التصنيفات

حسن بن محمد الشيخ الإمام الفاضل البليغ المنشئ الكاتب نجم الدين أبو محمد بن الشيخ كمال الدين القرشي القرطبي الصفدي الشافعي الخطيب بصفد.
كان فارسا منبر، وإمام من برى قلما ومن بر، ناظما ناثرا، يجري في ميدان البلاغة فما يرى جواد قلمه عاثرا. كتب الإنشا، وتصرف فيه كيف شا، مع أمانة لا يرى من التكلف في وجهها كلف، وديانة لا يلمح في رونقها تصنع من صلف، وكرم بموجوده الحاضر وود يخجل من حسنه خد الورد الناضر، وصدق لهجه، وقول حق ولو أن فيه تلاف المهجه.
وكان شعاره أشعريا، وعلمه عن التقليد عريا، فكم كان عنده من التقليد أدلة وبراهين إذا أوردها كأنها له طبيعة وجبله، ومسائل أصول إذا سردها قلت هذه سحائب مستهله، لم أر بعده من يقول: أيها الناس أفصح منه، ولا من خطب زان منبره ولم يشنه، يؤدي الألفاظ بتجويد حروفها، ويذكر القلوب القاسية بما نسيته من خطوب الدنيا وصروفها، كم جعل العبرات على الخدود وهي هوامي هوامع، وكم غادر العيون وهي دوامي دوامع، شدت الفصاحة لحييه، وسدت البلاغة نحييه، تزور في الموعظة حدقتاه، وتحمر لفرط الحرص على القبول وجنتاه، كأنه منذر جيش، أو منكر طيش.
وكانت له في البحث سلطه، وغلظة على خصمه لا تصحف بغلطه، وله قدرة على التعليم، وفراسة في وجه التلميذ إذا أخذ قوله بالتسليم، يعلم من الطالب إذا فهم، ولا يخفى عليه إذا بهم، فلا يزال يغير له الأمثلة، ويدير الأسئلة إلى أن تتكشف عنه الغيابه، ويظهر له أنه حصل على العنايه.
ولم يزل يذكر بوعظه ويحبر بلفظه إلى أن رمي تفيهقه بالصمات، ونزلت بذويه سمات الشمات.
وتوفي - رحمه الله تعالى - فجأة في الخامس والعشرين من شهر رمضان سنة ثلاث وعشرين وسبع مئة.
ومولده بالكرك سنة ثمان وخمسين وست مئة.
كان والده الشيخ كمال الدين خطيب قلعة صفد، وكان ينوب عن والده ويكتب الإنشاء، ويوقع عن النواب بصفد، فلما قدم الأمير سيف الدين بتخاص إلى صفد نائبا حضر معه القاضي شهاب الدين أحمد بن غانم، وكان زين الدين عمر بن حلاوات قد قدمه الشيخ نجم الدين وجعله يكتب عنده، فما زال يسعى إلى أن وقع الاتفاق بينهم وبين القاضي شرف الدين النهاوندي وغيره، وقرروا الأمر مع النائب إلى أن قطع الشيخ نجم الدين من التوقيع، وبقي بيده خطابة الجامع الأموي، ثم إنهم صادروه، حتى توجه خفية إلى دمشق، وكان الأمير سيف الدين بلبان بدمشق مشد الدواوين، وهو يعرفه من صفد، فاستخدمه موقعا بدمشق، وكتب قدامه، وكان القاضي محيي الدين بن فضل الله يأمن إليه ويقدمه ويستكتبه في السر وغيره، وأضيف إليه خطابة جامع جراح بدمشق. ولما تولى الأمير سيف الدين كراي نيابة دمشق كان يعرفه من صفد ويركن إلى أمانته وعفته، فقلده الأمر وغدقه به، فتعب بذلك تعبا مفرطا ونصح مخدومه، فكان لا يعلم لا من يده، فعادى الدماشقة ومقتوه، ولما أمسك كراي اختفى وسلمه الله منهم لما سلكه من الأمانة والعفة. أخبرني من لفظه قال: رددت ليلة مئتي دينار، ورهنا تلك الليلة طاسة على زيت القنديل.
ولما حضر الأمير جمال الدين نائب الكرك إلى دمشق أغروه به، وأرادوا منه الإيقاع به، فقال: أخذ لأحد شيئا ؟ فقالوا: لا، قال: فما أصنع به إذا نصح لمخدومه. ثم إنه جهز إلى صفد خطيبا وموقعا، وكان زين الدين بن حلاوات قد انفرد بالأمر وتمكن من نواب صفد، ودخل إلى النائب وقرر معه ما أراد، فلم يمكنه من مباشرة شيء، فبقي في صفد إلى أن حضر له توقيع ثان، وكلما حضر له توقيع عطله، إلى أن أشركوا بينهما في التوقيع والخطابة، فأقاما مدة، فوقع بينهما، فطلبا إلى دمشق، وقرر الأمير سيف الدين تنكز أن يخيرا وينفرد كل واحد بوظيفة، فاختار الشيخ نجم الدين خطابة القلعة والمدينة، واستقر زين الدين بن حلاوات في التوقيع، فأقام يخطب ويشغل الناس تبرعا، وتخرج به جماعة فضلاء، وقل من قرأ عليه ولم ينبه، ولم أر مثل في مبادئ التعليم، كان يفتق أذن المشتغل، ويوضح له طرق الاشتغال، ولم أر مثله ف تنزيل قواعد النحو على قواع المنطق، وكان يحب إفساد الحدود والمؤاخذة فيها والرد عليها والجواب عنها.
وممن قرأ عليه أولا العلامة القاضي فخر الدين المصري وغيره.
وكان لي منه - رحمه الله تعالى - نصيب وافر من المحبة، وكنت أجد منه حنوا كثيرا وبرا، ولم أقرأ على أحد قبله، وكان شديد المحبة لأصحابه، شغوفا عليهم صادق اللهجة، مفرط الكرم، وكانت بينه وبين الشيخ صدر الدين قرابة، وكان هشا بشا بساما، وعمته مليحة، ولم أر أعف يدا ولا فرجا منه، وكان خطه مليحا ونظمه سريعا، ونظمه أرشق من نثره، ولم أره يخطب بغير الخطب النباتية. وكان جيد المشاركة أشعري العقيدة، شافعي المذهب، يحب الكتب ويبالغ في تحصيلها ويحرص على المنافسة فيها، ولكنه كان مقلا من الدنيا ماله غير علومه. قال: ما أعرف أنه وجبت علي الزكاة في عمري. رأيته بعدما مات رحمه الله في المنام بمدة، فقمت إليه وقبضت على يده بعدما قمت إليه وصافحته، وقلت له: قل لي ما الخبر ؟ فقال لي: لا تعتقد إلا وحدانيته، فقلت له: هذا شيء قد جبل عليه اللحم والدم، فقال: ولا بأس مع الفاتحة سورة أخرى من القرآن، وقصيصات الناس، فعلمت بذلك أنه قد نصحني حيا وميتا، لأنه كان في حياته رحمه الله تعالى يتوقف في توقيعه ويتحرى ويتحرز كثيرا فيما يكتبه، ولا يكتب إلا ما هو سائغ، فكان صاحب القصة يتعذر عليه مطلبه.
ولما توفي رحمه الله تعالى كنت في حلب فحصل لي بسببه ألم عظيم إلى الغاية، وكتبت إلى ولده كمال الدين محمد وإلى غيره من الأصحاب مراثي كثيرة نظما ونثرا، ثم جمعت ذلك وسميته ساجعات الغصن الرطيب في مراثي نجم الدين الخطيب. ومما نظمته فيه قولي:

ومنها:
وكتب هو يوما إلي وقد فارقته متأذيا:
نسأل الله أن يحرس تلك الروحانية الطاهرة من الكدر إن شاء الله تعالى، فكتبت أنا الجواب إليه عن ذلك:
وكتب إلي من صفد وأنا بدمشق كتابا نظما ونثرا عدمته، وكتبت الجواب في سنة ثمان عشرة وسبع مئة:
فكتب الجواب عن ذلك رحمه الله تعالى:
يقبل الباسطة ألهمها الله الوفاء لمن وفى بعهوده، وأطلع نجمها المتقد في مطالع سعوده، وأعاد غصنها إلى منبت سما منه رافلا في خلع بروده، مثمرا بدوحة منشئه الذي ما يفتح ورده إلا لما سقي ماء ورده عند وروده، وينهي بعد وصف شوقه الذي تطاول عليه ليله فادلهما، ولمع في دجنته بارق اللواعج فأضرم بين الجوانح نيران الخليل لما، وأجرى من جفنه القريح طوفان نوح فلأجل ذلك هجره الوسن ومن بعد الهجران به ما ألما، وكابد فؤاده هما، ووالذي يعلم خائنة الأعين بالسلو ما هما، وعاهده على الأخذ بسنة الصبر الجميل فلم يف بعهد ’’ولم نجد له عزما’’، وأراد القلم أن يصف ما وجد بعد البعد من الأسف نثرا، فأبت البلاغة إلا أن يكون نظما، وهو:
وأنشدني لنفسه على طريق ابن رشيق في الأبيات المشهورة:
وأمرني أن أنظم على هذا الأسلوب فقلت:
وكتب يوما في الاعتذار من وداع الحبيب:
وطلب مني أن أنظم شيئا في هذه المادة فقلت:
ومن نظمه وقد أهدي إليه قراصيا:
ومنه وقد أهدي إليه بطيخ أصفر:
ومنه، وقرأته عليه، ونقلته من خطه:

  • دار الفكر المعاصر، بيروت - لبنان / دار الفكر، دمشق - سوريا-ط 1( 1998) , ج: 2- ص: 232