يحيى بن علي بن أبي الحسن ابن أبي الفرج بن طاهر بن محمد، الشيخ الإمام المسند الفقيه الفاضل المنشئ محيي الدين بن الحداد الحنفي.
كان ناظما ناثرا، قاعدا بفن الترسل ماهرا، كتب الإنشاء بطرابلس زمانا، ونال من طول المدة في عمره أمانا، الى أن تخلى عن المباشرة، ومل المصاحبة من إخوانه والمعاشرة وانقطع بدمشق مقبلا على شانه، عالما بخيانة إخوانه، وزمانة زمانه.
ولم يزل الى أن عد فيمن أركبته المنايا على الأعواد، ولم يحمل التطريق ابن الحداد.
وتوفي رحمه الله تعالى بمنزله في الكفتيين داخل دمشق بعد العشاء الآخرة ليلة الاثنين حادي عشري شوال سنة سبع وخمسين وسبع مئة، ودفن بمقابر الصوفية الى جانب الشيخ جمال الدين الحصيري الحنفي.
ومولده سنة ست وستين وست مئة بدمشق، وأصله رقي.
وكان قد تولى بالقاهرة نظر القنود، ثم دار الوكالة في سنة سبع عشرة وسبع مئة، فلما توفي شمس الدين الطيبي كاتب الإنشاء بطرابلس تولى مكانه، وخرج من القاهرة في أواخر سنة سبع عشرة وسبع مئة.
أخبرني ولده الأمير ناصر الدين محمد، أحد البريدية بدمشق قال: توجهت مع والدي الى عند قاضي القضاة تقي الدين السبكي - رحمه الله تعالى - وقال له وأنا أسمع: إن والده أحضر الى الشيخ محيي الدين النواوي - رحمه الله تعالى - بالرواحية وهو أمرد ليشتغل عليه، فقال له: هذا صبي أمرد، وأنا مذهبي أن النظر الى الأمرد حرام مطلقا، ولكن توجه به الى تاج الدين الفزاري، فأخذه والده وجاء به الى الشيخ تاج الدين وهو يشتغل في الجامع الأموي، أو كما قال.
وكتب الإنشاء بطرابلس نحوا من أربعين سنة، وكانت له مباشرات بالشام في دمشق وبعلبك وحمص وحماة وحلب في غير ما وظيفة من وظائف الديوان.
وكان قد كتب هو إلي لما ورد دمشق:
يا إماما قد فاق سحبان بل قسـ | ـس إياد قل لي أأنت خضر |
أنت للفضل قبلة ولأهل الـ | ـعلم نجم يهدي وللدين بدر |
فإذا ما نطقت أفنيت أفكا | ر البرايا ولم يحر لك فكر |
وإذا ما وضعت في الطرس خطا | باهر الحسن جل بل حل سحر |
وإذا ما نظمت شعرا فللشعـ | ـرى حياء منه وللشعر فخر |
وإذا ما نحوت نحوا فمن زيـ | ـد من الماهرين فيه وعمر |
أخجل النظم منك نظم وأودى | نثرة الشهب من مقالك نثر |
أترى أنت عالم بولائي الـ | ـمحض أم بينه وبينك ستر |
ليس شكل من الصواب فلو حقـ | ـقت قربي ما عاقني عنك بحر |
وعلى الحالتين بعد وقرب | لك عندي حب وحمد وشكر |
لك مني حمد يفوق وشكر | لي منه على مدى الدهر سكر |
وولاء عقدت منه لواء | منه طي في الخافقين ونشر |
ودعاء حق بغير ادعاء | فيه من سرعة الإجابة سر |
وثناء أعليت منه بناء | فهو أفق نجومه منك زهر |
قد تفضلت باديا بقريض | كل بيت فيه من الحسن قصر |
فهو ينهل في انسجام ويحلو | فعلي كل حالة فهو قطر |
وكأن السطور روض مريع | والمعاني كأنها فيها زهر |
أنت يا بن الحداد صغت المعالي | لك طوقا فيه كلامك در |
بك قد أشرقت دمشق وتاهت | فلها من سناك فجر وفخر |
أنت فيها بحر وقد سبق القو | ل ضميري فقلت إنك حبر |
كيف يدعى بالبحر من كل بحر | مستمد من فضله مستمر |
فابق في نعمة تفيد البرايا | فضل علم يغشاه زيد وعمرو |
دار الفكر المعاصر، بيروت - لبنان / دار الفكر، دمشق - سوريا-ط 1( 1998) , ج: 5- ص: 568
يحيى بن علي بن أبي الحسن مجلي بن أبي الفرج يحيى بن علي بن أبي الحسن مجلي بن أبي الفرج محمد بن طاهر بن محمد الصالحي ابن الحداد الحنفي ولد سنة 666 بدمشق وأسمع على الفخر ابن البخاري وكان يذكر أن والده أحضره إلى النووي وهو أمرد فاعتذر وقال أنا أرى أن النظر إلى الأمرد حرام مطلقا فاذهب به إلى الشيخ تاج الدين وكان يذكر أنه رآه وأنه سمع منه قال شيخنا العراقي ولم أقف على ذلك قال ابن رافع كان قد ولي التوقيع بطرابلس ثم عزل وأقام بجبل الصالحية وحدث وكان أصله من الرقة وسكن القاهرة وباشر بها نظر الوكالة ثم ولي كتابة الإنشاء بطرابلس بعد شمس الدين الطيبي فاستمر بها دهرا طويلا وكان ينظم نظما وسطا فمنه من أبيات
أخجل النظم منك نظم وازري | نثره الشهب من مقالك نثر |
وإذا ما نظمت شعرا فللشع | رى احتشام منه وللشعر فخر |
مجلس دائرة المعارف العثمانية - صيدر اباد/ الهند-ط 2( 1972) , ج: 2- ص: 0