ططق
ططق
كان عارفا خبيرا، دربا بالأمور لا كمن لا يعرف قبيلا ولا دبيرا، يكتب فيكبت حساده، ويقرأ فيرقا ويعلو أضداده، استراح به أرغون الكاملي مدة نيابته لما كان له دودارا، ورأى من العز والعظمة ما لم يره كسرى ولا دارا، وعمل النيابة بالرحبة جيدا، وكان من العربان منصورا مؤيدا، فابتسم به ذلك الثغر بعد قطوبه، ومعاناة كروبه، ومداناة حروبه. إلى أن جاءه الأمر الذي لا تمنع منه الحصون، وأذاع من حينه السر المصون.
وتوفي - رحمه الله تعالى - في رابع عشر ذي القعدة سنة ثلاث وستين وسبع مئة.
كان المذكور من مماليك الأحمدي، أمير جاندار، ولما تأمر الأمير سيف الدين أرغون الكاملي، أخذ جماعة من مماليك الأحمدي، فكان هذا ططق المذكور دواداره، وكان عاقلا خبيرا مهذبا مدربا، فاستراح به الكامل في نيابة حلب ودمشق، وكان بدمشق أمير عشرة، ولما عادوا إلى حلب ثانيا من دمشق أعطي إمرة طبلخاناه، ولما طلب الكاملي إلى مصر، توجه معه، وأمسك الكاملي على ما تقدم في ترجمته، بقي بطالا مدة، ثم إنه أعطي طبلخاناه، وجهز إلى دمشق، فحضر إليها، وعرض جنده بدار السعادة في رابع عشر ربيع الأول سنة اثنتين وستين وسبع مئة، وأقام بدمشق قليلا، ثم طلب إلى دمشق قليلا، ثم طلب إلى مصر، وعاد صحبة السلطان الملك المنصور صلاح الدين محمد بن حاجي، لما وصل دمشق في واقعة الأمير سيف الدين بيدمر، ولما كان بعد عيد رمضان ألبس الأمير ططق تشريفا، وأعطي تقدمة ألف، وجهز إلى الرحبة في أوائل شوال سنة اثنتين وستين وسبع مئة. وكان بها نائبا، فسد ثغرها، وشد أمرها، ومنعها من أذى العربان إلى أن توفي، رحمه الله تعالى.
وكان يودني، ويثني علي ثناء كثيرا، ولم أجتمع به، وكتبت إليه، وهو بحلب لما أظفرهم الله تعالى بأحمد الساقي وبكلمش وبيبغاروس وقراجا بن دلغار قصيدة وهي:
يا حسنه لما رمق | لم يبق في جسمي رمق |
أحوى اللواحظ ناعس | أنفى جفوني بالأرق |
حلو المقبل بارد | ملأ الجوانح بالحرق |
حسد الصباح جبينه | لضيائه حتى انفلق |
فالورد مثل خدوده | وعليه كالطل العرق |
والثغر ليل صبحه | فرق وفي الخد الشفق |
شكري ليالي وصله | شكر العفاة ندى ططق |
فهو الدوادار الذي اصـ | ـطبح الفضائل واغتبق |
أفعاله من حكمة | تجري على نسق اليسق |
وسكوته لسكونه | وإذا تكلم قال حق |
كم مسلم بيراعه | بين الأنام قد ارتزق |
وإذا برى أقلامه | أبدى الأزاهر في الورق |
تغنى الملوك برأيه | إن حان أمر أو طرق |
أثنى العدو عليه حتـ | ـى قال حاسده صدق |
تشكو دمشق فراقه | فنسيمها بادي القلق |
يعتل عند هبوبه | وله الغدير صفا ورق |
وكأن نشر رياضها | منه استعار أو استرق |
طوبى لمن بجنابه | قد لاذ يوما واعتلق |
من يمن طلعته وهي الـ | ـأعدا وصاروا في وهق |
أرأيت أحمد إذ غدا | في نار بكلمش احترق |
وأتى كذلك بيبغا | فتلاهما عطف النسق |
حزت رؤوسهم وذ | لك من عجائب ما اتفق |
مرقوا من الدين الحنيـ | ـف لذاك راحوا في المرق |
وتمام كل مسرة | إمساك من منهم أبق |
هذا قراجا الغادر الـ | ـباغي على كل الفرق |
وافى لمصرع حينه | وبحبل طغواه اختنق |
كم هز رمح رزية | وسهام بغي قد رشق |
مات الملوك بغصة | منه وعمهم الشرق |
قد كان فرعون الوغى | لكن تداركه الغرق |
بسعادة سيفية | أعطاكها رب الفلق |
لم تسر قط لغارة | إلا ونصرك قد سبق |
وكأن ذكرك في الملا | مسك تأرج وانفتق |
فاسلم ودم في نعمة | ما هب ريح أو خفق |
دار الفكر المعاصر، بيروت - لبنان / دار الفكر، دمشق - سوريا-ط 1( 1998) , ج: 2- ص: 592