يلبغا الأمير الكبير سيف الدين اليحيوي الساقي الناصري نائب حماة وحلب ودمشق، ابن الأمير سيف الدين طابطا، وقد تقدم ذكره في حرف الطاء.
كان جميل المحيا، قد طال ريا وطاب ريا، بثغر يفتر عن أقحوانه، وقوام يهز منه رمحا لدنا، غلطت، بل غصن بانه، كريم السجايا والأخلاق، عديم النظر في مجموع محاسنه على الإطلاق، لا يكاد يمنع سائله ولا يرد وسائله، هذا الى إقدام زلت عنه الأقدام، وشجاعة يرد عنها عنترة بوجه دام:
قمر يروقك في سحاب بنوده | ضحك السيوف من البروق الخلب |
طب بأدواء الممالك راضها | بندى يد سمح وسيف مقضب |
ذو سطوة تسع البغاة وتحتها | حلم يفيض على المسيء المذنب |
بسماحة وحماسة قد بينا | أن ليس يمنع مهلك من مطلب |
خرج على الملك الكامل، ورماه بالذل الشامل، وأراد أن يفعل مثلها بالمظفر، فخر صريعا لليدين وللفم وقد تعفر، وكان يظن الثانية مثل الأولى، فعادت صحيحات العيون من أمانيه حولا، وحز رأسه عن جسده وما نفعه مثقف سمره ولا موضون زرده.
وكانت قتلته بقافون في العشر الأواخر من جمادى الأولى سنة ثمان وأربعين وسبع مئة.
كان الأمير سيف الدين يلبغا من أكبر الأمراء الخاصكية، ولم يكن عند أستاذه الملك الناصر محمد أعز منه، وكانت الإنعامات التي تصل إليه لم يفرح أحد بمثلها، يطلق له الخيل بسروجها وعددها وآلاتها: الزركش والذهب المصوغ في سروجها مرصعا بالجواهر الثمينة خمسة عشر خمسة عشر فرسا، والأكاديش من الجشار مئتين مئتين، وتجهز إليه التشاريف: الأطلس والحوايص الذهب والطرز الزركش وغير ذلك من التشاريف التي يحتاج هو الى أن يعطيها من عنده لمن يحضر إليه ذلك.
حكى لي الحاج حسين أستاذداره قال: جرى يوما بين يدي السلطان ذكر عشرين ألف دينار، فقال يلبغا: والله يا خوند أنا عمري ما رأيت عشرين ألف دينار، فلما خرج من عنده، طلب القاضي شرف الدين النشو ناظر الخاص وقال: أحضر إلي الساعة خمسة وعشرين ألف دينار، وخمسة تشاريف أطلس أحمر وطرزها وكلوتاتها وحوايصها، فلما حضر ذلك قال: احمل التشاريف الى عند يلبغا، وقل له: إذا جاء الجمدارية بالذهب اخلع عليهم التشاريف، وطلب خمسة جمدارية وحمل كل واحد منهم خمسة آلاف دينار، وقال: توجهوا بهذا الذهب الى يلبغا، فأحضروها، وخلع هو عليهم تلك الخلع، وبنى له الإصطبل الذي في سوق الخيل تحت القلعة ظاهر القاهرة، ولم يعمر قبله مثله، وأنفق عليه ما لا يعلمه إلا الله تعالى، وكان يهندس الصناع فيه بنفسه، ولما فرغ مد فيه سماطا عظيما، وخلع على أمراء الدولة تشاريف وخيولا. وبالجملة فكانت إنعاماته عليه وإطلاقاته له خارجة عن الحد.
وكان هو والأمير سيف الدين ملكتمر الحجازي قد توليا تمريض السلطان لما مات. ثم إن يلبغا سأل في أيام الصالح إسماعيل أن يكون نائب حماة، فأجيب الى ذلك، وجاء إليه عوضا عن الأمير علاء الدين ألطنبغا المارداني، وتوجه المارداني الى نيابة حلب عوضا عن الأمير سيف الدين طقزتمر، وجاء طقزتمر الى نيابة دمشق، وذلك في سنة ثلاث وأربعين وسبع مئة.
ولما مات الأمير علاء الدين ألطنبغا المارداني في حلب، رسم للأمير سيف الدين يلبغا بنيابة حلب، ولما ملك الملك الكامل طلب طقزتمر من دمشق الى مصر ليكون لها نائبا، ورسم للأمير سيف الدين يلبغا بنيابة دمشق، فدخل إليها يوم السبت ثاني عشر جمادى الأولى سنة ست وأربعين وسبع مئة، وتوجه الأمير سيف الدين أرقطاي الى حلب نائبا، وأقام يلبغا اليحيوي على حاله بدمشق، وأرجف الناس كثيرا بأن الملك الكامل يريد إمساك يلبغا، وذلك بعد إمساك الأمير سيف الدين آل ملك وسيف الدين قماري، فاستوحش الأمير سيف الدين يلبغا من ذلك وبرز الى الجسورة بظاهر دمشق في خامس عشر جمادى الأولى سنة سبع وأربعين وسبع مئة، وأقام هناك أياما، وحضر إليه الأمير حسام الدين البشمقدار نائب حمص، والأمير سيف الدين آراق نائب صفد، والأمير سيف الدين أسندمر نائب حماة، والأمير بيدمر البدري نائب طرابلس، واجتمع الكل عنده بظاهر دمشق، وعسكر دمشق جميعه، واجتمعوا وأجمعوا على خلع الكامل، وظاهروه بالخروج عليه، وكتبوا إليه مطالعة بذلك، فكان ما كان من أمر الكامل، على ما مر ذكره في ترجمته.
ولما تولى الملك المظفر حاجي أقر سيف الدين يلبغا على حاله في نيابة دمشق وجعل ابنه أمير محمد أميرا بطبلخاناه، وأعطى دواداره الأمير عز الدين طقطاي طبلخاناه، وعمر يلبغا قبة النصر عند مسجد القدم مكانا كان قد برز إليه، وكان قد عمر قبل ذلك القيسارية التي هي برا باب الفرج، وعمر الحمامين اللذين بحكر العنابة برا الجابية بدمشق، وشرع في عمارة الجامع الذي بسوق الخيل على نهر بردى في أول سنة ثمان وأربعين وسبع مئة.
وفي ثامن عشري شهر ربيع الآخر سنة ثمان وأربعين وسبع مئة ورد إليه الخبر على البريد على يد الأمير شمس الدين آقسنقر المظفري أمير جاندار بكتاب من السلطان الملك المظفر بإمساك الأمراء الستة الذين تقدم ذكرهم في ترجمة الأمير شمس الدين آقسنقر الناصري، وفيه إعلامه بالواقعة وإطابة خاطره وتسكينه. فكتب الجواب بالدعاء للسلطان وجهز أستاذداره سيف الدين أشتقتمر معه، واستوحش يلبغا من هذه الواقعة كثيرا، واستدعى أمراء دمشق بعد ذلك بيومين، وهو في دار السعادة، وعرفهم ما جرى، وكتب الى نواب الممالك بالصورة، وجهز الأمير سيف الدين ملك آص الى حماة وحمص وحلب، وجهز الأمير علاء الدين القاسمي الى طرابلس. وجاءه ليلة الجمعة من زاده وحشة فلم يصبح له بدار السعادة أثر غير نسائه، وانتقل الى القصر الأبلق، ونزل والده وإخوته وألزامه ومن معه من مماليكه بالميدان، وكان يركب وينزل الى يوم الأربعاء، فجاءه الأمير سيف الدين آراي أمير آخور بكتاب السلطان الملك المظفر يطلبه الى مصر ليكون رأس أمراء المشور، وأن نيابة الشام قد أنعم بها على الأمير سيف الدين أرغون شاه نائب حلب، وقال سيف الدين آراي ذلك بغمة لأمراء دمشق، فتحللت عنه العزائم، وفلت الآراء، فتجهز وطلع الى الجسورة ثانيا على العادة التي فعلها في السنة الماضية، وكان ذلك بعد العصر خامس عشر جمادى الأولى، وأقام الى بعد الصلاة من يوم الجمعة سادس عشر جمادى الأولى، وكانت الملطفات قد جاءت من السلطان الى أمراء دمشق بإمساكه في عشية الخميس، فأنزلوا الصنجق السلطاني من القلعة، واجتمع عسكر دمشق تحته، ولما علم بذلك ركب بسلاحه في جماعته. ولما عاين أوائلهم هرب بمماليكه وأهله، وهرب معه أيضا الأمير سيف الدين قلاوون، والأمير ناصر الدين بن جمق، وتبعه الأمير علاء الدين بن طغريل أمير حاجب، والأمير شهاب الدين بن صبح وغيرهما من عسكر دمشق، وعادوا بعدما أوصلوه الى ضمير، وقتل من العسكر جماعة.
ثم إن الأمير فخر الدين أياز نائب صفد وصل بعسكر صفد الى دمشق في بكرة الأحد ثامن عشر جمادى الأولى، وخرج العصر بعسكر دمشق أيضا وصفد وتوجه بهم الى حمص وجدوا، وكان العرب قد أنكوه ومنعوا منه الماء، واقتطعوا بعض نقله، وجد في طلبه سلار بن تتر البدوي وأخوه بريد، ومنعوه النوم والقرار، وكل هو ومن معه، وملوا من حمل السلاح ليلا ونهارا، وحمي الحديد عليهم، وعاينوا الهلاك، واختلف مماليكه عليه، فقال لهم: بالله وسطوني أو اضربوا عنقي. كل هذا وهم ما بين القريتين الى أمهين وصدد، ولما سمعت ذلك قلت:
تفرق شمل السعد عن يلبغا وقد | بغا وغدا في عكسه متورطا |
فقال له السيف الذي شد وسطه | وقد بالغ الأعراب في الجور والسطا |
تلذذ بقتل فيه للنفس راحة | وإن رمت أهنأ العيش فابغ توسطا |
وقال له مماليكه: أنت قلت لنا إن نائب حماة معك، توجه بنا إليه، فلم ير إلا المطاوعة، فعبر على ظاهر حمص وتوجه الى حماة، فخرج إليه الأمير سيف الدين قلطيجا الحموي النائب بحماة، فتلقاه ودخل به الى حماة، ثم إنه أمسكه وأمسك والده وأخويه قراكز وأسندمر، وعز الدين طقطاي الدوادار وسيف الدين جوبان وقلاوون ومحمد بن جمق، وقيدهم وجهز سيوفهم الى السلطان. ثم بعد ذلك جهز الأمير سيف يلبغا ووالده مقيدين الى مصر، فلما وصلا الى قاقون تلقاهما الأمير سيف الدين منجك، فأطلعه الى قلعة قاقون هو ووالده وحبسهما في بيتين منفردين، ثم أنزل والده من قلعة قاقون، وجهز وحده على البريد الى السلطان، وطلع الى الأمير سيف الدين يلبغا مشاعليان، فأحس بذلك، وسألهما الوضوء وصلاة ركعتين، ولما فرغ من ذلك قال لهما: بالله هوناها علي. فقالا له: يا خوند إن أردت ذلك فدعنا ندير كتافك، فمكنهما من نفسه، وخنقاه، فسمع الناس شهقته من أسفل القلعة. ثم إنه حز رأسه وجعل في عسل، وجهز الى باب السلطان، ثم دفنت جثته بقاقون، رحمه الله تعالى وسامحه وعفا عنه، وذلك في العشر الأواخر من جمادى الأولى في السنة المذكورة.
وقلت أنا في ذلك:
إن في يلبغا لكل لبيب | عبرة أصبحت على الدهر تتلى |
ما تساوى العز الذي قد رآه | في دمشق بذل قاقون أصلا |
وقلت أيضا:
ألا إنما الدنيا غرور وباطل | فطوبى لمن كفهاه منها تفرغا |
وما عجبي إلا لمن بات واثقا | بأيام دهر ما رعت عهد يلبغا |
ثم إن الأمير سيف الدين منجك وصل الى حماة، وجهز إخوة يلبغا وجماعته الذي أمسكوا مقيدين الى باب السلطان.
وخلف الأمير سيف الدين يلبغا اثني عشر ولدا، أكبرهم أمير محمد وعمره تقدير سبع سنين، وكان له زوجتان: أخت صمغار وأخت بزلار، وكان يحبها كثيرا، وأم محمد وهي أخت الخوندة أردو.
وكان يتلو القرآن جيدا، ويلازم تلاوته في المصحف، ويحب أهل القرآن ويجالسهم، ويحب الفقراء. ولم يكن فيه شر ولا انتقام. وقبل خروجه من دمشق أحضر إليه قاضي القضاة تقي الدين السبكي الشافعي الى القصر، ووقف أملاكه وخص الجامع الذي أنشأه بدمشق بمبلغ ستين ألف درهم في كل سنة من صلب ماله، رحمه الله تعالى. ومضى كأن لم يكن.
ولم أر مثل ما ناله من السعادة التي فاضت عنه على والده ووالدته وإخوته وأقاربه ومماليكه، لأن والده كان أمير مئة مقدم ألف، وأخواه أميري طبلخاناه، وولده أمير طبلخاناه، وذو قرابته الأمير شهاب الدين شعبان أمير طبلخاناه، ودواداره الأمير عز الدين طقطاي أمير طبلخاناه، ومملوكه سيف الدين جوبان أمير عشرة، وبقية مماليكه جماعة منهم لهم الإقطاعات الجيدة القوية في الحلقة. واعتنى بجماعة من أهل حماة وحلب ودمشق، وخلص لهم الطبلخانات.
وعلى الجملة فكانت سعادة زائدة عن الحد، لكنها ختمت بهذا الشر الكبير الذي فاض عنه على ذويه، فلا قوة إلا بالله العلي العظيم.
بقدر الصعود يكون الهبو | ط فإياك والرتب العاليه |
ومن جملة ما أرى من العز أنه كان قد توعك وحصل له سوء مزاج، فكان عند السلطان في المرقد وهو جالس ورجلاه الى ركبتيه في حجر السلطان وهو يكبسهما بيده ويرش الماورد على وجهه، ويتولى تمريضه وطبه وعلاجه وخدمته بنفسه. وكان ولد السلطان وهو إبراهيم أكبر من أبي بكر قد مرض بالجدري فمات إبراهيم ودفن ولم يره أبوه ولا عاده شغلا منه بتمريض يلبغا، فهذا نهاية في العز.
ومن جملة الذل الذي رآه أن تولى خنقه في قلعة قاقون مشاعليان ودفن في أرض قاقون جسدا بلا رأس، اللهم خلصنا من شرور هذه الدنيا الغرارة.
وقلت أنا فيه وقد التزمت الزاي المشددة:
دع الدهر يعلي من أراد الى السهى | ودافعه من وقت لوقت وجزه |
فقد نال منه يلبغا فوق ما ابتغى | وقصته تجلى على المتنزه |
وأنزل من عند الثريا الى الثرى | وأمسكه صرف الردى في محزه |
وألحفه العيش الغليظ رداءه | على لطف معناه ورقة بزه |
فلا سعد إلا ما رأيناه ناله | ولا ذل إلا ما رأى بعد عزه |