محمود بن محمد بن عبد الرحيم ابن عبد الوهاب، الشيخ بهاء الدين، الكاتب المجود المتقن المحرر السلمي، المعروف بابن خطيب بعلبك.
كان فردا في زمانه، وندرة في أوانه. كاتب أين الرياض من حروفه القاعدة، والعقود من سطوره التي تبيت العيون في محاسنها ساهدة، كم روض قلمه طرسا، وجلا على الأبصار عرسا، وخضع له الكتاب فلا تسمع إلا همسا، ألفاته أحسن اعتدالا من القدود الرشيقة، ولاماته أظرف انعطافا من الأصداغ المسودة على الخدود الشريقة، وعيناته أسحر من العيون الدعج، ونوناته أسلب للقلب من الحواجب البلج:
خط كأن العيون ناشدة | سود أناسيهن من كتبه |
أقلامه كن للورى قصبا | والسبق للمحتوى على قصبه |
كتب عليه جماعة من أولاد الأعيان، وبرع في الكتابة منهم شرذمة مختلفة الأديان.
وكان فيه ديانة وعفة وصيانة، وتقوى تمنعه من التطلع الى أولاد الناس وأمانة.
ولم يزل على حاله الى أن جرى القلم بحلول حينه، وود كل كاتب لو فداه بإنسان عينه.
وتوفي - رحمه الله تعالى - في يوم الثلاثاء سلخ شهر ربيع الأول سنة خمس وثلاثين وسبع مئة بمنزله في العقيبة بدمشق، ودفن بمدرسة الشيخ أبي عمر بالصالحية.
ومولده في إحدى الجماديين سنة ثمان وثمانين وست مئة.
وكان يخطب جيدا بصوت طيب، وأقام بدمشق مدة سنين، وكان محبوبا لكرم أخلاقه وعفته. وكان من أحسن الأشكال، تام الخلق، وصف خطه للأمير سيف الدين تنكز رحمه الله تعالى، فأحضره وأمره بأن يكتب له نسخة بالبخاري، فاعتذر له بأنه مشغول بتكتيب أولاد الناس، فقال: أنا أصبر عليك، فأغفله مدة تزيد علي سنة، وطلبه فأحضر له منه مجلدا، فرماه على الأرض وضربه ضربا كثيرا مبرحا، ودفع إليه المجلد، ورأيته، أعني المجلد، في بعلبك وهو نسخ شيء عجيب الى الغاية.
وقلت أنا في الشيخ بهاء الدين:
إن ابن الخطيب وابن هلال | ليس ذا مثل ذا على كل حال |
أي نون أمسكت من خط هذا | فهي من حسنها بألف هلال |