكذيب روايته فرفع أمره للسلطان بغرناطة فانتصر له وأمر بإحضاره وتنكيله فاختفى ثم أجاز البحر مختفيا ولحق بالمشرق وتكررت رحلته إلى أن حل بالديار المصرية قال وشعره كثير بحيث يوصف بالإجادة وضدها وقدم أبو حيان سنة 679 فأدرك أبا طاهر المليجي وكان آخر من قرأ على أبي الجود فقرأ عليه وحضر مجلس الشيخ شمس الدين الأصبهاني وكان ظاهريا وانتمى إلى الشافعية واختصر المنهاج وكان أبو البقاء يقول أنه لم يزل ظاهريا قلت كان أبو حيان يقول محال أن يرجع عن مذهب الظاهر من علق بذهنه ذكر مصنفاته منقولة من خطه البحر المحيط في التفسير كبير غريب القرآن في مجلد الأسفار الملخص من كتاب الصفار وشرح التسهيل التذكرة الموفور التذكير المبدع التقريب التدريب غاية الإحسان والنكت الحسان الشذى في مسألة كذا اللمحة الشذرة الارتضاء عقد اللآلئ نكتب الأملى النافع المورد الغمر والروض الباسم المزن الهامر الرمزة تقريب النائي غاية المطلوب والنثر الجلي الوهاج في اختصار المنهاج الأنور الأجلى في اختصار المحلى الحلل الحالية الأعلام ونثر الزهر في نظم الزهر القطر الحبى والفهرست نوافث السحر مجاني الهصر تحفة الندس في نحاة الأندلس الأبيات الوافية في القافية الإدراك للسان الأتراك وزهو الملك في نحو الترك الأفعال في لسان الترك منطق الخرس بلسان الفرس ونور العبش في لسان الحبش المحبور في لسان اليحمور مسلك الرشد منهج السالك نهاية الإعراب خلاصة التبيان بعضها لم يكمل ومن شعره
         راض حبيبي عارض قد بدا=يا حسنه من عارض رائض #وظن قوم أن قلبي سلا=والأصل لايعتد بالعارض وله
 #رجاؤك فلسا قد غدا في حبائلي=قنيصا رجاء للنتاج من العقم #أأتعب في تحصيله وأضيعه=إذا كنت معتاضا من البرء بالسقم وله
 #إن الدراهم والنساء كلاهما=لا تأمنن عليهما إنسانا #ينزعن ذا اللب المتين عن التقى=فيرى إساءة فعله إحسانا وله
 #أتى بشفيع ليس يمكن رده=دراهم بيض للجروح مراهم #تصير صعب الأمر أهون ما ترى=وتقضي لبانات الفتى وهو نائم وله
 #عداتي لهم فضل علي ومنة=فلا صرف الرحمن عني الأعاديا #هم بحثوا عن زلتي فاجتنبتها=وهم نافسوني فاكتسبت المعاليا ومن قصائده المطولة القصيدة التي مدح بها الشافعي أولها
 غذيت بعلم النحو أن صار لي ثديا يقول فيها شأى الشافعي الناس والقصيدة الدالية التي مدح بها النحو والخليل وسيبويه وختمها بمدح ابن الأحمر أولها
 #هو العلم لا كالعلم شيء يراوده=لقد فاز باغيه وأنجح قاصده وهي تزيد على مائة بيت والقصيدة السينية التي أولها
 #أهاجك ربع حائل الربع دارسه      كوحي كتاب أضعف الخط دارسه ونظم قصيدة على وزن الشاطبية في القراءآت بغير رموز وهي أخصر وأكثر فوائد ولكن ما رزقت حظ الشاطبية قال الكمال جعفر في ترجمته شيخ الدهر وعالمه ومحيي الفن الأدبي بعد ما درست معالمه ومجرى اللسان العربي فلا يقاربه أحد فيه ولا يقاومه وذكر أنه لازمه من سنة ثماني عشرة إلى أن مات وذكر جملة كثيرة من شيوخه وأنه بحث في المحرر للرافعي على العلم العراقي وحفظ المنهاج واختصره واختصر المحلى لابن حزم وذكر تصانيفه وذكر أنه كان صدوقا حجة ثبتا سالما في العقيدة من البدع الفلسفية والاعتزال والتجسيم وجرى على مذهب الأدب في الميل إلى محاسن الشباب ومال إلى مذهب أهل الظاهر وإلى محبة علي بن أبي طالب والتجافي عن من قاتله وكان يتأول قوله لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق وكان كثير الخشوع يبكي عند قراءة القرآن وعند الأبيات الغزلية قال وامتدحه الأعيان منهم ابن عبد الظاهر وشافع والصدر بن الوكيل والشرف بن الوحيد والنجم الطوفي وأبوه الحسين الجزار والشهاب العزازي وإسحاق بن المنجا التركي والمجير القوصي ابن الخيمي - انتهى ووقفت على كتاب له سماه النضار عن المسلاة عن نضار بخطه في مجلد صخم ذكر فيه أوليته وابتداء أمره وصفة رحلته وتراجم الكثير من أشياخه وأحواله إلى أن استطرد إلى أشياء كثيرة تشتمل على فوائد غزيرة قد لخصتها في التذكرة ومما ذكر في نسبه النفزي قال هي نسبة إلى نفزة قبيلة من البربر والبربر فيما يزعمون من ولد بربر بن قيس بن عيلان بن مضر وهم قبائل زناتة وهوارة وصنهاجة ونفزة وكتامة ولواتة وصدينة وسنانة ومرانة وكانوا كلهم بفلسطين مع جالوت فلما قتل تفرقوا وقصد أكثرهم الجبال في السوس وغيرها وقال غرناطة قاعدة بلاد الأندلس تشبه دمشق في كثرة الفواكه وهي إسلامية قال وكان أبي من جيان - بالجيم فكان يقال لأبي حيان الجياني - بالجيم والمهملة ويقال أنه ضعف مرة فعاده جماعة منهم ابن دانيال المقدم ذكره فأنشدهم قصيدة من مطولاته فلما فرغ قال ابن دانيال يا جماعة أبشركم أن الشيخ عوفي وغدا يدخل الحمام فسألوه عن ذلك فقال لم يبق عنده فضلة إلا استفرغها قال الصفدي كان شيخا طوالا حسن النغمة مليح الوجه ظاهر اللون مشربا بحمرة منور الشيبة كبير اللحية مسترسل الشعر فيها لم تكن كثة وعباراته فصيحة بلغة الأندلس يعقد القاف قريبا من الكاف لكنه لاينطق بها في القرآن إلا فصيحة متقنة قد مدحه جماعة من الأدباء البلغاء وأخذ عنه كبار المشايخ ممن مات في حياته أو بعده بقليل لأنه عمر طويلا وكان اختص بأرغون النائب وصار يبيت عنده بالقلعة ولما ماتت بنته نضار سأل من السلطان الناصر أن يأذن له أن يدفنها في بيته بالشرقية فأذن له وكان ظاهري المذهب فلما قدم القاهرة ورأى مذهب الظاهر مهجورا فيها تمذهب للشافعي وقرأ على العلم العراقي في المحرر وفي المنهاج ثم درس المنهاج فحفظه إلا يسيرا منه قلت ونسخه بخطه ورأيته ثم اختصره وقرأ شيئا من أصول الفقه على أبي جعفر بن الزبير في الإشارة للباجي ومن المستصفي وقرأ في أصول الدين على ابن الزبير أيضا وقرأ شيئا في المنطق على بدر الدين محمد بن سلطان وقرأ عليه من الإرشاد للحميدي في الخلاف وبرع في النحو إلى أن صار لا يعرف إلا به وكان عريا من الفلسفة بريئا من الاعتزال والتجسيم متمسكا بطريقة السلف وكان يعظم ابن تيمية ومدحه بقصيدة ثم انحرف عنه وذكره في تفسيره الصغير بكل سوء ونسبه إلى التجسيم فقيل إن سبب ذلك أنه بحث معه في العربية فأساء ابن تيمية على سيبويه فساء ذلك أبا حيان وانحرف عنه وقيل بل وقف له على كتاب العرش فاعتقد أنه مجسم وأكثر من سماع الحديث حتى بلغت عدة شيوخه أربعمائة وأجاز له جمع جم وقد جمعهم في كتاب البيان في شيوخ أبي حيان فبلغوا ألفا وخمسمائة وتصانيفه يزيد على خمسين قال جعفر الأدفوي جرى على طريق كثير من أئمة النحاة في حب علي حتى قال مرة لبدر الدين ابن جماعة قد روى علي قال عهد إلي النبي صلى الله عليه وسلم لا يحبني إلا مؤمن ولا يبغضني إلا منافق هل صدق في هذه الرواية فقال له ابن جماعة نعم فقال فالذين قاتلوه وسلوا السيوف في وجهه كانوا يحبونه أو يبغضونه قال الأدفوي أيضا كان الشيخ سيء الظن بالناس كافة وتعقبه الصفدي بأنه لم يسمع منه في حق أحد من الأحياء ولا الأموات إلا خيرا قال وكان يبلغني أنه كان يحط على ابن دقيق العيد لكن لم أسمع منه في ذلك شيئا وسمعت منه التنفير عن الذين ينسبون إلى الصلاح حتى قلت له يوما يا سيدي فما تقول في الشيخ أبي مدين قال رجل مسلم دين وإلا ما كان يطير في الهواء ولا يصلي الخمس بمكة كما يدعي فيه هؤلاء الجهلة قال وكان فيه خشوع ويبكي إذا سمع القرآن ويجري دمعه إذا سمع الأشعار الغزلية وكان يقول يؤثر في من الأشعار ما كان غزلا أو حماسة إلا أشعار الكرم فإنها لا تؤثر في وكان يفتخر بالبخل كما يفتخر الناس بالكرم ويقول أوصيك احفظ دراهمك ودع يقال بخيل ولا تحتاج إلى الأرذال قال وكان يلومني على بذل الدراهم في شراء الكتب ويقول إذا أردت كتابا استعرته من كتب الأوقاف وقضيت حاجتي وإذا احتجت إلى درهم لم أجد من يعيرني إياه وكان يقول يكفي الفقير في مصر في كل يوم أربعة أفلس يشتري طلمة بائتة بفلس للعشاء وأخرى للغداء وبفلس زيتا وبفلس ماء وقال الذهبي في المعجم المختص أبو حيان ذو فنون حجة العرب وعالم الديار المصرية له عمل جيد في هذا الشأن وكثرة طلب وقال الأسنوي كان إمام زمانه في علم النحو إماما في اللغة عارفا بالقراءات والحديث شاعرا مجيدا صادق اللهجة كثير الإتقان والاستحضار شافعيا لكنه يميل إلى الظاهر ويصرح به أحيانا وأضر قبل موته بقليل قلت حدثنا عنه جماعة من شيوخنا منهم حفيده أبو حيان محمد بن حيان ابن أبي حيان والشيخ أبو إسحاق التنوخي وشيخ الإسلام سراج الدين البلقيني ومات بمنزله خارج باب البحر في 28 صفر سنة 745

---

### في كتاب: طبقات الشافعية الكبرى

محمد بن يوسف بن علي بن يوسف بن حيان النفزي الأندلسي الجياني الأصل الغرناطي المولد والمنشأ المصري الدار شيخنا وأستاذنا أبو حيان شيخ النحاة العلم الفرد والبحر الذي لم يعرف الجزر بل المد سيبويه الزمان والمبرد إذا حمي الوطيس بتشاجر الأقران
 وإمام النحو الذي لقاصده منه ما يشاء ولسان العرب الذي لكل سمع لديه الإصغاء
 كعبة علم تحج ولا تحج ويقصد من كل فج
 تضرب إليه الإبل آباطها وتفد عليه كل طائفة سفرا لا يعرف إلا نمارق البيد بساطها
 وكان عذبا منهلا وسيلا يسبق ارتداد الطرف وإن جاء منهملا
 يعم المسير إليه الغدو والرواح ويتنافس على أرج ثنائه مسك الليل وكافور الصباح
 ولقد كان أرق من النسيم نفسا وأعذب مما في الكؤوس لعسا
 طلعت شمسه من مغربها واقتعد مصر فكان نهاية مطلبها
 وجلس بها فما طاف على مثله سورها ولا طار إلا إليه من طلبة العلم قشاعمها ونسورها
 وازدهرت به ولا ازدهاءها بالنيل وقد رواها وافتخرت به حتى لقد لعبت بأغصان البان مهاب صباها
 مولده بمطخشارش وهي مدينة مسورة من أعمال غرناطة في أخريات شوال سنة أربع وخمسين وستمائة
 ونشأ بغرناطة وقرأ بها القراآت والنحو واللغة وجال في بلاد المغرب ثم قدم مصر قبل سنة ثمانين وستمائة
 وسمع الكثير سمع بغرناطة الأستاذ أبا جعفر بن الزبير
 وأبا جعفر بن بشير وأبا جعفر بن الطباع وأبا علي بن أبي الأحوص وغيرهم
 وبمالقة أبا عبد الله محمد بن عباس القرطبي وببجاية أبا عبد الله محمد بن صالح الكناني وبتونس أبا محمد عبد الله بن هارون وغيره وبالأسكندرية عبد الوهاب ابن حسن بن الفرات وبمكة أبا الحسن علي بن صالح الحسيني وبمصر عبد العزيز الحراني وابن خطيب المزة وغازي الحلاوي وخلقا
 ولازم الحافظ أبا محمد الدمياطي وانتقى على بعض شيوخه وخرج وشغل الناس بالنحو والقراآت
 سمع عليه الجم الغفير
 وأخذ عنه غالب مشيختنا وأقراننا منهم الشيخ الإمام الوالد وناهيك بها لأبي حيان منقبة وكان يعظمه كثيرا وتصانيفه مشحونة بالنقل عنه
 ولما توجهنا من دمشق إلى القاهرة في سنة اثنتين وأربعين وسبعمائة ثم أمرنا السلطان بالعود إلى الشام لانقضاء ما كنا توجهنا لأجله استمهله الوالد أياما لأجلي فمكث حتى أكملت على أبي حيان ما كنت أقرؤه عليه وقال لي يا بني هو غنيمة ولعلك لا تجده من سفرة أخرى وكان كذلك
 وكان الشيخ أبو حيان إماما منتفعا به اتفق أهل العصر على تقديمه وإمامته ونشأت أولادهم على حفظ مختصراته وآباؤهم على النظر في مبسوطاته وضربت الأمثال باسمه مع صدق اللهجة وكثرة الإتقان والتحري
 وشدا طرفا صالحا من الفقه واختصر منهاج النووي وصنف التصانيف السائرة البحر المحيط في التفسير وشرح التسهيل والارتشاف وتجريد أحكام سيبويه والتذكرة والغاية والتقريب والمبدع واللمحة وغير ذلك
 وله في القراآت عقد اللآلي
 وله نظم كثير وموشحاته أجود من شعره
 توفي عشي يوم السبت الثامن والعشرين من صفر سنة خمس وأربعين وسبعمائة بمنزله بظاهر القاهرة ودفن بمقابر الصوفية
 ومن الرواية عنه
 أخبرنا شيخنا أبو حيان بقراءتي عليه في يوم الخميس سابع عشري شوال سنة اثنتين وأربعين وسبعمائة بالمدرسة الصالحية بالقاهرة أخبرنا أبو عبد الله محمد بن أحمد
 ابن محمد بن المؤيد الهمذاني بقراءتي عليه أخبرنا أسعد بن أبي الفتوح بن روح وعفيفة بنت أحمد بن عبد الله في كتابيهما قالا أخبرتنا فاطمة الجوزدانية أخبرنا ابن ريذة أخبرنا الطبراني حدثنا جعفر بن حميد بن عبد الكريم بن فروخ بن ديزج بن بلال بن سعد الأنصاري الدمشقي حدثني جدي لأمي عمر بن أبان بن مفضل المديني قال أراني أنس بن مالك الوضوء أخذ ركوة فوضعها عن يساره وصب على يده اليمنى فغسلها ثلاثا ثم أدار الركوة على يده اليمنى وصب على يده اليسرى فغسلها ثلاثا ومسح برأسه ثلاثا فتوضأ وأخذ ماء جديدا لصماخه فمسح صماخه فقلت له قد مسحت أذنيك فقال يا غلام إنهما من الرأس ليس هما من الوجه ثم قال يا غلام هل رأيت وفهمت أو أعيد عليك فقلت قد كفاني وقد فهمت قال فكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ
 في إسناده شيخ الطبراني وشيخه عمر بن أبان وهما مجهولان
 ولو صح لكان بتصريحه أنهما من الرأس أقوى دليل على ذلك
 قال أستاذنا أبو حيان قول أنس ليس هما من الوجه وجه الكلام أن يقول ليستا من الوجه لكنه جعل ليس مثل ما فلم يعملها وذلك
 في لغة تميم يقولون ليس الطيب إلا المسك
 وقد أشار لذلك سيبويه في كتابه ونص عليه أبو عمرو بن العلاء في حكاية طويلة جرت بينه وبين عيسى بن عمر الثقفي
 وقال النحويون قياس من لم يعمل ليس وجعلها كما أن يفصل الضمير معها فيقول ليس أنا قائم كما تقول ما أنا قائم فعلى هذا جاز ليس هما من الوجه كأنه قال ما هما من الوجه
 قلت صورة الحكاية أن عيسى قال لأبي عمرو ما شيء بلغني عنك
 قال ما هو
 قال زعمت أن العرب تقول ليس الطيب إلا المسك فترفع
 فقال أبو عمرو ليس في الأرض تميمي إلا وهو يرفع ولا حجازي إلا وهو ينصب
 ثم بعث معه خلفا الأحمر واليزيدي فجاءا إلى حجازي فجهدا به على أن يرفع فلم يفعل وجاءا إلى رجل تميمي فجهدا به على أن ينصب فلم يفعل وقال ليس هذا بلحن قومي
 فجاء عيسى إلى أبي عمرو فقال بهذا فقت الناس والله لا خالفتك بعدها
 وقول الشيخ أبي حيان إن أنسا جعل ليس مثل ما قال الشيخ جمال الدين عبد الله بن هشام نحوي هذا الوقت أبقاه الله تعالى ليس ذلك متعينا بل يجوز أن يكون أضمر في ليس ضمير الشأن والحديث وحينئذ فنقول هما من الوجه مبتدأ وخبر والجملة خبر ليس وفصل الضمير واجب لأنه حينئذ معمول للابتداء
 كما أنه في تخريج أبي حيان كذلك والتخريج الذي ذكرته أولى لأن فيه إبقاء ليس على إعمالها والوجهان مذكوران في قوله
         وليس منها شفاء النفس مبذول وقول أبي حيان إن ذلك لغة بني تميم وإشارته إلى الحكاية ليس بجيد فإن تلك اللغة والحكاية إنما هما فيما إذا انتقض النفي بإلا نحو ليس الطيب إلا المسك وإنما مسئلتنا هذه أن من العرب من يقول ليس زيد قائم فيبطل عملها مع بقاء النفي وهذا الذي يتخرج عليه قول أنس رضي الله عنه وقد مر بي في شرح التصريف الملوكي ليعيش بيت نظير قول أنس رضي الله عنه وهو
 #أبوك يزيد بن الوليد ومن يكن=هما أبواه لا يذل ويكرما فهنا يتعين أن تكون كان شأنية والجملة بعدها خبر وأن تكون مهملة وما بعدها مبتدأ وخبر ولا يكون قوله هما اسما ليكن لأنه قد فصله ولأن بعده أبواه بالألف وقد يجاب عن هذا بأنه يحتمل أن يكون على لغة  {إن هذان لساحران} 
 قرأت على الأستاذ أبي حيان أخبركم القاضي أبو علي الحسن بن عبد العزيز بن محمد بن أبي الأحوص عن قاضي الجماعة أبي القاسم أحمد بن يزيد بن عبد الرحمن بن أحمد بن محمد بن أحمد بن مخلد بن عبد الرحمن بن أحمد بن تقي بن مخلد ابن يزيد القرطبي عن أبيه عن أبيه عن أبيه عن أبيه عن أبيه عن أبيه عن أبيه عن أبيه عن أبيه الإمام أبي عبد الرحمن بقي بن مخلد عن أبي بكر المقدمي عن عمر بن علي وعبد الله بن يزيد عن عبد الرحمن بن زياد عن عبد الرحمن بن رافع عن عبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بمجلسين أحد المجلسين يدعون الله ويرغبون إليه والآخر يتعلمون العلم ويعلمونه فقال (كل المجلسين خير وأحدهما أفضل من الآخر أما هؤلاء فيتعلمون ويعلمون الجاهل فهم أفضل وأما هؤلاء فيدعون الله ويرغبون إليه إن شاء أعطاهم وإن شاء منعهم وإنما بعثت معلما) ثم جلس معهم
 قلت لا أعرف حديثا اجتمع فيه رواية الأبناء عن الآباء بعدد ما اجتمع في هذا إلا ما أخبرنا به أبو الحسن محمد بن محمد بن الحسن بن نباتة الفارقي المصري المحدث بقراءتي عليه أخبرنا أبو المعالي أحمد بن إسحاق الأبرقوهي أخبرنا أبو بكر عبد الله بن محمد بن سابور القلانسي أخبرنا أبو المبارك عبد العزيز بن محمد بن منصور الشيرازي أخبرنا رزق الله بن عبد الوهاب التميمي إملاء سمعت أبي أبا الفرج عبد الوهاب يقول سمعت أبي أبا الحسن عبد العزيز يقول سمعت أبي أبا بكر الحارث يقول سمعت أبي أسدا يقول سمعت أبي الليث يقول سمعت أبي سليمان يقول سمعت أبي الأسود يقول سمعت أبي سفيان يقول سمعت أبي يزيد يقول سمعت أبي أكتمة يقول سمعت أبي الهيثم يقول سمعت أبي عبد الله يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (ما اجتمع قوم على ذكر الله إلا حفتهم الملائكة وغشيتهم الرحمة
 أخبرنا أبو حيان بقراءتي عليه عن القاضي الأصولي المتكلم على مذهب الأشعري أبي الحسن محمد بن أبي عامر بن أبي الحسين القرطبي عن أبي الحسن علي بن أحمد الغافقي الشقوري عن القاضي أبي الحسن شريح بن محمد بن شريح قال كتب إلي الحافظ أبو محمد علي بن أحمد بن حزم الظاهري وأنشد لنفسه هذا
 #من عذيري من أناس جهلوا=ثم ظنوا أنهم أهل النظر #ركبوا الرأي عنادا فسروا=في ظلام تاه فيه من عبر #وطريق الحق نهج مهيع=مثل ما أبصرت في الأفق القمر #فهو للإجماع والنص الذي=ليس إلا في كتاب أو أثر أنشدني شيخنا أبو حيان لنفسه بقراءتي عليه
 #عداتي لهم فضل علي ومنة=فلا أذهب الرحمن عني الأعاديا #هم بحثوا عن كلتي فاجتنبتها=وهم نافسوني فاكتسبت المعاليا وأنشدني لنفسه بقراءتي عليه أيضا
 #راض حبيبي عارض قد بدا=يا حسنه من عارض رائض #وظن قوم أن قلبي سلا=والأصل لا يعتد بالعارض وأيضا
 #سبق الدمع بالمسير المطايا=إذ نوى من أحب عني نقله #وأجاد السطور في صفحة الخد=ولم لا يجيد وهو ابن مقله وأيضا
 #يظن الغمر أن الكتب تجدي=أخا ذهن لإدراك العلوم #وما يدري الجهول بأن فيها=غوامض حيرت عقل الفهيم #إذا رمت العلوم بغر شيخ=ضللت عن الصراط المستقيم #وتلتبس الأمور عليك حتى=تصير أضل من توما الحكيم وأيضا
 #قد سباني من بني الترك رشا=جوهري الثغر مسكي النفس #ناظري للورد منه غارس=ما له لا يجتني مما غرس #قد حكى شمسا وغصنا ونقا=في انبلاج وارتجاج وميس #ضيق العينين تركيهما=واسع الوجنة خزي المجس #أصبحت عقرب خديه معا=لجني الورد في الخد حرس #وغدا ثعبان دبوقته=جائلا في عطفه مهما ارتجس #لست أخشى سيفه أو رمحه=إنما أرهب لحظا قد نعس #اختلسنا بعد هجر وصله=إن أهنى الوصل ما كان خلس #لست أنساه وقد أطلع من=راحه شمسا أضاءت في الغلس #ورمى العمة فالتاج لنا=فرق شعر دق مبد ما التبس #لمس الكأس لكي يشربها=وتحسى الكأس في فرد نفس #وغدا يمسح بالمنديل ما=أبقت الخمرة في ذاك اللعس #عجبا منها ومنه قهقهت=إذ حساها وهو منها قد عبس فهذه نبذة من مقروآتي على شيخنا أبي حيان
 وأنشدنا لنفسه ما مدحني بهما وأنا ابن ثلاث سنين وهما عندي بخطه وعليهما خط الوالد رحمه الله
 #ألا إن تاج الدين معارف=وبدر هدى تجلى به ظلم الدهر #سليل إمام قل في الناس مثله=فضائله تربو على الزهر والزهر وأنشدنا لنفسه إجازة إن لم يكن سماعا قصيدته التي امتدح بها الشافعي رضي الله عنه ومطلعها
 #غذيت بعلم النحو إذ در لي ثديا=فجسمي به ينمي وروحي به تحيا #وقد طال تضرابي لزيد وعمره=وما اقترفا ذنبا ولا تبعا غيا #وما نلت من ضربيهما غير شهرة=بغن ما يجدي اشتهار به شيا #ألا إن علم النحو قد باد أهله=فما إن ترى في الحي من بعدهم حيا #سأتركه ترك الغزال لظله=وأبعه هجرا وأوسعه نأيا #وأسموا إلى الفقه المبارك إنه=ليرضيك في الأخرى ويحظيك في الدنيا #هل الفقه إلا أصل دين محمد=فجرد له عزما وجدد له سعيا #وكن تابعا للشافعي وسالكا=طريقته تبلغ به الغاية القصيا #ألا بابن إدريس قد اتضح الهدى=وكم غامض أبدا وكم دارس أحيا #سمي الرسول المصطفى وابن عمه=فناهيك مجدا قد سما الرتبة العليا #هو استنبط الفن الأصولي فاكتسى=به الفقه من ديباج إنشائه وشيا وهي قصيدة مطولة
 وقصيدته التي امتدح بها البخاري رضي الله عنه ومطلعها
 #أسامع أخبار الرسول لك البشرى=لقد سدت في الدنيا وقد فزت بالأخرى وأنشدنا لنفسه إجازة قصيدته التي عارض بها بانت سعاد ومطلعها
 #لا تعذلاه فما ذو الحب معذول=العقل مختبل والقلب متبول #هزت له أسمرا من خوط قامتها=فما انثنى الصب إلا وهو مقتول #جميلة فصل الحسن البديع لها=فكم لها جمل منه وتفصيل #فالنحر مرمرة والنشر عنبرة=والثغر جوهرة والريق معسول #والطرف ذو غنج والعرف ذو أرج=والخصر مختطف والمتن مجدول #هيفاء ينبس في الخصر الوشاح لها=درماء يخرس في الساق الخلاخيل #من اللواتي علاهن النعيم فما=يشقين آباؤها الصيد البهاليل ومنها
 #نزر الكلام عييات الجواب إذا=يسألن رقد الضحى حصر مكاسيل #فشق حيزوم هذا الليل ممتطيا=أخا حزام به قد يبلغ السول #أقب أقود يعزى للوجيه له=وجه أغر وفي الرجلين تحجيل منها
 #جفر حوافره معر قوائمه=ضمر أياطله والذيل عثكول منها
 #واصل سراك بسير يا ابن أندلس=والطرف أدهم بالأشطان مغلول #يلاطم الريح منه أبيض يقق=له من السحر المربد إكليل #يعلو خضارة منه شامخ جلل=سام طفا هو بالنكباء محمول #كأنما هو في طخياء لجته=أيم يفري أديم الماء شمليل منها
 #فللرسول انشقاق البدر يشهده=كما لموسى انفلاق البحر منقول ومن موشحاته
 #إن كان ليل داج وخاننا الإصباح=فنورها الوهاج يغني عن المصباح #سلافة تبدو=كالكوكب الأزهر #مزاجها شهد=وعرفها عنبر #يا حبذا الورد=منها وإن أسكر #قلبي بها قد هاج فما تراني صاح=عن ذلك المنهاج وعن هوى يا صاح #وبي رشا أهيف=قد لج في بعدي #بدر فلا يخسف=منه سنا الخد #بلحظه المرهف=يسطو على الأسد #كسطوة الحجاج في الناس والسفاح=فما ترى من ناج من لحظة السفاح #علل بالمسك=قلبي رشا أحور #منعم المسك=ذو مبسم أعطر #رياه كالمسك=وريقه كوثر #غصن على رجراج طاعت له الأرواح=فحبذا الآراج إن هبت الأرواح #مهلا أبا القاسم=على أبي حيان #ما إن له عاصم=من لحظك الفتان #وهجرك الدائم=قد طال بالهيمان #فدمعه أمواج وسره قد لاح=لكنه ما عاج ولا أطاع اللاح #يا رب ذي بهتان=يعذل في الراح #وفي هوى الغزلان=دافعت بالراح #وقلت لا سلوان=عن ذاك يا لاحي #سبع الوجوه والتاج هي منية الأفراح=فاختر لي يا زجاج قمصال وزوج أقداح غيره
 #عاذلي في الأهيف الأنس=لو رآه كان قد عذرا #رشأ قد زانه الحور=غصن من فوقه قمر #قمر من سحبه الشعر=ثغر في فيه أم درر #حال بين الدر واللعس=خمرو من ذاقها سكر #رجة بالردف أم كسل=ريقه بالثغر أم عسل #وردة بالخد أم خجل=كحل بالعين أم كحل #يا لها من أعين نعس=جلبت لناظري سهرا #مذ نأى عن مقلتي سني=ما أذيقا لذة الوسن #طال ما ألقاه من شجن=عجبا ضدان في بدن #بفؤادي جذوة القبس=وبعيني الماء منفجرا #قد أتاني الله بالفرج=إذ دنا مني أبو الفرج #قمر قد حل في المهج=كيف لا يخشى من الوهج #غيره لو صابه نفسي=ظنه من حره شررا #نصب العينين لي شركا=فانثنى والقلب قد ملكا #قمر أضحى له فلكا=قال لي يوما وقد ضحكا #أنت جئت من أرض أندلس=نحو مصر تعشق القمرا ومن المسائل عنه
 منع الشيخ أبو حيان أن يقال ما أعظم الله وما أحلم الله ونحو ذلك ونقل هذا عن أبي الحسن ابن عصفور احتجاجا بأن معناه شيء عظمه أو حلمه
 وجوزه الإمام الوالد محتجا بقوله تعالى  {أبصر به وأسمع}  والضمير في  {به}  عائد على الله أي ما أبصره وأسمعه فدل على جواز التعجب في ذلك
 وللوالد تصنيف في تجويز ذلك أحسن القول فيه
 قلت وفي شرح ألفية ابن معطي لأبي عبد الله محمد بن إلياس النحوي وهو متأخر من أهل حماة سأل الزجاج المبرد فقال كيف تقول ما أحلم الله وما أعظم الله
 فقال كما قلت
 فقال الزجاج وهل يكون شيء حلم الله أو عظمه
 فقال المبرد إن هذا الكلام يقال عندما يظهر من اتصافه تعالى بالحلم والعظمة وعند الشيء يصادف من تفضله فالمتعجب هو الذاكر له بالحلم والعظمة عند رؤيته إياهما عيانا
 وقد نقل الوالد معنى هذه الحكاية في تصنيفه عن كتاب الإنصاف لابن الأنباري وذكر من التأويل أن يعني بالشيء نفسه أي إنه عظم نفسه أو إنه عظيم بنفسه لا شيء جعله عظيما
 ومن الفوائد عنه
 أفادنا شيخنا أبو حيان أن أبا الحسن حازم بن أبي عبد الله بن حازم كان نحويا أديبا بارعا شاعرا مفلقا امتدح بعض خلفاء الغرب الذين ملكوا مدينة تونس بقصيدة طنانة ضمنها علم النحو أولها
 #الحمد لله معلي قدر من علما=وجاعل العقل في سبل الهدى علما #ثم الصلاة على الهادي لسنته=محمد خير مبعوث به اعتصما منها يمتدح الخليفة
 #مردي العداة بسهم من عزائمه=كأنه كوكب للقذف قد رجما #أدام قول نعم حتى إذا اطردت=نعماه من غير وعد لم يقل نعما منها
 #إن الليالي والأيام مذ خدمت=بالسعد ملكك أضحت أعبدا وإما #لقد وقعت عمادا للعلا فغدا=يعلو قياما ويعلو قدره قيما #أقمتم وزن عدل الشمس فاعتدلت=فلم يدع نورها ظلما ولا ظلما منها يذكر تونس
 #كأنما الصبح منها ثغر مبتسم=وحوة الليل فيها حوة ولمى منها
 #أبدلت تفقية من بيت ممتدح=أوردته مثلا في رعيك الأمما #وكلت بالدهر عينا غير غافلة=من جود كفك تأسو كل من كلما منها من باب المعتدي لاثنين
 #فباب أعطى كسا منه ومنه سقى=كما تقول سقاك الله صوب سما #ومنه أولى وآتى مثل قولهم=أولاك ربي نعيم العيش والنعما من باب المعتدي لثلاثة
 #وقاس بالهمزة النقل ابن مسعدة=في باب ظن وفيها خالف القدما من باب كان وأخواتها
 #تقول ما زلت مفضالا وما برحت=منك السجايا توالي الجود والكرما من باب الاستثناء
 #والقول في باب الاستثناء متسع=وقد يخالف فيه جلة الزعما #وقد تبله قوم فيه لا سيما=من عد بله في الاستثنا ولا سيما من نواصب الفعل
 #واعدد لكيلا وكيلا ثم كي ولكي=وليس يمنع من نصب زيادة ما منها
 #والعرب قد تحذف الأخبار بعد إذا=إذا عنت فجأة الأمر الذي دهما #وربما نصبوا بالحال بعد إذا=وربما رفعوا من بعدها ربما #فإن تلاها ضميران اكتسى بهما=وجه الحقيقة من إشكاله غمما #لذاك أعيت على الأفهام مسألة=أهدت إلى سيبويه الهم والغمما #قد كانت العقرب العوجاء أحسبها=قدما أشد من الزنبور وقع حما #وفي الجواب عليها هل إذا هو هي=أو هل إذا هو إياها قد اختصما #وخطأ ابن زياد وابن حمزة في=ما قال فيها أبا بشر وقد ظلما #وغاظ عمرا علي في حكومته=يا ليته لم يكن في مثلها حكما #كغيط عمرو عليا في حكومته=يا ليته لم يكن في أمره حكما #وفجع ابن زياد كل منتحب=من أهله إذ غدا منه يفيض دما #كفجعة ابن زياد كل منتحب=من أهله إذ غدا منه يفيض دما #فظل بالكرب مكظوما وقد كربت=بالنفس أنفاسه أن تبلغ الكظما #قضئت عليه بغير الحق طائفة=حتى قضى هدرا ما بينهم هدما #من كل أجور حكما من سدوم قضى=عمرو بن عثمان مما قد قضى سدما #حساده في الورى صمت فكلهم=تلفيه منتقدا للقول منتقما #فما النهى ذمما فيهم معارفها=وما المعارف في أهل النهى ذمما #فأصبحت بعده الأنفاس كابية=في كل صدر كأن قد كظ أو كظما #وأصبحت بعده الأنقاس نادبة=في كل طرس كدمع سح وانسجما #وليس يخلو امرؤ من حاسد أضم=لولا التنافس في الدنيا لما أضما #فكم مصيب عزا من لم يصب خطأ=له وكم ظالم تلقاه مظلما #والغبن في العلم أشجى محنة علمت=وأبرح الناس شجوا عالم هضما توضيح هذه الأبيات قوله والعرب قد تحذف الأخبار بعد إذا البيت يعني أن العرب قد تحذف خبر المبتدأ الواقع بعد إذا الفجائية تقول خرجت فإذا الأسد أي حاضر والغالب أن يذكر الخبر بعدها حتى إنه لم يقع في كتاب الله إلا مذكورا نحو  {فإذا هي شاخصة}   {فإذا هي حية}   {فإذا هي بيضاء للناظرين}   {فإذا هم جميع لدينا محضرون}  وهو كثير
 وقوله إذا عنت فجأة البيت أي إذا كانت إذا الفجائية لا الشرطية فإن الشرطية لا تدخل إلا على الجمل الفعلية بخلاف الفجائية فإنها تختص بالاسمية وقد اجتمعتا في قوله تعالى  {ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون}  الأولى شرطية والثانية فجائية
 قوله فإن تلاها ضميران أي إن وقع بعد الفجائية ضميران نحو قولك فإذا هو هي الأصل فإذا هو مثلها فهو مبتدأ ومثل خبر وها مضاف إليه ثم حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه فارتفع وانفصل وصار فإذا هو هي
 ومن قال فإذا هو إياها فالأصل فإذا هو يشبهها فهو مبتدأ ويشبهها فعل وفاعل ومفعول والجملة خبر ثم حذف الفعل والفاعل وبقي المفعول فانفصل فصار فإذا هو إياها ونظيره في حذف الخبر وبقاء معموله قراءة علي رضي الله عنه  {ونحن عصبة}  أي ونحن نوجد عصبة وقول النابغة الجعدي
 #وحلت سواد القلب لا أنا باغيا=سواها ولا في حبها متراخيا التقدير لا أنا أوجد باغيا
 قوله وغاظ عمرا علي يريد بعمرو سيبويه وبعلي الكسائي رحمهما الله
 قوله كغيظ عمرو عليا يريد بعمرو عمرو بن العاص وبعلي علي بي أبي طالب رضي الله عنهما مشيرا بذلك إلى ما وقع في مسئلة التحكيم في قصة علي ومعاوية رضي الله عنهما وابتلاؤهما في ذلك وما اتفق من عمرو بن العاص في قوله أقررت معاوية بعد أن استنزل أبا موسى حتى فصل عليا مشهور
 وليس قوله حكما في هذا البيت بعد قوله حكما إيطاء فإن القافيتين ليستا متوافقتين بل إحداهما حكم اسم والأخرى حكم فعل ماض
 وقد أخذ شاعر عصرنا الشيخ جمال الدين ابن نباتة أكثر أبيات ملحة الإعراب للحرير فضمنها وجعلها قصيدة امتدح به الشيخ الإمام الوالد وهي
 #صرفت فعلي في الأسى وقولي=بحمد ذي الطول الشديد الحول #يا لائما ملامه يطول=اسمع هديت الرشد ما أقول #كلامك الفاسد لست أتبع=حد الكلام ما أفاد المستمع #أفدي غزالا مثلوا جماله=في مثل قد أقبلت الغزاله #ما قال مذ ملك قلبي واسترق=كقولهم رب غلام لي أبق #للقمرين وجهه مطالع=فهي ثلاث ما لهم رابع #لأحرف الحسن في خديه خط=وقال قوم إنها اللام فقط #داني المزار يحذر الضنين=عليه مثل بان أو يبين #كتمته فالحسن ليس يجتلى=والاسم ما يدخله من والي #منفرد بالوصل في دار الهنا=مثاله الدار وزيد وأنا #لا يختشي تلاعب الظنون=والأمر مبني على السكون #في خده التبري هان نشبي=وقيمه الفضة دون الذهب #فاصرف عليه ثروة تستام=فما على صارفها ملام #وإن رأيت قده العالي فصف=وقف على المنصوب منه بالألف #والعارض النوني ما أنصفته=وإن تكن باللام قد عرفته #واها له بحرف نون قد عرف=كمثل ما تكتبه لا يختلف #يأتي بنقط الخال في إعجام=وتارة يأتي بمعنى اللام #دونك إن عشقته بين الورى=معظما لقدره مكبرا #وإن ترد وجنته المنيره=فصغر النار على نويره #كم ومتى جادلت فيه من عذل=ولا وحتى ثم أو وأم وبل #للحظه المسكر فعل مطرب=مفعوله مثل سقى ويشرب #فلا تلم عويشقا فيه تلف=ولا سكيران الذي لا ينصرف #لا تلح قلبي في الهوى فتتعبا=وما عليك عتبه فتعتبا #جسمي وذاك الخصر والجفن الدنف=هن حروف الاعتلال المكتنف #فيا مليحا عنه أخرت القمر=إما لتهوان وإما لصغر #كرر فما أحلى لسمع السامي=قولك يا غلام يا غلامي #وارفق بمضناك فما سوى اسمه=ولا تغير ما بقي من رسمه #وقد حكى العذار في الوقوف=فاعطف على سائلك الضعيف #أفقرت في الحسن الغواني مثل ما=قالوا حذام وقطام في الدما #فافخر بمعنى لحظك المعشوق=في كل ما تأنيثه حقيقي #يالك لحظا بسعاد أزرى=وجاء في الوزن مثل سكرى #حتى اسمها مستنقص لمن وعا=كما تقول في سعاد يا سعا #يا ناصبا أوصاف ذياك الصبا=ثم الكلام عنده فلينصبا #هيهات بل دع عنك ما أضنى وما=وعاص أسباب الهوى لتسلما #وحبر الأمداح في علي=قاضي القضاة الطاهر النقي #بكل معنى قد تناهى واستوى=في كلم شتى رواها من روى #باكر إلى ذاك الحمى العالي وصف=إذا اندرجت قائلا ولا تقف #دونك والمدح زكيا معجبا=مثل لقيت القاضي المهذبا #ذو الجود والعلم عليه أرسى=وهكذا أصبح ثم أمسى #فاضرع إلى قار لقاه نافع=وافزع إلى حام حماه مانع #يقول للضيف قراه حب وحل=ومثله ادخل وانبسط واشرب وكل #إذا ظفرت عنده بموعد=يقول كم مال أفادته يدي #له يراع كم له من خطره=جمانة منظومة مع دره #شم فعله عند الندى والبأس=فإنه ماض بغير لبس #لله ما ألينه عند العطا=وما أحد سيفه حين سطا #ندب له يثني الثناء قصده=وخلفه وإثره وعنده #إن قال قولا بين الغرائبا=وقام قس في عكاظ خاطبا #وإن سخا أتى على ذي العدد=والكيل والوزن ومذروع اليد #حفظك للسمع عن العذال=فماله مغير بحال #للفضل جنس بيته المهني=ونوعه الذي عليه يبنى #سام به أهل العلا جميعا=ولا تخف ردا ولا تقريعا #وإن ذكرت أفق بيت قد نما=فانصب وقل كم كوكبا تحوي السما #بيت نظيم المجد والعلاء=عند جميع العرب العرباء #يقر من يأتي له أو اقترب=وكل منسوب إلى اسم في العرب #تقول مصر من علاه الواجبه=كقول سكان الحجاز قاطبه #أسسه الأنصار طلاع الفتن=وزاد مبنى حسنه أبو الحسن #جار إذا ما امتدت الآساد=تقول هذا طلحة الجواد #إذا اجتليت في الخطا جبينه=أو اشتريت في الرجا ثمينه #تقول أصرت الهلال لائحا=وقد وجدت المستشار ناصحا #كم بالغني منه تولى راحل=وواقفا بالباب أضحى السائل #فياض سيب في الورى فلم يقل=في هبة يا هب من هذا الرجل #قال له الحكم امض ما تحاوله=واقض قضاء لا يرد قائله #وأنت يا قاصده سر في جدد=واسع إلى الخيرات لقيت الرشد #فاخر به سحب الحيا إن صابا=واستوت المياه والأخشايا #ولا تقل كان غماما ورحل=كان وما انفك الفتى ولم يزل #باب سواه اهجر عداك عيب=وصغر الباب فقل بويب #جود به أنسى أحاديث المطر=فليس يحتاج لها إلى خبر #مثل الهبا فيه كلام العذل=والريح تلقاء الحيا المنهل #يا رب بحر عمته للشعر=وغصت في البحر ابتغاء الدر #حتى ملا عيني نداه عينا=وطبت نفسا إذ قضيت الدينا #دونكها معسولة الآداب=حلاوة في ملحه الإعراب #مضى بها الليل بهي الأنجم=وبات زيدا ساهرا لم ينم #فافتح لها باب قبول يجتلى=وإن تجد عيبا فسد الخللا #لا زلت مسموع الثنا ذا متن=جائلة دائرة في الألسن #ما لعداك راية تقام      فليس غير الكسر والسلام

---

### في كتاب: طبقات المفسرين للداوودي

محمد بن يوسف بن علي بن يوسف بن حيان الإمام أثير الدين أبو حيان الأندلسي الغرناطي. النفزي، نسبة إلى نفزة قبيلة من البربر.

نحوي عصره، ولغويه، ومفسره، ومحدثه، ومقرئه، ومؤرخه، وأديبه.

ولد بمطخشارش، مدينة من حضرة غرناطة في آخر شوال سنة أربع وخمسين وستمائة.

وأخذ القراءات عن أبي جعفر بن الطباع، والعربية عن أبي الحسن الأبذي، وأبي جعفر بن الزبير، وابن أبي الأحوص، وابن الصائغ، وأبي جعفر اللبلي.

وبمصر عن البهاء بن النحاس، وجماعة.

وتقدم في النحو، وأقرأ في حياة شيوخه بالمغرب، وسمع الحديث بالأندلس وإفريقية والإسكندرية ومصر والحجاز. من نحو أربعمائة وخمسين شيخا؛ منهم أبو الحسين بن ربيع، وابن أبي الأحوص، والرضي الشاطبي، والقطب القسطلاني، والعز الحراني.

وأجاز له خلق من المغرب والمشرق؛ منهم الشرف الدمياطي، والتقي ابن دقيق العيد، والتقي ابن رزين، وأبو اليمن بن عساكر.

وأكب على طلب الحديث وأتقنه وبرع فيه، وفي التفسير، والعربية، والقراءات، والأدب، والتاريخ، واشتهر اسمه، وطار صيته، وأخذ عنه أكابر عصره، وتقدموا في حياته، كالشيخ تقي الدين السبكي، وولديه، والجمال الاسنوي، وابن قاسم، وابن عقيل والسمين، وناظر الجيش، والسفاقسي وابن مكتوم، وخلائق.

قال الصفدي: لم أره قط إلا يسمع أو يشغل، أو يكتب أو ينظر في كتاب، وكان ثبتا قيما عارفا باللغة؛ وأما النحو والتصريف فهو الإمام المجتهد المطلق فيهما، خدم هذا الفن أكثر عمره، حتى صار لا يدركه أحد في أقطار الأرض فيهما غيره.

وله يد طولى في التفسير والحديث، وتراجم الناس ومعرفة طبقاتهم، خصوصا المغاربة وأقرأ الناس قديما وحديثا، وألحق الصغار بالكبار، وصارت تلامذته أئمة وأشياخا في حياته، والتزم ألا يقرئ أحدا إلا في «كتاب سيبويه»، أو «التسهيل» أو مصنفاته.

وكان سبب رحلته عن غرناطة أنه حملته حدة الشبيبة على التعرض للأستاذ أبي جعفر بن الطباع، وقد وقعت بينه وبين أستاذه أبي جعفر بن الزبير واقعة، فنال منه وتصدى لتأليف في الرد عليه وتكذيب روايته، فرفع أمره إلى السلطان، فأمر بإحضاره وتنكيله فاختفى، ثم ركب البحر، ولحق بالمشرق.

وذكر هو في كتاب «النضار» الذي ألفه في ذكر مبدئه واشتغاله وشيوخه ورحلته، أن مما قوى عزمه على الرحلة عن غرناطة أن بعض العلماء بالمنطق والفلسفة والرياضي والطبيعي قال للسلطان: إني قد كبرت وأخاف أن أموت، فأرى أن ترتب لي طلبة أعلمهم هذه العلوم، لينفعوا السلطان من بعدي.

قال أبو حيان: فأشير إلى أن أكون من أولئك.

قال الصفدي: وقرأ على العلم العراقي، وحضر مجلس الأصبهاني، وتمذهب للشافعي، وكان أبو البقاء يقول: إنه لم يزل ظاهريا.

قال الحافظ ابن حجر: كان أبو حيان يقول: محال أن يرجع عن مذهب الظاهر من علق بذهنه.

قال الأدفوي: وكان يفخر بالبخل كما يفخر الناس بالكرم، وكان ثبتا صدوقا حجة سالم العقيدة من البدع الفلسفية والاعتزال والتجسيم، ومال إلى مذهب أهل الظاهر وإلى محبة علي بن أبي طالب، كثير الخشوع والبكاء عند قراءة القرآن وكان شيخا طوالا حسن النغمة، مليح الوجه، ظاهر اللون، مشربا بحمرة، منور الشيبة، كبير اللحية، مسترسل الشعر.

وكان يعظم الشيخ تقي الدين بن تيمية، ثم وقع بينه وبينه في مسألة نقل فيها أبو حيان شيئا عن سيبويه، فقال ابن تيمية: وسيبويه كان نبي النحو! لقد أخطأ سيبويه في ثلاثين موضعا من كتابه، فأعرض عنه ورماه في تفسيره «النهر» بكل سوء.

قال الصفدي: وكان له إقبال على الطلبة الأذكياء، وعنده تعظيم لهم، وهو الذي جسر الناس على مصنفات ابن مالك ورغبهم في قراءتها، وشرح لهم غامضها، وخاض بهم لججها.

وكان يقول عن مقدمة ابن الحاجب: هذه نحو الفقهاء.

تولى تدريس التفسير بالمنصورية، والإقراء بجامع الأقمر، وكانت عبارته فصيحة، لكنه في غير القرآن يعقد القاف قريبا من الكاف.

وله من التصانيف: «البحر المحيط في التفسير»، «النهر» مختصره، «إتحاف الأريب بما في القرآن من الغريب»، «التذييل والتكميل في شرح التسهيل»، «مطول الارتشاف ومختصره» مجلدان.

قال شيخنا الإمام الحافظ جلال الدين السيوطي رحمه الله تعالى: ولم يؤلف في العربية أعظم من هذين الكتابين، ولا أجمع ولا أحصى للخلاف والأقوال، «التنحيل الملخص من شرح التسهيل» للمصنف وابنه بدر الدين، «الإسفار الملخص من شرح سيبويه للصفار»، «التجريد لأحكام كتاب سيبويه»، «التذكرة في العربية» أربع مجلدات كبار، «التقريب»، «مختصر المقرب»، «التدريب في شرحه»، «المبدع في التصريف»، «غاية الإحسان» في النحو، «شرح الشذا في مسألة كذا»، «اللمحة» و «الشذرة» كلاهما في النحو، «الارتضاء في الضاد والظاء»، «عقد اللآلي في القراءات» على وزن الشاطبية وقافيتها، «الحلل الحالية في أسانيد القرآن العالية»، «نحاة الأندلس»، «الأبيات الوافية في علم القافية»، «منطق الخرس في لسان الفرس»، «الإدراك للسان الأتراك».

ومما لم يكمل «شرح الألفية»، «نهاية الإغراب في التصريف والإعراب»، أرجوزة، «نور الغبش في لسان الحبش»، «مجاني الهصر في تواريخ أهل العصر»، وله «ديوان شعر».

وحدث، فسمع منه الأئمة العلماء والحفاظ وغيرهم، وأضر قبل موته بقليل.

مات بالقاهرة في صفر سنة خمس وأربعين وسبعمائة، ودفن بمقابر الصوفية.

ومن شعره:

        عداي لهم فضل علي ومنة       فلا أذهب الرحمن عني الأعاديا         هم بحثوا عن زلتي فاجتنبتها       وهم نافسوني فاكتسبت المعاليا        
ومنه:

        سبق الدمع بالمسير المطايا       إذ نوى من أحب عني نقله        وأجاد السطور في صفحة الخ       د ولم لا يجيد وهو ابن مقله        
ومنه:

        راض حبيبي عارض قد بدا       يا حسنه من عارض رائض         وظن قوم أن قلبي سلا       والأصل لا يعتد بالعارض

---

### في كتاب: درة الحجال في أسماء الرجال / ذيل وفيات الأعيان

محمد بن يوسف النغرزي الغرناطي أبو عبد الله أثير الدين، الشهير بأبي حيان النحوي

ولد بغرناطة سنة 654 وله نظم رائق من نظمه بعد انتقاله لمصر:

        يا فرقة أبدلتني بالسرور أسى      وأسهرت ناظرا قد طال ما نعسا        أنى يكون اجتماع بين مفترق      جسم بمصر، وقلب حل أندلسا؟!        
ومن نظمه:

        تعشقته شيخا كان مشيبه      على وجنتيه ياسمين على ورد بأبو جعفر الشقوري:        أخا الفضل يدري ما يراد من الهوى      أمنت عليه من رقيب ومن صد        وقالوا: الورى أقسام في شرة الهوى      لسود اللحى ناس وناس إلى العرد        ألا إنني لو كنت أصبو لأمرد      صبوت إلى هيفاء مائسة القد        وسود اللحى أبصرت فيهم مشاركا      فأحببت أن أبقى بأبيضها وحدي        
ودفن بمقابر الصوفية

وله من التصانيف ’’البحر المحيط في التفسير’’ ولآلي النهر، المستخرجة من البحر’’ و ’’الوهاج على مذهب الشافعي’’ و ’’الأنور الأجلي’’، في اختار المحلي’’ على مذهب أبي داود، و’’التكميل، في شرح التسهيل و’’منهج السالك، على ألفيه ابن مالك’’ لم يكمل، و’’زهر الملك في نحو الترك، و’’الإسفار الملخص من شرح سيبويه للصفار’’ و’’المبدع في التصريف’’. و’’كتاب الارتضاء، في الفرق بين الضاد والظاء’’، و’’عقود أللآلي، في القراءات السبع العوالي’’، و’’المورد العمر، في قراءة أبي عمرو’’، و’’الأثير، في قراءة ابن كثير’’، و’’غاية المطلوب، في قراءة أبي يعقوب’’، و’’الحلل الحالية، في الأسانيد العالية’’ و’’الأمالي، في شرح القالي’’، و’’كتاب النكت الحسان، في شرح غاية الإحسان’’، و’’كتاب الشذا، في مسألة كذا’’، و’’ارتشاف/الضرب، في معرفة كلام العرب’’، و’’اختصار بداية المجتهد’’، و’’تقريب التقريب والتدريب’’ في مثل القريب، و’’التنخيل، في شرح التسهيل’’، و’’رشح النفع، في القراءات السبع’’.

وله تاريخ، وديوان شعر في ثلاث مجلدات، و’’اللحمة البدرية، في علم العربية’’ وشرحها ابن هشام شرحا غريبا.

وله غير هذه رحمة الله عليه.

توفي سنة 745 ودفن بمقابر الصوفية

وفي هذه السنة أخذت الجزيرة الخضراء، أعادها الله دار إسلام بمحمد وآله

---

### في كتاب: طبقات المفسرين للأدنه وي

محمد يوسف بن علي بن يوسف بن حيان النفزي الأندلسي الجياني الأصل الغرناطي المولد والمنشا المصري الدار أبو حيان شيخ النحاة العلم الفرد والبحر الذي لم يعرف الجزر بل المد

سيبويه الزمان والمبرد إذا حمي الوطيس بتشاجر الأقران

مولده بمطخشارش وهي مدينة مسورة من أعمال غرناطة في آخر شوال سنة أربع وخمسين وستمائة

ونشأ بغرناطة وقرأ بها القراءات وجال في بلاد المغرب ثم قدم مصر قبل سنة ثمانين وستمائة

سمع الكثير بغرناطة من الأستاذ أبي جعفر بن الزبير وأبي جعفر بن بشير وغيرهم وكان إماما منتفعا به

اتفق أهل عصره على تقديمه وإمامته

وصنف التصانيف السائرة وله البحر المحيط في التفسير وذكر في أسامي الكتب وهو كتاب عظيم القدر في أسفار عديدة ثم اختصره تلميذه تاج الدين الشيخ أحمد بن عبد القادر الشهير بابن مكتوم وسماه النهر من البحر ثم اختصره تلميذه أيضا الفاضل محمد بن محمد الشهير بالأنصاري وسماه الدر اللقيط رد فيه على العلامة الزمخشري وابن عطية في مواضع عديدة وصنف الإمام المذكور أبو حيان إتحاف الأريب بما في

القرآن من الغريب رتبه على حروف المعجم وهو مختصر لطيف كثير الفائدة

انتهى

وشرح التسهيل والارتشاف وتجريد أحكام سيبويه وغير ذلك

وقد كانت وفاته في شهر صفر سنة خمس وأربعين وسبعمائة بمنزله بظاهر القاهرة ودفن بمقابر الصوفية

كذا في طبقات السبكي

---

### في كتاب: معجم الشيوخ للسبكي

محمد بن يوسف بن علي بن يوسف بن حيان النفزي الغرناطي الأندلسي الجياني، الإمام أبو حيان. سمع بالقاهرة من عبد العزيز الحراني، وابن خطيب المزة، وغازي الحلاوي، وأبي بكر محمد ابن القسطلاني، وأحمد بن حمدان الحراني، والفضل بن علي بن رواحة، وشامية بنت الحسن بن محمد البكري، وبالإسكندرية من عبد الوهاب بن الحسن بن الفرات، ومحمد بن عبد الرحمن ابن الدهان، وعبد الله بن أحمد بن فارس، ومحمد بن عبد الخالق بن طرخان وغيرهم، وأجاز له جماعة كثيرة في إجازة ابن عبد الحميد الثانية، وحدث وكتب بخطه وانتقى على بعض شيوخه وكتب العالي والنازل وأخذ القراءات بالحروف على أبي جعفر أحمد بن علي ابن الطباع وعبد الحق بن علي الأنصاري، وقرأ ’’التيسير’’ على أبي علي الحسين بن أبي الأحوص سنة إحدى وسبعين وست مئة، وأخذ النحو على أبي جعفر أحمد بن إبراهيم بن الزبير، ورحل في طلب العلم بالأندلس فسمع بعده بلاد الأمهات الكبار من الحديث والقراءات والأدب، وكتب عن أدباء أندلس، ثم رحل عن الأندلس طالبا للعلم ولأداء فريضة الحج في سنة تسع وسبعين وست مئة فدخل الإسكندرية وقرأ بها القراءات على عبد النصير بن علي المريوطي من أصحاب الصفراوي، ثم سمع بمصر والقاهرة وحج في تلك السنة فسمع بمكة ومنى ولحقه ضعف بمكة فسافر إلى جدة وسمع بها، ثم ركب البحر إلى عيذاب وكتب بها الآداب، ثم دخل قنى وقوص وسمع بهما، ثم انحدر طالبا مصر وكتب بدشنى وبمنية بني خصيب شيئا من الأدب، ثم دخل القاهرة واستوطنها وقرأ بها القراءات السبعة على أبي الطاهر إسماعيل ابن المليجي، وسمع الكتب الستة وغيرها من المسانيد ومن الأجزاء ما لا يعد ومن كتب القراءات والنحو واللغة والآداب. وصنف عدة تصانيف منها: ’’البحر المحيط في تفسير الكتاب العزيز’’ و ’’شرح تسهيل الفوائد’’ و ’’عقد اللآلئ في القراءات السبع’’، وغير ذلك.

وقال سيدنا قاضي القضاة تاج الدين: أما أستاذنا أبو حيان الأندلسي فهو العلم الفرد والبحر الذي لم يعرف الجزر بل المد، سيبويه الزمان والمبرد إذا حمي الوطيس بتشاجر الأقران، وإمام النحو الذي لقاصده منه ما يشاء، ولسان العرب الذي لكل سمع لديه إصغاء، كعبة علم تحج ولا تحج وتقصد من كل فج، تضرب إليه الإبل آباطها، وتفد عليه كل طائفة سفرا لا تعرف إلا نمارق البيد بساطها، وكان عذبا منهلا، وسيلا يسبق ارتداد الطرف وإن جاء متمهلا، يعم المسير إليه الغدو والرواح، ويتنافس على أرج ثنائه مسك الليل وكافور الصباح، ولقد كان أرق من النسيم نفسا وأعذب مما في الكؤوس لعسا، طلعت شمسه من مغربها واقتعد مصر فكان نهاية مطلبها، وجلس بها فما طاف على مثله سورها، ولا طار إلا إليه من طلبة العلم قشاعمها ونسورها وازدهت به ولا ازدهاءها بالنيل وقد رواها، وافتخرت به حتى لقد لعبت بأغصان ألبان مهاب صباها. انتهى كلامه.

مولده في أواخر شوال سنة أربع وخمسين وست مئة بمطخشارش، وتوفي يوم السبت الثامن والعشرين من صفر سنة خمس وأربعين وسبع مئة بظاهر القاهرة، وصلي عليه من الغد ودفن بمقبرة الصوفية رحمه الله تعالى وإيانا.

قرأت عليه ’’نغبة الوارد الظمآن’’ من تأليفه في السابع والعشرين من شوال سنة اثنتين وأربعين وسبع مئة بالصالحية من القاهرة.

أخبرنا الشيخ الإمام العالم العلامة شيخ النحاة، حجة العرب، قدوة الحفاظ والعلماء، أثير الدين أبو حيان محمد بن يوسف بن علي بن يوسف الأندلسي الجياني بقراءتي عليه، قال: أخبرنا الخطيب الفقيه المقرئ المفسر أبو جعفر أحمد بن علي بن محمد الرعيني ابن الطباع قراءة مني عليه بغرناطة، قال: أخبرنا الحافظ أبو عبد الله محمد بن إسماعيل ابن خلفون الأونبي، قال: أخبرنا القاضي أبو عبد الله محمد بن سعيد أبي الطيب، عن أبي عبد الله أحمد بن محمد الخولاني، وهو آخر من حدث عنه، قال: أخبرنا أبو عمرو عثمان بن أحمد بن محمد بن يوسف اللخمي القيجطالي، قال: أخبرنا أبو عيسى يحيى بن عبد الله بن أبي عيسى، قال: حدثنا أبو مروان عبيد الله بن يحيى، قال: حدثنا أبي يحيى بن يحيى القرطبي، قال: حدثنا أبو عبد الله الأصبحي الفقيه، عن نافع وعبد الله بن دينار وزيد بن أسلم؛ كلهم يخبره عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ’’لا ينظر الله يوم القيامة إلى من يجر ثوبه خيلاء’’.

أخرجه البخاري في اللباس عن إسماعيل بن أبي أويس. وأخرجه مسلم فيه عن يحيى بن يحيى. وأخرجه الترمذي فيه عن قتيبة بن سعيد وعن إسحاق بن موسى عن معن؛ أربعتهم عن مالك، عن نافع وعبد الله بن دينار وزيد بن أسلم؛ ثلاثتهم عن ابن عمر به، فوقع لنا موافقة لمسلم وبدلا للبخاري والترمذي.

وأخبرنا الشيخ الإمام الأستاذ أبو حيان محمد بن يوسف الجياني بقراءتي عليه، قال: أخبرنا الأديب الكاتب أبو محمد عبد الله بن محمد بن هارون الطائي قراءة مني عليه، بمدينة تونس ضحى يوم الجمعة السادس عشر لجمادى الأولى سنة تسع وسبعين وست مئة، ونقل لنا أنه اختلط بأخرة، قال: أخبرنا قاضي الجماعة الفقيه على مذهب أهل الحديث أبو القاسم أحمد بن أبي الفضل المخلدي البقوي، وهو آخر من حدث عنه بالسماع، قال: أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الحق الخزرجي، وهو آخر من حدث عنه، قال: أخبرنا أبو عبد الله محمد بن فرج مولى الطلاع، قال: حدثنا يونس بن مغيث، قال: حدثنا أبو عيسى، قال: حدثنا أبو مروان، قال: حدثنا يحيى بن يحيى، قال: حدثنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ’’صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة’’.

قال شيخنا الشيخ أبو حيان: هذا حديث جليل الإسناد، رجاله كلهم علماء، وهو حديث دائر بين قرطبيين ومدنيين فمن شيخنا إلى يحيى بن يحيى قرطبيون، ومن مالك إلى ابن عمر مدنيون.

أخرجه البخاري في الصلاة عن عبد الله بن يوسف وأخرجه مسلم فيه عن يحيى بن يحيى، وأخرجه النسائي فيه عن قتيبة؛ ثلاثتهم عن مالك، به. فوقع لنا موافقة لمسلم وبدلا للبخاري والنسائي.

وأخبرنا شيخنا الإمام أبو حيان بقراءتي عليه قال: وحدثنا أيضا يعني الإمام أبا جعفر أحمد بن إبراهيم بن الزبير، قال: أخبرنا القاضي الخطيب العالم المتفنن أبو علي الحسين بن عبد العزيز بن محمد بن أبي الأحوص القرشي قراءة مني عليه بمدينة رية من الأندلس عن قاضي الجماعة أبي القاسم أحمد بن يزيد بن عبد الرحمن بن أحمد بن محمد بن أحمد بن مخلد بن عبد الرحمن بن أحمد بن بقي بن مخلد بن يزيد القرطبي الفقيه على مذهب أهل الحديث بطريانة، عن أبيه، عن أبيه، عن أبيه، عن أبيه، عن أبيه، عن أبيه، عن أبيه، عن أبيه، عن أبيه الإمام أبي عبد الرحمن بقي بن مخلد، عن أبي بكر المقدمي، عن عمر بن علي وعبد الله بن يزيد، عن عبد الرحمن بن زياد، عن عبد الرحمن بن رافع، عن عبد الله بن عمرو، أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بمجلسين أحد المجلسين يدعون الله ويرغبون إليه، والآخر تعلمون العلم ويعلمونه، فقال: ’’كل المجلسين خير وأحدهما أفضل من الآخر، أما هؤلاء فيتعلمون ويعلمون الجاهل فهم أفضل، وأما هؤلاء فيدعون الله ويرغبون إليه إن شاء أعطاهم وإن شاء منعهم، وإنما بعثت معلما، ثم جلس معهم’’.

لم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة من هذا الوجه،

وعبد الرحمن بن رافع هو التنوخي قاضي إفريقية، وعبد الرحمن بن زياد هو ابن أنعم الإفريقي ضعيف.

وأخبرنا الإمام لسان أهل الأدب أبو حيان بقراءتي عليه قال: قرأت على الحافظ أبي علي القرشي لشيخه الإمام أبي الحسن علي بن جابر الأنصاري الدباج رحمه الله:

        رضيت كفافي رتبة ومعيشة        فلست أسامي موسرا ووجيها        ومن جر أثواب الزمان طويلة        فلا بد يوما أن سيعثر فيها        
وأنشدنا الإمام أبو حيان بقراءتي عليه، قال: أنشدنا الخطيب أبو جعفر ابن الطباع، قال: أنشدنا ابن خلفون، قال: أنشدنا أبو عبد الله محمد بن سعيد، قال: أنشدنا أبو عمران موسى بن أبي تليد لنفسه:

        حالي مع الدهر في تقلبه        كطائر ضم رجله شرك        فهمه في خلاص مهجته        يروم تخليصها فيشتبك        
وأنشدنا الشيخ الإمام أبو حيان بقراءتي عليه لنفسه:

        أما أنه لولا ثلاث أحبها        تمنيت أني لا أعد من الأحيا        فمنها رجائي أن أفوز بتوبة        تكفر لي ذنبا وتنجح لي سعيا        ومنهن صوني النفس عن كل جاهل        لئيم فلا أمشي إلى بابه مشيا        ومنهن أخذي بالحديث إذ الورى        نسوا سنة المختار واتبعوا الرأيا        أنترك نصا للرسول ونقتدي        بشخص لقد بدلت بالرشد الغيا        
وأنشدنا أيضا لنفسه بقراءتي عليه:

        وزهدني في جمعي المال أنه        إذا ما انتهى عند الفتى فارق العمرا        فلا روحه يوما أراح من العنا        ولم يكتسب حمدا ولم يدخر أجرا        
وأنشدنا أيضا لنفسه:

        سعت حية من شعره نحو صدغه        وما انفصلت من خده إن ذا عجب        وأعجب من ذا أن سلسال ريقه        برود ولكن شب في قلبي اللهب        
وأنشدنا أيضا لنفسه:

        سال في الخد للحبيب عذار        وهو لا شك سائل مرحوم        وسألت التثامه فتجنى        فأنا اليوم سائل محروم        
وأنشدنا أيضا لنفسه:

        سبق الدمع بالمسير المطايا        إذ نوى من أحب عني نقله        وأجاد الشطور في صفحة الخد        ولم لا يجيد وهو ابن مقله

---

### في كتاب: البلغة فى تراجم أئمة النحو واللغة

محمد بن يوسف بن علي بن يوسف بن حيان النفزي 

الأندلسي. الغرناطي المولد والمنشأ، الشيخ أثير الدين، أبو حيان، شيخ البلاد المصرية والشامية ورئيسها في علم العربية، قصده الطلاب من الأقطار. ووضع في الفنون المصنفات السامية الباهرة، وهي تنيف على خمسين مصنفا. فمن ذلك: البحر المحيط في تفسير القرآن العزيز، والوهاج في اختصار المنهاج في مذهب الإمام الشافعي، والأنور الأجلى في اختصار المحلى والتحرير لأحكام سيبويه، والتكميل شرح التسهيل، ومنهج السالك في الكلام على ألفية ابن مالك، وشرح التسهيل في عشرة أسفار، وزهو الملك في نحو الترك، وكتاب الإسفار الملخص من كتاب الخفاف والصفار والمبرع في اختصار الممتع. والموفور من شرح ابن عصفور، وغاية الإحسان في علم اللسان. وكتاب التذكرة في النحو، وهو كبير، وتحفة الأديب بما في القرآن من الغريب وكتاب الارتضاء في الفرق بين الضاد والظاء، وعقد اللآلي في القراءات السبع العوالي، والمورد الغمر في قراءة أبي عمرو، والأثير في قراءة ابن كثير، وغاية المطلوب في قراءة يعقوب، والحلل الحالية في الأسانيد العالية، والأمالي في شرح عقد اللآلي، والنكت الحسان في شرح غاية الإحسان، وكتاب الشذا في مسألة كذا، وارتشاف الضرب في علم لسان العرب، وهو من أحسن مصنفاته فيما قيل، وغير ذلك وله ديوان شعر، الأدب مقصور عليه.

قرأ عليه من الجماعة الغفير، فبلغوا في الفضل ذروة الأثير.

وولد في شوال سنة أربع وخمسين وستمائة بمطخارش من حصون غرناطة وتوفي في صفر سنة خمس وأربعين وسبعمائة بالقاهرة المعزية

---

### في كتاب: العقد المذهب في طبقات حملة المذهب

محمد بن يوسف بن علي بن حيان بن يويسف الأندلسى أثير الدين أبو حيان. 

إمام أهل عصره في النحو، والتصانيف، له ’’البحر المحيط في التفسير’’، و’’شرح التسهيل’’، و’’الإرشاد’’ وغير ذلك، وكانت له معرفة بالقراءات، ودرس بالقبة المنصورية في الحديث وبالجامع الطولونى في التفسير، وتذهب للشافعي، فاختصر منهاج النووي، وسمع الحديث من ابن خطيب المزة وغيره، سمعت عليه وأجاز لى، ولد في أخريات شوال سنة أربع وخمسين وستمائة، ومات عشية السبت ثامن وعشرين صفر سنة خمس وأربعين وسبعمائة بمنزله بظاهر القاهرة، ودفن بمقابر الصوفية، ومن شعره:

        عُداتى لهم فضل عليَّ ومنَّة      فلا أذهب الرحمن عنَّى الأعَادِيَا        هم بحثوا عن ذلتى فاحتنبتها      وهم نافسونى فاجتنبت المعاليا’’.

---
- الرابط الكامل: https://www.taraajem.com/persons/11982/أبو-حيان-النحوي
