الحسين بن علي بن عبد الكافي ابن علي بن يوسف بن تمام: الإمام الفاضل الفقيه النحوي العروضي الناظم، أقضى القضاة جمال الدين أبو الطيب ابن العلامة شيخ الإسلام قاضي القضاة تقي الدين السبكي الشافعي.
كان ذهنه ثاقبا، وفهمه لإدراك المعاني مراقبا، حفظ التسهيل لابن مالك، وسلك من فهم غوامضه تلك المسالك، وحفظ التنبيه، وكان يستحضره وليس له فيه شريك ولا شبيه، وقرأ غير هذا.
وكان يعرف العروض جيدا، ويبيت لأركان قواعده مشيدا، وينظم الشعر بل الدرر، ويأتي في معانيه بالزهر والزهر، وكانت مكارمه طافحه، وأنامله غيوث سافحه، كثير التواضع في الملتقى، غزير المروءة لا يصل النجم معه فيها إلى مرتقى، عفيف اليد في أحكامه، لم يقبل رشوة أبدا، ولم يسمع بذلك في أيامه، يتصدى لقضاء أشغال الناس، ويعامل من أساء أو أجرم معاملة متغاض متناس، فأحبته القلوب، ومضى حميدا على هذا الأسلوب. إلى أن نغص شبابه، وتقطعت بمن يوده أسبابه.
وتوفي - رحمه الله تعالى - يوم السبت ثاني شهر رمضان سنة خمس وخمسين وسبع مئة.
ومولده في شهر رجب الفرد سنة اثنتين وعشرين وسبع مئة.
وقلت أرثيه:
رزء الحسين عظيم | وهو العذاب الأليم |
ومالنا فيه إلا | صوب الدموع حميم |
والصبر أولى ولكن | صبر الفؤاد عديم |
ففي العيون دموع | تنهل منها الغيوم |
وفي الحشى زفرات | منها تشب الجحيم |
والليل صار حدادا | تقمصته النجوم |
وللسحائب خد | من الرعود لطيم |
والجو ضاق خناقا | فما يهب نسيم |
وما تنفس صبح | بل راح وهو كظيم |
حزنا لقاض قضى ما الـ | ـذمام منه ذميم |
وكان قاضي عدل | صراطه مستقيم |
يقضي بحق وصدق | عن الهوى لا يريم |
ترى الثناء عليه | قد طاب منه الشميم |
يلقى الورى منه وجه | طلق المحيا وسيم |
وثغره في ابتسام | به يسر الغريم |
وخلقه مثل روض | والنبت منه غميم |
وجه حيي وخلق | سهل وصدر سليم |
أحبه الناس حتى | مظلومهم والظلوم |
فلو يجور وحاشى | قضى ارتضته الخصوم |
إن الزمان أراه | بمثله لعقيم |
لو كان يفدى لجادت | أرواحنا والجسوم |
وإنما الموت أمر | لم ينج منه عظيم |
وذاك فينا وفي من | قد فات داء قديم |
قاضي القضاة تصبر | فالخطب فيه جسيم |
لكن مثلك راس | لما تخف الحلوم |
قد كان درة عقد | والسلك فيه نظيم |
فما يضر سناه | إن زاك منه قسيم |
ودره في اتساق | والكل در يتيم |
إذا بقي أخواه | فسوف تؤس الكلوم |
فلا تبت في عذاب | وقد حواه النعيم |
يصافح الحور منه | في الخلد كف كريم |
وأنت تعلم أن الـ | ـذي دعاه رحيم |
وما تقاك ضعيف | ولا نهاك سقيم |
وكلنا سوف نمضي | وما عليها مقيم |
عندي جمال الدين مسألة غدا | بيانها فيما لديك محررا |
إذ أنت من بيت جميع بنيه قد | فازوا بما حازوا وقد سادوا الورى |
إن جاودوا ألفيتهم صوب الحيا | أو جادلوا أبصرتهم أسد الشرى |
فاطلع بأفق الفضل شمسا أشرقت | لا ترض أنك فيه بدر أسفرا |
وأعد جوابي عن سؤالي إنه | لك واضح أن رحت فيه مفكرا |
فكرت والقرآن فيه عجائب | بهرت لمن أمسى له متدبرا |
في هل أتى لم ذا أتانا شاكرا | حتى إذا قال الكفور تغيرا |
فالشكر فاعله أتى في قلة | والكفر فاعله أتى متكثرا |
فعلام ما جاءا بلفظ واحد | إن التوازن في البديع تقررا |
لكنها حكم يراها كل ذي | لب وما كانت حديثا يفترى |
فأمنه لا زلت الجواد بفضله | لمن استعان به لإشكال طرا |
قبلت أسطر فاضل بهر الورى | مما لديه عجائب لن تحصرا |
قد نال في علم البلاغة رتبة | عنها غدا عبد الرحيم مقصرا |
وأراد مني حل مشكلة غدا | تبيانها عندي كصبح أسفرا |
وجوابه أن الكفور ولو أتى | بقليل كفر كان ذاك تكثرا |
بخلاف من شكر الإله فإنه | بكثير شكر لا يكون مكثرا |
فإذا مراعاة التوازن ههنا | محظورة لمن اهتدى وتفكرا |
فاصفح فعجزي عن جوابك ظاهر | كظهور ما بين الثريا والثرى |
يا أيها البحر علما والغمام ندى | ومن به أضحت الأيام مفتخره |
أشكو إليك حبيبا قد كلفت به | مورد الخد سبحان الذي فطره |
خمساه قد أصبحا في زي عارضه | وفيه باس شديد قل من مهره |
لا ريب فيه وفيه الريب أجمعه | وفيه يبس ولين البانة النضره |
وفيه كل الورى لما تصحفه | وضيعة ببلاد الشام مشتهره |
دار الفكر المعاصر، بيروت - لبنان / دار الفكر، دمشق - سوريا-ط 1( 1998) , ج: 2- ص: 273
الحسين بن علي بن عبد الكافي بن علي الحسين بن علي بن عبد الكافي بن علي بن يوسف بن تمام جمال الدين أبو الطيب السبكي ولد في رجب سنة 722 وحفظ التنبيه واشتغل في النحو والعروض وحفظ التسهيل وأسمعه أبوه على يونس الدبوسي والحجار وجماعة وقدم دمشق مع أبيه وسمع بها واشتغل وسمع الحديث وجمع كتابا في من اسمه الحسين بن علي وحدث منه بقطعة وكان قد أخذ عن الشيخ شمس الدين الأصبهاني والمجد السنكلوني وأبي حيان وغيرهم ثم ناب في الحكم بعد وفاة ابن أبي الفتح سنة 745 أثنى عليه ابن كثير وابن رافع وغيرهما بالعفة في الحكم والذهن الجيد وكان قد حج بعد الخمسين ثم وقعت له بالشام واقعة فغضب منه النائب بها وأمر بإخراجه من دمشق فتوجه إلى أخيه بهاء الدين بالقاهرة وتألم أبوه ولم يقدر على مدافعة النائب ثم لما دخل القاهرة ولي بها بعض المدارس ثم رجع إلى دمشق بعد سنتين وكان ذهنه ثاقبا وفهمه صائبا وناب عن أبيه في الحكم مدة قال الصفدي كتب إلى ملغزا قلت وأجاد
يا أيها البحر علما والغمام ندى | ومن به أضحت الأيام مفتخره |
أشكو إليك حبيبا قد كلفت به | مورد الخد سبحان الذي فطره |
خمساه قد أصبحا في زي عارضه | وفيه بأس شديد قل من قهره |
لا ريب فيه وفيه الريب أجمعه | وفيه نفس ولين القامة النضرة |
وفيه كل الورى لما تصحفه | وضيعة ببلاد الشام مشتهرة |
مجلس دائرة المعارف العثمانية - صيدر اباد/ الهند-ط 2( 1972) , ج: 1- ص: 0
الحسين بن علي بن عبد الكافي بن علي بن تمام السبكي الأخ جمال الدين أبو الطيب القاضي
ولد في رجب سنة اثنتين وعشرين وسبعمائة
وحضره أبوه على جماعة من المشايخ وحضر البخاري على الحجار لما ورد مصر وسمع على يونس الدبابيسي وغيره وطلب العلم وتفقه على الشيخ مجد الدين السنكلوني وقرأ النحو على أبي حيان أكمل عليه قراءة التسهيل والأصلين على الشيخ شمس الدين الأصبهاني وقرأ على جماعة غيرهم وأحكم العروض قراءة على أبي عبد الله بن الصائغ وأتقنه
ثم قدم الشام حين ولاية الوالد للقضاء بها وطلب الحديث بنفسه وقرأ على المزي والذهبي وقرأ الفقه على الشيخ شمس الدين ابن النقيب
ثم عاد إلى مصر ودرس بالمدرسة الكهارية وولي الإعادة بدرس القلعة عند القاضي شهاب الدين بن عقيل
ثم عاد إلى الشام ودرس بالمدرسة الدماغية وولي نيابة الحكم عن والده بعد وفاة الحافظ تقي الدين أبي الفتح ثم درس بالمدرسة الشامية البرانية وكان يلقي بها دروسا حسنة مطولة ثم بالمدرسة العذراوية
وكان من أذكياء العالم وكان عجيبا في استحضار التسهيل في النحو ودرس بالآخرة على الحاوي الصغير وكان عجيبا في استحضاره
توفي يوم السبت ثاني شهر رمضان سنة خمس وخمسين وسبعمائة ودفن بقاسيون
ذكره القاضي صلاح الدين الصفدي في كتابه أعيان العصر فقال كان ذهنه ثاقبا وفهمه لإدراك المعاني مراقبا حفظ التسهيل لابن مالك وسلك من فهم غوامضه تلك المسالك وحفظ التنبيه وكان يستحضره وليس له فيه شريك ولا شبيه وقرأ غيره سرا
وكان يعرف العروض جيدا ويثبت لأركان قواعده مشيدا وينظم الشعر بل الدرر ويأتي في معانيه بالزهر والزهر عفيف اليد في أحكامه لم يقبل رشوة من أحد أبدا ولم يسمع بذلك في أيامه
انتهى
ومن نظم الأخ ملغزا من أبيات
لا ريب فيه وفيه الريب أجمعه | وفيه بأس ولين البانة النضره |
وفيه كل الورى لما تصحفه | وضيعة ببلاد الشام مشتهره |
البحر أنت وقد وافى يناديكا | هذا السحاب وقد أوفى بناديكا |
ما ذاك والبرق ما تومي أصابعه | إلا إليك فأعدته أياديكا |
فكرت والقرآن فيه عجائب | بهرت لمن أمسى له متدبرا |
في هل أتى لم ذا أتى يا شاكرا | حتى إذا قال الكفور تغيرا |
فالشكر فاعله أتى في قلة | والكفر فاعله أتى مستكثرا |
فعلام ما جاآ بلفظ واحد | إن التوازن في البديع تقررا |
لكنها حكم يراها كل ذي | لب وما كانت حديثا يفترى |
وجوابه إن الكفور ولو أتى | بقليل كفر كان ذاك مكثرا |
بخلاف من شكر الإله فإنه | بكثير شكر لا يعد مكثرا |
فإذن مراعاة التوازن هاهنا | محظورة لمن اهتدى وتفكرا |
هوى أغراه بي قلبي وعيني | فأذهب بالضنى أثري وعيني |
وأضحى الدمع منحدرا بخدي | ولا عجب تحدر ماء عيني |
وسهم الحب عند الوصل مصم | فكيف وقد أضيف لسهم بين |
بنفسي من نأى فنأى اصطباري | وواصلني السقام وحان حيني |
وكنا قد تعاهدنا على أن | يكون تواصلا كالفرقدين |
فصرنا بالنوى كبنات نعش | وحال البعد بينكم وبيني |
وكم شخص رأيت فلم يرقني | ولم يحسن لدي سوى حسين |
إمام إن تكلم في مجال | أبان كلامه للمذهبين |
وإن ظهرت فوائده بروض | شهدنا الجمع بين الروضتين |
وإن حلت أياديه بأرض | فبحر النيل دون القلتين |
وإن سمحت قريحته بشعر | فلا تحفل بنور الشعريين |
وإن برزت بديهته بنثر | فلا تنظر لضوء المرزمين |
وإن همت عزائمه بشيء | أتاك بما يسر الناظرين |
وتصغير اسمه ما فيه عيب | ألم تنظر لمعنى الأصغرين |
جمال الدين طال البعد فاقرب | لعلي اقتضي بالقرب ديني |
ولا تبخل بطيف في منام | فأين النوم من سهران عين |
ولا تبخل بوعد باقتراب | فوعد الحر قالوا مثل دين |
فمنذ رحلت لم أنظر لنور | ولم أرتع بروض النيرين |
وما طمحت إلى الشرقين عيني | ولم أحفل ما في الواديين |
فما حال امرئ يجفوه منكم | ومن يأنس لداني الجنتين |
فخذها نظم عبد ذي ولاء | تقرر وده في الخافقين |
يقر لها حبيب حين أبدى | خشنت عليه أخت بني خشين |
ومنا أخجل الحلي لما | أذاب التبر في كأس اللجين |
هنيئا قد أقر الله عيني | فلا رمت العدى أهلي بعين |
وقد وافى المبشر لي فأكرم | بخير ربيئة وافى وعين |
يخبرني بأن أخي أتاه | مناة وسعده من كل عين |
فلو سمح الزمان لكنت أعطي | له ما فيه من ورق وعين |
أيا شامية الشام افتخارا | بمن لسناه تعشو كل عين |
بمن بركاته ظهرت فنارت | بها الدنيا وحفت كل عين |
فتى إن عدت الأعيان قالت | له الأيام إنك أنت عيني |
وحبركم حوى من بحر علم | يروي الطالبين بطول عين |
ويلقي في العلوم لكل وفد | غزير فوائد كغدير عين |
وواسطة لعقد بني أبيه | كأوسط لفظة تدعى بعين |
وقاض أمره في الناس ماض | فلا يخشى من استقبال عين |
وينصب بينهم قسطاس حق | خلت من كل تطفيف وعين |
له نوران من ورع وعلم | تخلهما كبدر دجا وعين |
يصير عذله ذا المطل عدلا | ويجعل كل دين محض عين |
ويحجب عز نائله ضياء | كما حجب الغزالة ضوء عين |
لقد شرفت دمشق به ومصر | فقد سارت محاسنه لعين |
وتعظم كل أرض حل منها | ولو خفرت خفارة رأس عين |
يجود بكل ما في راحتيه | إذا بخلت بنو الدنيا بعين |
ويوسع للورى نادي القرى إن | مزادة غيره شحت بعين |
وعم نداه من شرق وغرب | فلم يحوج إلى سلف وعين |
جمال الدين فضلك ليس يحصى | فدونك قطرة من سحب عين |
برغمي أن أهني عن بعاد | وحقي أن أجيء لكم بعيني |
ومن سفه المعيشة غيبتي عن | دروسك لم أفوقها بعين |
ولو أسطيع جئت ولو جثيا | على ركبي إليك بكل عين |
ولولا ما أروم من التلاقي | لأذهب بينكم نفسي وعيني |
وكنت لعين قطر سال قدما | فما أزكى وأحسن سيل عين |
متى ألقاكم من عين شمس | وقد حلت ركابكم بعين |
وهن أخاك تاج الدين عني | فإن كليكما خلي وعيني |
وقوما وادعوا لأبيكما إذ | لنا منه أبر أب وعين |
به زكت الفروع وطاب منها | غصون أخرجتها حين عين |
فدام بقاؤه ما لاح برق | وأطرب صوت قمري وعين |
ومن ينظر إليه بعين سوء | يقابله الإله بكل عين |
ولا زالت أعاديه تردى | بكل مزلة وبكل عين |
وقد جمعت معاني العين طرا | قصيدي لم تدع معنى لعين |
فلو عاش الخليل لقال هذي | معان ما رأتها قط عيني |
وقد ضاقت قوافيها وركت | وذلك لالتزامي لفظ عين |
ولو لم ألتزم هذا لفاقت | قصيد أديب أرض الجامعين |
ولولا ذا لطاب لها ختام | بذكر مليكها القاضي الحسين |
وطاف على الصحاب بكأس راح | وطافت مقلتاه بآخرين |
رخيم من بني الأتراك طفل | يجاذب ردفه جبلي حنين |
يبدل نطقه ضادا بدال | ويشرك عجمة قافا بغين |
يطوف على الرفاق من الحميا | ومن خمر الرضاب بمسكرين |
إذا يجلو الحميا والمحيا | شهدنا الجمع بين النيرين |
وآخر من بني الأعراب حفت | جيوش الحسن منه بعارضين |
إلى عينيه تنتسب المنايا | كما انتسب الرماح إلى ردين |
نلاحظ سوسن الخدين منه | فيبدلها الحياء بوردتين |
ومجلسنا الأنيق تضيء فيه | أواني الراح من ورق وعين |
فأطلقنا فم الإبريق فيه | وبات الزق مغلول اليدين |
وشمعتنا شبيه سنان تبر | تركب في قناة من لجين |
وقهوتنا شبيه شواظ نار | توقد في أكف الساقيين |
إذا مليء الزجاج بها وطارت | حواشي نورها في المشرقين |
عجبت لبدر كأس صار شمسا | يحف من السقاة بكوكبين |
ونحن نرق أعباد النصارى | بشط محول والرقمتين |
نوحد راحنا من شرك ماء | ونولع في الهوى بالمذهبين |
وقد صاغت يد الأزهار تاجا | على الأغصان فوق الجانبين |
بورد كالمداهن من عقيق | وأقداح كأزرار اللجين |
وقد جمعت لي اللذات لما | دنت منا قطوف الجنتين |
وما أنا من هوى الفيحاء خال | ولا ممن أحب قضيت ديني |
إذا ما قلبوا في الحشر قلبي | رأوا بين الضلوع هوى حسين |
تملك حبه قلبي وصدري | فأصبح ملء تلك الخافقين |
وأعوز مع دنوي عنه صبري | فيكف يكون صبر بعد بين |
إذا ما رام أن يسلوه قلبي | تمثل شخصه تلقاء عيني |
ألا يا نسمة السعدي كوني | رسولا بين من أهوى وبيني |
ويا نشر الصبا بلغ سلامي | إلى الفيحاء بين القلعتين |
وحي الجامعين وجانبيها | فقد كان لشملي جامعين |
وقل لمعذبي هل من نجاز | لوعدي سالفيك السالفين |
سميك كان مقتولا بظلم | وأنت ظلمتني وجلبت حيني |
وهبتك في الهوى روحي بوعد | وبعتك عامدا نقدا بدين |
وجئت وفي يدي كفني وسيفي | فكيف جعلتها خفي حنين |
وكم صيرت بعدك قيد قلبي | وكان جمال وجهك قيد عين |
فصرنا نشبه النسرين بعدا | وكنا ألفة كالفرقدين |
علمت بأن وعدك صار مينا | لزجري مقلتيك بصارمين |
وقلت وقد رأيتك خاب سعيي | لكن البدر بين العقربين |
فكم دللتني بخيال زور | وكم أطمعتني بسراب مين |
وهل لا قلت لي قولا صريحا | فكان المنع إحدى الراحتين |
عرفتك دون كل الناس لما | نقدتك في الملاحة نقد عين |
وكم قد شاهدتك الناس قبلي | فما نظروك كلهم بعيني |
وطاوعت الفتوة فيك حتى | جعلتك في العلاء برتبتين |
فلما أن خلا المغنى وبتنا | عراة بالعفاف مؤزرين |
قضينا الحج ضما واستلاما | ولم نشعر بما في المشعرين |
أتهجرني وتحفظ عهد غيري | وهل للموت عذر بعد ذين |
وقلت الوعد عند الحر دين | فكيف مطلتني وجحدت ديني |
أأجعل لي عليك سواك عينا | وكنت على جميع الناس عيني |
إذا ما جاء محبوبي بذنب | يسابقه الجمال بشافعين |
وقلت جعلت كل الناس خصمي | لقد شاهدت إحدى الحالتين |
وكان الناس قبل هواك صحبي | فهل أبقيت لي من صاحبين |
بعادي أطمع الأعداء حتى | رأوك اليوم حرب الناظرين |
وهل لا طالعوك بعين سوء | وأمري نافذ في الدولتين |
وما خففت جناح الجيش إلا | رأوني ملء قلب العسكرين |
لئن سكنت إلى الزوراء نفسي | فإن القلب بين محركين |
هو يعتادني لديار بكر | وآخر نحو أرض الجامعين |
يسارع نحو رأس العين خطوي | وأقصدها على رأسي وعيني |
وأسرح في حمى جيرون طرفي | وأرتع في رياض النيرين |
فليس الخطب في عيني جليلا | إذا قابلته بالأصغرين |
فيا من بان لما بان صبري | وحاربني بسهم المقلتين |
تنغص فيك بالزوراء عيشي | وبدل زين لذاتي بشين |
وما عيني بها جهما ولكن | رأيت الزين بعدك غير زين |
تزوجت اثنتي لفرط جهلي | بما يشقى به زوج اثنتين |
فقلت أصير بينهما خروفا | أنعم بين أكرم نعجتين |
فصرت كنعجة تضحي وتمسي | تداول بين أخبث ذئبتين |
رضا هذي يهيج سخط هذي | فما أعرى من احدى السخطتين |
وألقى في المعيشة كل بؤس | كذاك الضر بين الضرتين |
لهذه ليلة ولتلك أخرى | عتاب دائم في الليلتين |
فإن أحببت أن تبقى كريما | من الخيرات مملوء اليدين |
وتدرك ملك ذي يزن وعمرو | وذي جدن وملك الخافقين |
وملك المنذرين وذي نواس | وتبع العريم وذي رعين |
فعش عزبا فإن لم تستطعه | فضربا في عراض الجحفلين |
دار هجر - القاهرة-ط 2( 1992) , ج: 9- ص: 411