يوسف بن سليمان ابن أبي الحسن بن إبراهيم، الفقيه الأديب الشاعر الخطيب الصوفي الشافعي النابلسي.
نشأ بدمشق وقرأ بها الأدب على الشيخ تاج الدين اليماني، وقرأ النحو على الشيخ نجم الدين القحفازي وغيره، وحفظ التنبيه فيما أظن.
كان شاعرا قادرا على الارتجال، ماهرا في الإقامة على المعاني الجيدة والارتحال، ينظم القطعة على ما يطلب منه بديها، ويجيد الإتيان بها والتصرف فيها.
وكان لذيذ المفاكهة، جميل التخلف والمواجهة، صحب الناس وعاشرهم وجاملهم بالود وكاشرهم، وحاسنهم وما خاشنهم، وشاجنهم وما شاحنهم، وصافاهم وما نافاهم، فاشتمل الرؤساء على وده، والتقطوا من منادمته جني ورده، وكان كما قال الحريري:
وعاشرت كل جليس بما | يلائمه لأروق الجليسا |
فبين الرواة أدير الكلا | م وبين السقاة أدير الكؤوسا |
يوسف الشاعر من نقصه | يروم جهلا رتبة الفاضل |
تطلب التوقيع في جلق | فجاءه التوقيع في الساحل |
وأدهم اللون فات البرق وانتظره | فغارت الريح حتى غلبت أثره |
فواضع رجله حيث انتهت يده | وواضع يده أنى رمى بصره |
شهم تراه يحاكي السهم منطلقا | وما له غرض مستوقف خبره |
يعقر الوحش في البيداء فارسه | وينثني وادعا لم يستثر غبره |
إذا توقل قطب الدين صهوته | أبصرت ليلا بهيما حاملا قمره |
قد مضت ليلة الوصال بحال | قصرت عن محصل الأزمان |
أخبرتنا أن الزمان جميعا | قد تقضى في ليلة الهجران |
يعيبون من أهوى بكسرة جفنه | وعندي لهذا العيب قد تم حسنه |
فقلت وما قصدي سوى سيف جفنه | إذا دام فتك السيف يكسر جفنه |
ودولاب يحن بجس عود | على وتر يساس بغير جس |
فلما أن بدت منه نجوم | حكى فلكا يدور بسعد شمس |
سقيا لمرآة الحبيب فإنها | أمست لطلعته البهية مطلعا |
واستقبلت قمر السماء بوجهها | فأرتني القمرين في وقت معا |
كأن السحاب الغر لما تجمعت | وقد فرقت عنا الهموم بجمعها |
نياق ووجه الأرض قعب وثلجها | حليب ومر الريح حالب ضرعها |
ونوار خشخاش بكرنا نزوره | وقد دهش الرائي لحسن صفوفه |
تغنى به الشحرور من فرط وجده | فنقط بالياقوت ملء دفوفه |
كأن ضوء البدر لما بدا | ونوره بين غصون الغصون |
وجه الحبيب زار عشاقه | فاعترضت من دونه الكاشحون |
كأنما الأغصان لما انثنت | أمام بدر التم في غيهبه |
بنت مليك خلف شباكها | تفرجت منه على موكبه |
وكأنما الأغصان تثنيها الصبا | والبدر من خلل يلوح ويحجب |
حسناء قد عامت وأرخت شعرها | في لجة والموج فيه يلعب |
وكأنما الأغصان في دوحها | يلوح لي منها سنا البدر |
ترس من التبر غدا لامعا | يقيسه أسود بالشبر |
أيا من فاق في الآداب حتى | أقر بفضله الجم الغفير |
وأجرز في النهى قصبات سبق | فدون محله الفلك الأثير |
وأطلع في سماء النظم زهرا | يلوح فمن زهير أو جرير |
قطعت أولي النهى في البحث سبقا | فما لك في مناظرة نظير |
إذا أغربت في الإعراب وجها | فكم ثلجت بما تبدي الصدور |
وإن قيل المعمى والمورى | فذهنك نافد فيه بصير |
وها أنا قد دعوتك للتحاجي | لأنك في الحجى طب خبير |
فما ساع يرى في غير أرض | ولا هو في السما مما يطير |
تراه مرددا ما بين طرد | وعكس قصرت عنه الطيور |
ويلطم كلما وافى مداه | ويسحب وهو مغلول أسير |
وتنزع كل آونة حشاه | ويلقى وهو للبلوى صبور |
ويرشف بعد ذلك منه ثغر | ولا عذب هناك ولا نمير |
إذا ما سار أثر في خطاه | طرائق دونها الروض النظير |
يجر إذا سعى ذنبا طويلا | ويفتر حين يعلوه قصور |
ويسمع منه عند الجري صوت | له في صدره منه خرير |
قليل المكث كم قد بات تطوى | له من شقة لما يطير |
ويفترش الحرير ويرتديه | غطاء وهو مع هذا فقير |
وتظهر في جوانبه نجوم | وفي أحشائه فلك يدور |
فأوضح ما ذكرت فغير خاف | على مجموع فضلك ما أشير |
ودم في نعمة وسعود جد | وعز ما سقى روضا غدير |
أوجهك لاح أم قمر منير | وذكرك فاح أم نشر عبير |
طلعت طلوع شمس الصحو صبحا | على فرس حكي فلكا يسير |
ويا لله روضا ضمن طرس | زهير في جوانبه جرير |
رميت به إلي فقلت هذا | شعاع الشمس مأخذه عسير |
أراني رمزه الوضاح حسنا | ينبهني على أني حقير |
وإني ملحق بأقل صنف | إذا ما حقق الجم الغفير |
فمذ صحفته فكري ملول | ومذ نشرته باعي قصير |
هو المأسور بالماسور لكن | له في أسره مرح كثير |
نشيط أيد ويقاد طوعا | بخيط متنه واه طرير |
يراع لأن مهجته يراع | له في الجوف من خوف صغير |
يحور الى يمين من شمال | وما يغنى بذا لكن يخور |
غدا يسعى بأربعة سراع | وليس لمشيه بهم نظير |
يخالف بين رجليه فيجري | وترفعه يداه فيستطير |
له نول يسير لكل حي | وميت فيه إحسان كثير |
إذا أسدى إليه الخير مسد | جزاه عليه وهو بذا قدير |
كذاك صفاتك الحسنى ولكن | بدأت تطولا وبنا قصور |
ففخرا ثم سترا ثم قصرا | فأين الثمد والبحر الغزير |
إلى بابك العالي توجهت موقنا | بسرعة نيل القصد قبل التوجه |
وعادتنا منك النجاح لقاصد | نحاك وأنت الجاه للمتجوه |
ومن مس دهر من تأوه من له | سواك وأنت الجبر للمتأوه |
فلاقاه بالحمد امرؤ وهو مطنب | لخلق ولست القصد للمتفوه |
باسم عن لآل=ناسم عن عطر=نافر كالغزال | سافر كالبدر |
زائر بالخيال=زائل عن قربي=باهر بالجمال | ناهر بالعجب |
أي غصن نضير | نزهة للنظر |
لحظ عيني خفير | منه ورد الخفر |
يا له من غرير | في هواه غرر |
ساحر بالدلال=ساخر بالصب=فائق في الكمال | لائق بالحب |
بشذا المسك فاح | ثغر هذا الغزال |
باسم عن أقاح | أو فريد اللآل |
رد نور الصباح | كظلام الليال |
ريقه حين جال=في لماه العذب=صرت بين الزلال | والهوى في كرب |
ذو قوام رطيب | منه تجنى الحرق |
رام ظلم القضيب | فاشتكي بالورق |
فتثنى الحبيب | ورنا بالحدق |
مثل بيض النصال=من سواد الهدب=والعوالي أمال | بالقوام الرطب |
لو رآه القسوس | حسبته المسيح |
وهو يحيي النفوس | بالكلام الفصيح |
ما تبين الشموس | عند هذا المليح |
خل عنك الغزال=يرتعي في الكثب=ثم قل للهلال | يحتجب في الغرب |
ثغره في بريق | إذ جلاه بريق |
كل حر رقيق | للماه الرقيق |
خده والشقيق | ذا الهذا شقيق |
قد بدا فيه خال=كسواد القلب=إذ غدا في اشتعال | فوق نار الحب |
ما لصب صبا | في هواه نصيب |
منه قبل الصبا | قد علاني الشيب |
يا نسيم الصبا | جز بأرض الحبيب |
واجتهد أن تنال=منه طيب القرب=ثم عد بالنوال | من هدايا حبي |
جائر قد ظهر | عدله في القوام |
في الوجود اشتهر | مثل بدر التمام |
فيه يحلو السهر | ويمر المنام |
صد تيها وقال=وهو يبغي حربي=لحظ عيني نبال | قلت آه وا قلبي |
جامح في الدلال=جانح للهجر=خاطر في الجمال | عاطر في النشر |
غصن بان رطيب | قد زها بالطرب |
ينثني في كثيب | بالصبا عن كثب |
ما لقلبي نصيب | منه غير النصب |
قمر في كمال=فوق غصن نضر=طالعا لا يزال | في دياجي الشعر |
كم جلا بالسنا | فرقه لي الصباح |
وحلا في الجني | مبسم عن أقاح |
إن رنا وانثنى | أو تبدى ولاح |
يا حياء الغزال=وافتضاح السمر=واختفاء الهلال | وكسوف البدر |
خاله كالرقيب | للعذار الرقيم |
وسط نار تذيب | حول روض وسيم |
يتشكى اللهيب | في النعيم المقيم |
ذاق برد الظلال=في لهيب الجمر=واهتدى في الضلال | ببروق الثغر |
غضن بان يميس | في رياض الزهر |
ريقه الخندريس | في زلال ظهر |
فيه در نفيس | في عقيق بهر |
جفنه حين صال=في حنايا صدري=لو كفاني النبال | لاكتفى بالسحر |
شق قلب الشقيق | منه خد أنيق |
والقوام الرشيق | فيه معنى دقيق |
كم سقاني الرحيق | من فم كالعقيق |
بعد ذاك الزلال=ما حلا لي صبري=والقوام الممال | قام فيه عذري |
دار الفكر المعاصر، بيروت - لبنان / دار الفكر، دمشق - سوريا-ط 1( 1998) , ج: 5- ص: 625
يوسف بن سليمان بن أبي الحسن بن إبراهيم النابلسي جمال الدين يوسف بن سليمان بن أبي الحسن بن إبراهيم النابلسي جمال الدين الخطيب الشاعر ولد بنابلس سنة 693 ونشأ بدمشق وتأدب بعبد الباقي اليماني والقحفازي واشتغل في الفقه قليلا وكان مليح النادرة سريع الجواب ولما جدد شهاب الدين ابن فضل الله رسوم المدرسة البدرية التي في أرض مقري جعل بها خطبة جمعية فجعل فيها جمال الدين هذا خطيبا فكان أول يوم خطب يوما مشهودا حضره القضاة والعلماء واستمر على ذلك يخطب من إنشائه إلى أن مات وكان محيي الدين ابن فضل الله رتبه في ديوان الإنشاء كاتب غيبة الموقعين فكان يحضر بكرة والعصر فيكتب اسم من يغيب ويأخذ من معلومه ما يخبر كل يوم وأمل أن يكون من جملة كتاب الإنشاء فتحيلوا عليه حتى بطل ذلك بتوسلهم بالفخر عثمان النصيبي الذي كان مسخرة عند تنكز فإنه أضحك تنكز ليلة ثم قال له لي صبي لو حضر معي لكمل شغلي فأمر بإحضاره فحضر جمال الدين في الحال وهو لا يعرف الصورة بل ظن أن الفخر أراد نفعه فجلس بجانب الفخر فأخذ الفخر يتمسخر وينزل في قذال الجمال ففهم المراد فكاد ينشق غيظا وفطن الأدباء لذلك فنظموا فيه كثيرا حتى جمع ذلك عمر ابن الحسام وصيرها مقامة فمما نظموا في ذلك
يوسف الشاعر من جهله | يروم نقصا رتبة الفاضل |
تطلب التوقيع في جلق | فجاءه التوقيع في الساحل |
سقيا لمرآة الحبيب فإنها | أمست لطلعته السعيدة مطلعا |
واستقبلت قمر السماء بوجهها | فأرتني القمرين في وقت معا |
ونوار خشخاش ثناها نزوره | وقد دهش الرائي لحسن صفوفه |
يغني به الشحرور من فرط شجوه | فنقط بالياقوت مثل دفوفه |
كأن ضوء البدر لما بدا | ونوره بين غضون الغصون |
وجه حبيب زار عشاقه | فاعترضت من دونه الكاشحون |
كأن السحاب الجون لما تجمعت | وقد فرقت عنا الهموم بجمعها |
نياق ووجه الأرض قعب ثلجها | حليب ومر الريح حالب ضرعها |
مجلس دائرة المعارف العثمانية - صيدر اباد/ الهند-ط 2( 1972) , ج: 2- ص: 0
يوسف بن سليمان بن أبي الحسن بن إبراهيم الخطيب جمال الدين الصوفي الشاعر تفقه على مذهب الشافعي وقال النظم الفائق وكان سريع الجواب في النادر
وله في الوالد رحمه الله مدائح جمة
وكان سريع الجواب حسن الابتدار رأيته وقد دخل إلى الوالد يوم جاء نعي الشيخ ابن حيان فقال له الوالد رحمه الله
#خبر أتى على شيخنا الأستاذ
أجب فقال له
#كان ابتداء تفتت الأكباد
ثم انصرف إلى منزله وعاد آخر النهار وقد كمل عليه مرثية حسنة ممزوجة بمدح الشيخ الإمام
ومن شعره في فرس أدهم
وأدهم اللون فاق البرق وانتظره | فغارت الريح حتى غيبت أثره |
فواضع رجله حيث انتهت يده | وواضع يده أنى رنا بصره |
شهم تراه يحاكي السهم منطلقا | وماله غرض مستوقف خبره |
يعفر الوحش في البيداء فارسه | وينثني وادعا لم يستتر غيره |
إذا توقل قطب الدين صهوته | رأيت ليلا بهيما حاملا قمره |
كأن ضوء البدر لما بدا | ونوره بين غضون الغصون |
وجه حبيب زار عشاقه | فاعترضت من دونه الكاشحون |
دار هجر - القاهرة-ط 2( 1992) , ج: 10- ص: 393