محمد بن الحسن بن محمد

محمد بن الحسن بن محمد

التراجم

محمد بن الحسن بن محمد الخطيب كمال الدين أبو عبد الله ابن الشيخ الإمام العلامة نجم الدين أبي محمد ابن الشيخ كمال الدين القرشي الأموي القرطبي الأصل الصفدي الخطيب بن الخطيب بن الخطيب، الدمشقي المولد.
كان خطيبا مصقعا، وأديبا ترك ربع البلاغة بعده بلقعا، كم أسال الدموع وفضها على الخدود من الخشوع، وكم علا ذروة المنبر واستقبل الناس فقالوا: هذا بدر قد بدا في سماء من العنبر. ليس للحمائم مثل أسجاعه إذا غردت، ولا للفصحاء مثل عبارته التي جمعت أنواع البيان فتفردت.
وكان ممن ينظم وينثر، ويجري قلمه في ميدان البلاغة ولا يعثر، يأتي فكره بقصائد كأنها قلائد، ونثره برسائل كلها فرائد:
خطب في حياة والده، وهو خالي الوجنة من النبات، وحير العقول بماله من الإقدام والثبات، وكان وهو أمرد يفتن القلوب بنظره، ويقسم الأفق أنه أحسن من قمره.
ومات والده وهو عار من حلي الآداب سار في ميعة الصبا والشباب، فلما مات والده -رحمه الله تعالى اجتهد ودأب، وتمسك بعرا الفضل والأدب، فنظم ونثر وكتب.
ولم يزل على حاله إلى أن خاطبه الخطب فجاءه، ولم يدفع الطبيب داءه.
وتوفي رحمه الله تعالى - يوم الاثنين رابع جمادى الآخرة سنة تسع وخمسين وسبع مئة.
ومولده بدمشق، تقريبا سنة تسع وسبع مئة.
صلى الظهر بالناس يوم الاثنين، وجاء إليه المؤقت فقال له: إن بعض المؤذنين ما يلازم التأذين، فأحضره وأنكر عليه، وحصل له منه غيظ، دخل بعد ذلك إلى بيته ونام فجأة على فراشه. وكذلك توفي والده رحمه الله تعالى - فجأة بصفد أيضا، وقد تقدم ذكره في حرف الحاء مكانه.
وكان الخطيب كمال الدين يكتب خطا حسنا وهو من بيت بلاغة وكتابة، وبيني وبينه مكاتبات ومراجعات، ذكرت أكثرها في كتابي ’’ألحان السواجع بين البادي والمراجع’’، وكنت أود ما يوده، وأختار ما يختاره من مسكنه دمشق -رحمه الله تعالى- وما اتفق له ذلك.
وكان قد كتب هو إلي من صفد في أواخر سنة أربع وخمسين وسبع مئة:
يقبل الأرض التي يسأل الله تعالى أن يحمي حماها من الغير، ويجعلها كعبة تطوف بها الآمال والفكر، وأن يمنح ربها من مزيد النعم ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، وينهي أشواقه التي أصبح من حرها على خطر، ويذكره الذي كم له فيه من وطر، فلا يخلو منه أين كان ولا أنى نظر، وصحيح وده الذي هو بنقل الثقات معتبر، وحديث حبه المستطر، وقديم ولائه الذي هو للسان الملأ سمر.
فكتبت أنا الجواب إليه من رأس القلم ارتجالا:
يقبل الأرض وينهي ورود المثال الكريم الذي فضح كماله القمر، وسلب بسحره الألباب وقمر، وأحيا رسم البلاغة، فساد بما شاد وعمر، وهمى غمام فضله وسقى رياض الفصاحة وهمر، وقسم نظمه ونثره فهذا للندامى غناء، وهذا للمحدثين سمر، وخالف العادة لأنه جاء بستانا في ورقه، إلا أن جميعه زهر وثمر، وأمر ونهى في سلطان فضله، فأذعن الفصحاء له وقالوا له: السمع والطاعة فيما نهى وأمر، وأطرب المسامع فعلم أن من أنشأه لو شاء بالطرس طبل وزمر، فوقف المملوك على أبياته وآمن بآياته وعلم أنه يقصر عن مباراة مباديه وهو في غاياته، وتصور عتبه فتضور وتفكر في أمره الأمر فتكفر، وتربض لما يدبره في معناه فما تصبر، وترفق للحيلة فما رأى لها دليلا تقرر، وتحرى فيما يعتمده فما وجد فيه بحثا تحرر:
وكنت قد كتبت له توقيعا من الفخري لما كان بدمشق، على أن يكون موقعا بصفد في سنة اثنتين وأربعين وسبع مئة، ونسخته:
رسم بالأمر العالي، لا زال يزيد بدور أوليائه كمالا، ويفيد سفور نعمائه جمالا، ويعيد وفور آلائه على من بهر بفوائده التي غدا سحر بيانها حلالا، أن يرتب المجلس السامي القضائي الكمالي في كذا، لأنه الأصيل الذي ثبت في البيت الأموي ركنه، وتفرع في الدوحة العثمانية غصنه، وكمل قبل بلوغ الحلم حلمه، فلم يكن في هضبات الأبرقين وزنه، وألف حين أشبل غاب المجد حتى كأنه كنه، والبليغ الذي تساوى في البديع نظمه ونثره، وخلب العقول من كلامه سحره، وفاق زهر الليالي لآليه ودراريها دره، والفاضل الذي ألقى إليه العلم فضل الرسن ومج السهاد فم جفنه وغيره قد ذر الكسل فيها فترة الوسن، وبهر في مذهبه فللشافعية به كما للحنفية محمد بن الحسن، والخطيب الذي يعلو صهوة المنبر فيعرفه وإن لم يضع العمامة، ويطمئن له مطاه حتى كأنه بينه وبين علميه علامه، ويبرز في سواد شعاره بوجه يخجل البدر إذا بدا في الغمامة، ويود السمع إذا أطاب لو أطال، فإنه ما سامه منه سآمه، ويغسل دون الذنوب إذا أيه بالناس وذكر أهوال القيامة، ويتحقق الناس أن كلامه روض ومنبره غصن، وهو في أعلاه حمامه.
فليباشر ذلك مباشرة هي في كفالة مخائله، وملامح شمائله، ومطامح الآمال في نتيجة المقدمات من أوائله، وليدبج المهارق بأقلامه التي تنفث السحر في العقد، وتشب برق الإسراع حتى يقال: هذا الجمر قد وقد، وتنبه على قدر هذا الفن فإنه من عهد والده خمل وخمد، وتنبهه فإن ما رقى لما رقد، ليسر ذلك الليث الذي شب له منه شبله، وذلك الغيث الذي فض له منه فضله، والوصايا كثيرة وهو غني عن شرحها. ملي بحراسة سرحها، فلا يهدى إلى هجره منها تمره، ولا يلقن إلى بحره منها دره، ولكن تقوى الله تعالى أعم الوصايا وأهم نفعا مما في حنايا الزوايا من الخبايا، وهو بها يأمر الناس على المنابر، والآن تنطق بها ألسنة أقلامه من أفواه المحابر، فليكن بها أول مأمور، وأول متصف أسفر له صبحها من سواد الديجور. والله يزيده فضلا، ويزيده من القول المحكم فصلا.
والخط الكريم أعلاه الله تعالى أعلاه حجة ثبوته، والعمل بمقتضاه إن شاء الله تعالى.
  • دار الفكر المعاصر، بيروت - لبنان / دار الفكر، دمشق - سوريا-ط 1( 1998) , ج: 4- ص: 400

Men
الولادة
غير متوفر
الوفاة
غير متوفر
العصر
التصنيف
رجال