موسى بن أحمد ابن الحسين بن بدران بن أحمد، القاضي الرئيس الكبير، قطب الدين بن ضياء الدين، أبو البقاء، ابن شيخ السلامية، ناظر الجيوش الإسلامية بالشام ومصر، الخاقاني، نسبة الى الفتح بن خاقان وزير المتوكل.
كان وقورا مهيبا، فاضلا لبيبا، يحب الفضلاء، ويرب النبلاء، ويحسن الى الفقراء، ويواسي هم كبار الأمراء.
رأى من العز والوجاهة، وعلو المرتبة والنباهة ما لا رآه غيره، ولا قد لمثله سيره.
باشر نظر الجيوش بمصر والشام، وتألق برق سعوده حتى انتجعه كل أحد وشام، فلاح بدر سياده، وفاح زهر سعاده، حتى كأن أبا تمام، عناه بقوله دون الأنام:
جعلت نظام المكرمات فلم تدر | رحى سودد إلا وأنت لها قطب |
بجودك تبيض الخطوب إذا دجت | وترجع عن ألوانها الحجج الشهب |
لم يزل في تقدم وتكريم، وترق الى غايات مجد يحتقر معها كل غاية تعظيم، الى أن أمسى من تراب فراشه، وبطل حتى المعاد معاشه.
وتوفي رحمه الله تعالى يوم الثلاثاء ثاني ذي الحجة سنة اثنتين وثلاثين وسبع مئة.
ومولده سنة إحدى وستين وست مئة.
كان أولا صاحب ديوان الجيش والقاضي بدر الدين بن العطار ناظرا في زمن الأفرم، ولما جاء السلطان الملك الناصر محمد الى دمشق من الكرك، وتجه بالعساكر الى مصر، توجه معه القاضي قطب الدين، وعاد الى الشام وهو ناظر الجيش، ولم يزل كذلك الى أن غضب السلطان على القاضي فخر الدين ناظر الجيش فجهز طلب القاضي قطب الدين، فتوجه إليها هو والأمير جمال الدين آقوش نائب الكرك، وذلك في أوائل سنة اثنتي عشرة وسبع مئة في شهر ربيع الأول، وولاه نظر الجيش بالديار المصرية.
ولم يزل هناك الى أن عمل روك الشام، فحضر الى دمشق بأوراق الروك في شهر ذي الحجة سنة ثلاث عشرة وسبع مئة. واستمر ناظر الجيش بالشام الى أن حضر القاضي معين الدين بن حشيش على وظيفة النظر، وعزل القاضي قطب الدين تقدير أربعة أشهر. ثم إنه ورد مرسوم السلطان بأن يكون القاضي معين الدين شريكا للقاضي قطب الدين في النظر، وأن يكون لكل منهما معلوم مستقل نظير الأصل. وكان القاضي قطب الدين يعلم أولا.
ولم يزالا كذلك الى سنة ثمان وعشرين وسبع مئة، فطلب القاضي معين الدين الى الديار المصرية لينوب عن القاضي فخر الدين في نظر الجيش عند توجهه الى الحجاز، وانفرد القاضي قطب الدين أخيرا بالنظر، الى أن توفي رحمه الله تعالى في التاريخ. ورأى من السعادة والعز والوجاهة والتمكن والتقدم في أيام تنكز ما لا رآه غيره، ولما تنكر الأمير تنكز على المتعممين وعلى صهره الصاحب شمس الدين عبريال توفي رحمه الله تعالى، ولم ير منه ما يكرهه.
وكان الأدباء والفضلاء والشعراء يترددون الى محله ويقضي حوائجهم، وله نظم ونثر.
أنشدني من لفظه ولده الشيخ عز الدين حمزة، قال: أنشدني والدي لنفسه مواليا:
الحب في الله يا محبوب لي مفسوح | فداو الوصل من أضحى به مجروح |
وارحم محبا على فرش الضنا مطروح | دمع مسفوح، وجفن بالبكا مقروح |
وبه قال أنشدني له:
بالله دع عنك هجراني ودع ذا الصد | فقل تطاول بي الهجران فوق الحد |
كم ذا تجور علي يا رشيق القد | مسلم أنا، ما أنا كافر ولا مرتد |
وأنشدني من لفظه القاضي شهاب الدين بن فضل الله، ومن خطه نقلت، قال: أنشدني من لفظه لنفسه القاضي قطب الدين:
ما اخترت مقامي بربا لبنان | فردا ومشردا عن الأوطان |
إلا لأراك أو أرى من نظرت | عيناه الى جمالك الفتان |
وكتب الشيخ علاء الدين علي بن غانم الى القاضي قطب الدين، رحمهما الله تعالى، وهو بالقاهرة سنة اثنتي عشرة وسبع مئة:
يا غائبا بينه وبيني | من شقة البعد لي حجاب |
هجرت حتى ولا سلام | ولا كلام ولا كتاب |
فكم بعثنا له كتابا | ما عاد عنها ولا جواب |
عليه قد حق كل عتب | وما عسى ينفع العتاب |
فقد أحبائي عن يقين | بغير شك هو العذاب |
فكتب القاضي قطب الدين إليه الجواب:
أقسمت بالله أن شوقي | بضيق عن حصره كتاب |
وأنني إذ نأيت عنكم | دموع عيني لها انكباب |
وأن كتبي وإن تراخت | فإن ودي له إياب |
وإن يكن حق كل عتب | يا حبذا ذلك العتاب |