ابن هود محمد بن يوسف بن هود، من أعقاب بني هود الجذاميين من ملوك الطوائف: آخر ملوك هذه الدولة. كان مقيما في سرقسطة ولما ظهر الخلل في دولة الموحدين ثار عليهم بالصخيرات (من عمل مرسية مما يلي رقوط) وتلقب بالمتوكل على الله (سنة624هـ) فقاتله والي مرسية، وكان من بني عبد المؤمن ابن علي، من الموحدين، فظفر ابن هود ودخل مرسية، وخطب باسم المستنصر العباسي الخليفة ببغداد. وقاتله والي شاطبة. ففاز لبن هود، فزحف عليه المامون (إدريس بن يعقوب) فتقهقر ابن هود واعتصم بمرسية، فحاصره المأمون مدة، وعجز عن فتحها فرحل عنها. وعظم امر ابن هود فبايعه أهل شاطبة وقرطبة واشبيلية، واستولى على الجزيرة الخضراء وجبل الفتح. وثار عليه ابن الاحمر (محمد بن يوسف) بحصن أرجونة من أعمال قرطبة، داعيا للحفصيين اصحاب افريقية وأطاعته قرطبة (سنة629) قال السلاوي: (وتنازع ابن الاحمر وابن هود رياسة الاندلس وتجاذبا حبل الملك بها، وكانت خطوب، ثم استقر قدم ابن الاحمر في الملك).

  • دار العلم للملايين - بيروت-ط 15( 2002) , ج: 7- ص: 149

محمد بن يوسف بن هود الأندلسي السلطان أبو عبد الله.
قرأت بخط أبي الوليد بن الحاج، قال: لما قضى الله -تعالى- بهلاك الموحدين بالأندلس، وذلك أنهم ابتلوا بالصلاح في الظاهر، والأعمال الفاسدة في الباطن، فأبغضهم الناس بغضا شديدا، وتربصوا بهم الدوائر، إلى أن نجم ابن هود في سنة خمس وعشرين وست مائة بشرق الأندلس فقام الناس كلهم بدعوته، وتعصبوا معه، وقاتلوا الموحدين في البلدان، وحصروهم في القلاع، وقهروهم، وقتلوا فيهم، ونصر على الموحدين، وخلصت الأندلس كلها له، وفرح الناس به فرحا عظيما، فلما تمهد أمره أنشأ غزوة للفرنج على مدينة
ماردة بغرب الأندلس، واستدعى الناس من الأقطار، فانتدب الخلق له بجد واجتهاد وخلوص نية المرتزقة والمطوعة، واجتمع عليه أهل الأندلس كلهم، ولم يبق إلا من حبسه العذر، فدخل بهم إلى الإفرنج، فلما تراءى الجمعان وقت الهزيمة على المسلمين أقبح هزيمة فإنا لله وإنا إليه راجعون، وكانت تلك الأرض مديسة بماء وعزق تسمرت فيها الخيل إلى آباطها، وهلك الخلق، وأتبعهم الفرنج بالقتل والأسر ولم يبق إلا القليل، ورجع ابن هود في أسوأ حال إلى إشبيلية، فنعوذ به من سوء المنقلب، فلم تبق بقعة من الأندلس إلا وفيها البكاء والصياح العظيم والحزن الطويل، فكانت إحدى هلكات الأندلس، فمقت الناس ابن هود، وصاروا يسمونه المحروم، ولم يقدر أن يفعل مع الفرنج كبير فعل قط إلا مرة أخذ لهم غنما كثيرة جدا، ثم قام عليه شعيب بن هلالة بلبلة، فصالح ابن هود الأدفوش على محاصرة لبلة ومعاونته على أن يعطيه قرطبة، واتفقا على ذلك، وقال له: لا يسوغ أن يدخلها الفرنج على البديهة، وإنما تهمل أمرها، وتخليها من حرس، ووجه أنت الفرنج يتعلقون بأسوارها بالليل ويغدرون بها، ففعلوا كذلك. ووجه ابن هود إلى واليه بقرطبة فأعلمه بذلك، وأمره بضياعها من حيز الشرقية فجاء الفرنج فوجدوه خاليا، فجعلوا السلام واستووا على السور فلا حول ولا قوة إلا بالله.
وكانت قرطبة مدينتين: إحداهما الشرقية والأخرى المدينة العظمى، فقامت الصيحة والناس في صلاة الفجر، فركب الجند وقالوا للوالي: اخرج بنا للملتقى، فقال: اصبروا حتى يضحي النهار، فلما أضحى ركب وخرج معهم، فلما أشرف على الفرنج قال: ارجعوا حتى ألبس سلاحي! فرجع بهم وهم يصدقونه، وذا أمر قد دبر بليل، فدخل الفرنج على أثرهم، وانتشروا، وهرب الناس إلى البلد، وقتل خلق من الشيوخ والولدان والنسوان، ونهب للناس ما لا يحصى، وانحصرت المدينة العظمى بالخلق فحاصرهم الفرنج شهورا، وقاتلوهم أشد القتال، وعدم أهلها الأقوات، ومات خلق كثير جوعا، ثم اتفق رأيهم مع أدفونش -لعنه الله- على أن يسلموها ويخرجوا بأمتعتهم كلها، ففعل، ووفى لهم، ووصلهم إلى مأمنهم في سنة أربع وثلاثين وست مائة.
قلت: ولم يمتع بعدها ابن هود، بل أخذه الله في سنة خمس، فكانت دولته تسعة أعوام وتسعة أشهر وتسعة أيام، وهلك بالمرية جهز عليه من غمه وهو نائم، وحمل إلى مرسية فدفن هناك، ولم يمت حتى قوي أمر الموحدين وقام بعده محمد بن يوسف بن نصر ابن الأحمر، ودام الملك في ذريته. وقدم علينا دمشق ابن أخيه الزاهد الكبير بدر الدين بن هود، ورأيته، وكان فلسفي التصوف يشرب الخمر، أخذه الأعوان مخمورا!
الرعيني، صاحب الروم:

  • دار الحديث- القاهرة-ط 0( 2006) , ج: 16- ص: 293

محمد بن يوسف بن هود الجذامي
هو الأمير. كان ابتداء أمره بمرسية. ثم إنه انتظمت له البلاد واتفقت له الأقطار على مبايعته والدخول في دعوته، فبايعه الناس في بلاد الأندلس، وخلعت دعوة الموحدين منها، وذلك في عام ست وعشرين وستمائة.
وبويع في مالقة في يوم الاثنين التاسع والعشرين من شعبان من العام بعده.
فأوّل جمعة أقيمت لدعوته ودعوة العباسيين في الرابع من رمضان من العام المذكور.
وكان قد ملأ قلوب الرّوم رعبا، وكانوا يصفونه بالشجاعة والنكاية للعدو. وكان رحمه الله كثير العطاء لمن قصده، عفيف السّيف، سيّء التدبير. وصل إلى مالقة مرارا وأقام بها إلى أن انتقل إلى المرية، فدخلها ليلة الخميس الخامس والعشرين من جمادى الأولى من سنة خمس وثلاثين وستمائة، فأقام بها عند ابن الرميمي ليلة الخميس المذكور إلى نحو من ثلث الليل وهو صحيح دون ألم. فلما كان الثلث الثاني سمع الصياح في دار ابن الرميمي، فنهض إلى الدار فوجد ميتا، فيقال: إنه خنق، ويقال: إنه مات موتته، والله أعلم.
ووصل الكتاب بموته إلى مالقة غدوة يوم السبت، بعد اليوم المذكور في قارب في البحر. فسبحان من لا ينقضي سلطانه، ولا يبدل ملكه. لا إله إلا هو، الحي الذي لا يموت، وهو على كل شيء قدير.

  • دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان، دار الأمان للنشر والتوزيع، الرباط - المغرب-ط 1( 1999) , ج: 1- ص: 174