ابن سيد الناس اليعمري محمد بن محمد بن محمد بن احمد، ابن سيد الناس، اليعمري الربعي، ابو الفتح، فتح الدين: مؤرخ، عالم بالادب. من حفاظ الحديث، له شعر رقيق. اصله من اشبيلية، ومولده ووفاته في القاهرة. من تصانيفه (عيون الاثر في فنون المغازي والشمائل والسير -ط) جزآن، ومختصره (نور العيون -ط) و (بشرى اللبيب في ذكر الحبيب -ط) قصيدة، و (تحصيل الاصابة في تفضيل الصحابة) و (النفح الشذى في شرح جامع الترمذي) لم يكمله، و (المقامات العلية في الكرامات الجلية -خ).

  • دار العلم للملايين - بيروت-ط 15( 2002) , ج: 7- ص: 34

فتح الدبن ابن سيد الناس محمد بن محمد بن محمد بن أحمد بن سيد الناس الشيخ الإمام العلامة الحافظ المحدث الأديب الناظم الناثر فتح الدين أبو الفتح ابن الفقيه أبي عمرو ابن الحافظ أبي بكر اليعمري الربعي، كان حافظا بارعا أديبا متفننا بليغا ناظما ناثرا كاتبا مترسلا، خطه أبهج من حدايق الأزهار، وآنق من صفحات الخدود المطرز وردها بآس العذار، حسن المحاورة لطيف العبارة فصيح الألفاظ كامل الأدوات جيد الفكرة صحيح الذهن جميل المعاشرة لا تمل محاضرته أدبه غض والإمتاع بأنسه نض، كريم الأخلاق كثير الحياء زايد الاحتمال حسن الشكل والعمة قل أن ترى العيون مثله:

وهو من بيت رياسة وعلم عنده كتب كثيرة وأصول جيدة سمع وقرأ وارتحل وكتب وصنف وحدث وأجاز وتفرد بالحديث في وقته أجاز له النجيب عبد اللطيف وكناه أبا الفتح وأجلسه في حجره وسمع حضورا سنة خمس وسبعين من القاضي شمس الدين محمد بن العماد وفي سنة خمس وثمانين، كتب الحديث بخطه عن الشيخ قطب الدين ابن القسطلاني وقرأه بلفظه عليه وعلى أصحاب ابن طبرزد وأصحاب الكندي وابن الحرستاني بمصر والشام والحجاز والإسكندرية وارتحل إلى دمشق سنة تسعين وكاد يدرك الفخر ابن الفخاري ففاته بليلتين وسمع من أبي عبد الله محمد بن مؤمن الصوري ومن أبي الفتح ابن المجاور وأبي إسحاق ابن الواسطي وطبقتهم وسمع بمصر من العز عبد العزيز بن الصيقل وغازي الحلاوي وابن خطيب المزة والصفي خليل وتلك الطبقة وتنزل في الأخذ من أصحاب سبط السلفي ثم إلى أصحاب الرشيد العطار، قال الشيخ شمس الدين: ولعل مشيخته يقاربون الألف، ونسخ بخطه واختار وانتقى شيئا كثيرا ولازم الشهادة مدة، قال الشيخ شمس الدين: جالسته مرات وبت معه ليلة وسمعت بقراءته على الرضى النحوي وكان طيب الأخلاق بساما صاحب دعابة ولعب وكان صدوقا في الحديث حجة فيما ينقله له بصر نافذ بالفن وخبرة بالرجال وطبقاتهم ومعرفة بالاختلاف ويد طولى في علم اللسان ومحاسنه جمة انتهى كلام الشيخ شمس الدين، قلت صحبته زمانا طويلا ودهرا داهرا ونمت معه ليالي وخالطته أياما وأقمت بالظاهرية وهو بها شيخ الحديث قريبا من سنتين فكنت أراه في كثير من الأوقات يصلي كل صلاة مرات كثيرة فسألته يوما عن ذلك فقال إنه خطر لي يوما أن أصلي كل صلاة مرتين ففعلت ذلك زمانا ثم خطر لي أن أصلي كل صلاة ثلث مرات ففعلت ذلك زمانا وخف علي ثم خطر لي أن أصلي كل صلاة أربع مرات ففعلت ذلك زمانا وخف علي فعله وأنسيت هل قال لي خمس مرات أو لا، وكان صحيح القراءة سريعها كأنها السيل إذا تحدر سريع الكتابة كتب ختمة في جمعة وكان يكتب السيرة التي له في عشرين يوما وهي مجلدان كبيران وكان صحيح العقيدة جيد الذهن يفهم به النكت العقلية ويسارع إليها ولكنه جمد ذهنه لاقتصاره به على النقل، وكان الشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد يحبه ويؤثره ويركن إلى نقله، أخبرني من لفظه القاضي عماد الدين إسماعيل ابن القيسراني قال: كان الشيخ تقي الدين إذا حضرنا درسه وتكلم فإذا جاء ذكر أحد من الصحابة أو أحد من رجال الحديث قال أيش ترجمة هذا يابا الفتح فيأخذ فتح الدين في الكلام ويسرد والناس كلهم سكوت والشيخ مصغ إلى ما يقوله انتهى، قال لي لم يكن لي في العروض شيخ ونظرت فيه جمعة فوضعت فيه مصنفا وقد رأيت هذا المصنف، قلت ولو كان اشتغاله بقدر ذهنه كان قد بلغ الغاية القصوى ولكنه كان فيه لعب على أنه ما خلف مثله لأنه كان متناسب الفضايل وكان محظوظا ما رآه أحد إلا أحبه، كان الأمير علم الدين الدواداري يحبه ويلازمه كثيرا ويقضي أشغال الناس عنده ودخل به إلى السلطان الملك المنصور حسام الدين لاجين وقد امتدحه بقصيدة وقال أحضرت لك هذا وهو كبير من أهل العلم فلم يدعه السلطان يبوس الأرض وأجلسه معه على الطراحة وهل قام له أو لا أنا في شك من ذلك فلما رأى خطه وسمع كلامه قال هذا ينبغي أن يكون في ديوان الإنشاء فرتب في جملة الموقعين فرأى فتح الدين الملازمة ولبس الخف والمهماز صعبا عليه فسأل الإعفاء من ذلك فقال السلطان إذا كان لا بد له من ذلك فيكون المعلوم له على سبيل الراتب فرتب له إلى أن مات، وكان الكمالي ينام معه في قرظية النوم، وكان كريم الدين الكبير يميل إليه ويوده ويقضي الأشغال عنده وهو الذي ساعده على عمل المحضر وإثباته بعداوة قاضي القضاة بدر الدين ابن جماعة، وسمع البخاري بقراءته على الحجار وتعصب له الأمير سيف الدين أرغون الدوادار وخلص له مشيخة الظاهرية في الحديث وما أعرف أحدا من الأمراء الكبار الأعيان في الدولة إلا وهو يميل إليه ويجتمع به وكان الأمير سيف الدين الجائي الدوادار منحرفا عنه والقاضي فخر الدين ناظر الجيش شيئا يسيرا وكان بيده مع مشيخة الظاهرية مدرسة أبي حليقة على بركة الفيل ومسجد الرصد وخطابة جامع الخندق وله رزق وله في صفد راتب وفي حلب فيما أظن، وكان عنده كتب كبار أمهات جيدة وأصول غالبها حضر إليه من تونس كمصنف ابن أبي شيبة ومسنده والمحلى وتاريخ ابن أبي خيثمة وجامع عبد الرزاق والتمهيد والاستيعاب والاستذكار وتاريخ الخطيب والمعاجم الثلثة للطبراني وطبقات ابن سعد والتاريخ المظفري وغير ذلك، وصنف عيون السير في فنون المغازي والشمايل والسير سمعت بعضه من لفظه ومختصر ذلك سماه نور العيون وسمعته من لفظه وتحصيل الإصابة في تفضيل الصحابة وسمعته من لفظه والنفح الشذي في شرح جامع الترمذي ولم يكمل جمع فأوعى وكان قد سماه العرف الشذي فقلت له سمه النفح الشذي ليقابل الشرح بالنفح فسماه كذلك وكتاب بشرى اللبيب بذكرى الحبيب وقرأته عليه بلفظي ومنح المدح وسمعته من لفظه إلى ترجمة عبد الله بن الزبعري والمقامات العلية في كرامات الصحابة الجلية وشعره رقيق سهل التركيب منسجم الألفاظ عذب النظم وترسله جيد وكان النظم عليه بلا كلفة يكاد لا يتكلم إلا بالوزن حتى قلت فيه أصفه:
وكتب بالمغربي طبقة كما كتب بالمشرقي وكانت بيني وبينه مكاتبات كثيرة نظما ونثرا يضيق عنها هذا المكان لكن أورد منها شيئا وهو ما كتبه إلي وأنا بصفد سنة أربع وثلثين وسبع ماية.
فكتبت إليه الجواب عن ذلك:
فكتب إلي الجواب رحمه الله تعالى:
وردت المشرفة السامية بحلاها، الزاهية بعلاها، المشتملة على الأبيات الأبيات، الصادرة عن السجيات السخيات، التي فاقت الكنديين، وطوت ذكر الطائيين، ما شئت من بدايع إيداع، وروايع إبداع، تقف الفصاحة عندها، وتقفو البلاغة حدها، فلله ذلك الفضل الوافي، بل ذلك السحر الحلال الشافي، بل تلك القوى في القوافي، بل تلك المقاصد التي أقصدت المنى في المنافي، بل تلك المعاني التي حيرت المعاني، وفعلت بالألباب ما لا تفعله المثالث والمثاني، بل تلك الأوضاع التي حاك الربيع وشيها، وامتثل القلم أمرها ونهيها، فهو يصرفها كيف يشاء مرسوما، ثقة منه أنها لا تخالف له مرسوما، لقد آل فضل الكتاب إليها، وآلى فصل الخطاب لا وقف إلا بين يديها، لقد صدرت عن رياض الأدب فجن زهره اليانع، لقد أخذت بآفاق سماء الشرف فلها قمراها والنجوم الطوالع، لقد أفحمت قايلة:
فبادرها المملوك لبنائها متعرفا، وبأرجها متعرفا، وبولايها متمسكا، وبثنايها متمسكا، شوقا إليها لا يبيد، ولو عمر عمر لبيد، واقفا على آمال اللقاء وقوف غيلان بدار مية، عاكفا على أرجاء الرجاء عكوف توبة على ليلى الأخيلية، والله يتولاه في حالتيه ظاعنا ومقيما، ويجعل السعد له حيث حل خدينا والنجح خديما، بمنه وكرمه.
فكتبت الجواب إليه رحمه الله تعالى:
وينهى ورود المثال الذي تصدق به منعما، وأهداه خميلة فكم شفى زهرها المنعم من عمى، وبعثه قلادة فكم أزال درها المنظم من ظما، وإقامة حجة على أن من أرسله يكون في الإحسان مالكا ومتمما، فبللت برؤيته غلة الظماء البرح، وعاينت ما شاده من بنيان البيان فقلت لبلقيس عيني أدخلي الصرح، وقمت من حقوقه الواجبة علي بما يطول فيه الشرح، وتلقيته بالضم إلى قلب لا يجبر منه الكسر غير الفتح، وأسمت ناظري من طرسه في الروض الأنف، وقسمت حليه على أعضائي فللجيد القلائد وللفرق التيجان وللأذن الشنف، ووردت منهله الصافي، والتحفت ظله الضافي، واجتليت من وجهه بشرا قابله الشكر بالقلم الحافي، وعكفت منه على كعبة الفضل فلله ما نشر في استلامي وطوى في طوافي، وكلفت قلبي الطائر جوابا فلم تقو القوادم وظهر الخوى في الخوافي، وقلت هذا الفن الفذ الذي ما له ضريب، وهذا وصل الحبيب البعيد قد نلته برغم الرقيب القريب.
وأقسم أن البيان ما نكب عما دبجه مولانا ونكت، ولا أجراه الله على لسانه إلا لما سكت البلغاء وبكت، ولا آتاه هذه النقود المطبوعة إلا وقد خلصت القلوب من رق غيره وفكت، ولا وهبه الله هذه الكلم الجوامع إلا أن الأوايل أحسوا بطول رسايلهم فقطعوها من حيث رقت والصحيح ركت فما كل كاتب يده فم ولسانه فيه قلم، ولا كل متكلم حسن بيانه تأتم الهداة به كأنه علم، ولا كل بليغ إذا خاطب الولي كلا وإذا كلم العدو كلم، لأن مولانا حرسه الله تعالى لا يتكلف إذا أنشأ، ولا يتخلف إذا وشى، والسجع عنده أهون من النفس الذي يردده وأخف، والدر الذي يقذفه من رأس قلمه أكبر من الدر الذي في قعر البحر وأشف، وإذا راض قلمه روض الطروس من وقته، وإذا أفاض كلمه فوض البيان إليها أمر مقته ومقته، وما كلمه إلا بحر والقوافي أمواج، وما قلمه إلا ملك البلاغة فإذا امتطى يده ركضت به من الطروس على حلل الديباج، فلهذا أخملت رسايله الخمايل، وتعلمت منه الصبا لطف الشمايل، وأخذت بآفاق البلاغة فلها أقمارها الطوالع ولغيرها نجومها الأوافل، وانتقت أعالي الفضايل وتركت للناس فضالات الأسافل
فأما دره الذي خلطه الجناس وخرطه في ذلك السلك، فما أحقه وأولاه بقول ابن سناء الملك:
فلو رأى الميكالي نمطه العالي، وتنسم شذا غاليته العزيز الغالي، لقال عطلت هذه المحاسن حالي الحالي، وكنت من قبلها ما أظن اللآليء إلا لي، ولو ظفر الحظيري بتلك الدرر حلى بهما تصنيفه وعلم أن أرباب الجناس لو أنفق أحدهم من الكلام ملء الأرض ذهبا ما بلغ مد مولانا ولا نصيفه، ولو بلغ العماد الكاتب هذه النكت رفعها على عرشه وعوذها بآية الكرسي، ودخل دار صمته وأغلق باب الفتح القدسي، فعين الله على هذه الكلم التي نفثت في العقد، وأيقظت جد هذا الفن الذي كان قد رقد، فقد أصاب الناس بالسهام وأصبت أنت بالقرطاس، وجاؤا في كلامهم بالذاوي الذابل وجئت أنت بالغض اليانع الغراس، وأبعدت في مرمى هذا الفن وقاربوا ولكن أين الناس من هذا الجناس، وسبقت إلى الغاية ولو وقفت ما في وقوفك ساعة من باس، وقد قيل بدئ الشعر بأمير وختم بأمير يريدون امرأ القيس وأبا فراس، وكذا أقول بدئ الجناس بالبستي وختم بمولانا وكلاكما أبو الفتح فصح القياس، وقد أثنيت على تلك الروضة ولو وفقت لانثنيت وما أثنيت، ووقفت عند قدري فما أجبت ولكن اتقحت وما استحييت، على أني لو وجدت لسانا قايلا لقلت فإني وجدت أول البيت، وقد شغل وصف مثال مولانا عن شكوى حالي الشاقة، وأرجو أنني أوحيها شفاها إما في الدنيا وإما يوم الحاقة.
قلت لم نلتق وحالت منيته بينه وبين الجواب وتوفي رحمه الله تعالى يوم السبت حادي عشر شعبان سنة أربع وثلثين وسبع ماية وكانت جنازته حفلة إلى الغاية شيعها القضاة والأمراء والجند والفقهاء والعوام وتأسف الناس عليه ولما بلغتني وفاته قلت أرثيه:
وكتبت إليه عند قدومي دمشق من القاهرة:
وكتبت إليه:
وأنشدني رحمه الله من لفظه لنفسه:
وأنشدني من لفظه لنفسه:
وأنشدني إجازة ومن خطه نقلت:
وأنشدني من لفظه لنفسه:
وأنشدني من لفظه لنفسه ملغزا:
الاسم قراقوش وأنشدني لنفسه إجازة ومن خطه نقلت:
وأنشدني من لفظه لنفسه:
وأنشدني من لفظه لنفسه:
وأنشدني إجازة ومن خطه نقلت له:
وأنشدني من لفظه لنفسه:
ورأيته بعد وفاته في النوم رحمه الله تعالى في سنة أربع وأربعين وسبع ماية وهو على عادة اجتماعي به وهو يقول في أثناء كلامه رأيت الترجمة التي عملتها وما كنت تحتاج إلى تينك اللفظتين أو ما هذا معناه ففطنت في النوم لما قال وكشطتهما لأنهما لم يكونا من كلامي في حقه.
وكتبت له استدعاء إجازته لي بما صورته بعد الحمدلة والصلاة: المسؤل من إحسان سيدنا الشيخ الإمام العالم العلامة المتقن الحافظ، رحلة المحدثين، قبلة المتأدبين، جامع أشتات الفضايل، حاوي محاسن الأواخر والأوائل.
بديع زمانه، نادرة أوانه، ضابط الأنساب على اختلافها فهو السيل المتحدر لابن نقطه، ناقل العلم الشريف عن سلفه الذي وافق على المراد شرطه، ساحب ذيل الفخر الذي لو بلغ السمعاني جعله في الحيلة قرطه، صاحب النقل الذي إذا أتى رأيت البحر بأمواجه منه يلتطم، والعبارة تستبق في مضمار لهواته فتزداد وتزدحم، الذي إن ترسل نقصت عنده ألفاظ الفاضل، وعجز عن مفاوضته ومعارضته كل مناظر ومناضل، أو نظم ثبت الجوهر الفرد خلافا للنظام فيما زعم، وتخطا بما يبديه فرق الفرقدين وترضى النجوم بما حم، أو أورد مما قد سمع واقعة مات التاريخ في جلده، ووقف سيف كل حاك عند حده، أو استمد قلما كف بصره عنه ابن مقلة، ووقف ابن البواب بخدمته يطلب من فضله فضلة، فهو الذي تطير أقلامه إلى اقتناص شوارد المعاني فتكون من أنامله أولى أجنحة مثنى وثلث، وتنبعث فكرته في خدمة السنة النبوية وما يكره الله هذا الانبعاث، وتبرز مخبآت المعاني بنظمه ومن السحر إظهار الخبايا، ويعقد الألسنة عن معارضته وعقد اللسان لا يكون بغير السحر في البرايا، ويستنزل كواكب الفصاحة من سمائها بغير رصد، ويأتي بألفاظه العذبة ونورها للشمس وفحولتها للأسد، ويحل من شرف سيادته بيتا عموده الصبح وطنبه المجرة، ويتوقل هضبات المنابر ويستجن حشا المحاريب ويطأ بطون الأسرة، فتح الدين أبو الفتح محمد بن سيد الناس
إجازة كاتب هذه الأحرف جميع ما رواه من أنواع العلوم وما حمله من تفسير لكتاب الله تعالى أو سنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو أثر عن الصحابة والتابعين رضي الله عنهم ومن بعدهم إلى عصرنا هذا بسماع من شيوخه أبو بقراءة من لفظه أو سماع بقراءة غيره أو بطريق الإجازة خاصة كانت أو عامة أو بإذن أو مناولة أو وصية كيف ما تأدى ذلك إليه إلى غير ذلك من كتب الأدب وغيرها وإجازة ما له من مقول نظما ونثرا وتأليفا وجمعا في ساير العلوم وإثبات ذلك بأجمعه إلى هذا التاريخ بخطه إجازة خاصة وإجازة ما لعله يتفق له من بعد ذلك من هذه الأنواع فإن الرياض لا ينقطع زهرها والبحار لا ينفد دررها إجازة عامة على أحد الرأيين عند من يجوزه وكان ذلك في جمادى الأولى سنة ثمان وعشرين وسبع ماية.
فكتب الجواب رحمه الله بما صورته بعد حمد الله المجيب من دعاه، القريب ممن نادى نداه، الذي ابتعث محمدا بأنواره الساطعة وهداه، وأيده بصحبة الذين حموا حماه، ونصروه على من عداه، وحزبه الذين رووا سنته ورووا أسنتهم من عداه، وشفوا بإيراد مناهله من كان يشكو صداه، وأجابوه لما دعاهم لما يحييهم إليه إجابة الصارخ صداه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه صلاة تبلغهم من الشرف الرفيع غاية مداه، وسلم عليه وعليهم تسليما يسوغهم مشرع الرضوان عذبا ريه سهلا منتداه، فلما كتبت أيها الصدر الذي يشرح الصدور شفاء، والبدر الذي يبهر البدور سنا وسناء، والحبر الذي غدا في التماس أزهار الأدب راغبا، ولاقتباس أنوار العلم طالبا، فحصل على اقتناء فرايدها، واقتناص شواردها، وألفى عقله عقال أوابدها، ومجال مصايدها، ومطار مطاردها، بما أودعت الألمعية من المعاني المبتدعة ذهنه، واستعادته على لسان قلمه، وقد ألبسته الفصاحة ما ألبسته من حسن تلك الفطنة.
فالآداب حرسه الله تعالى رياض هو مجتنى غروسها، وسماء هو مجتلى أقمارها وشموسها، وبحر استقرت لديه جواهره، وسحر حلال لم تنفث في عصره إلا عن قلمه سواحره، فله في فني النظم والنثر حمل الرايتين، وسبق الغايتين، وحوز البراعتين، وسر الصناعتين، وهو مجمع البحرين، فما طل الغمامة، وله النظر الثاقب في دقايقهما فمن زرقاء اليمامة، إن سام نظما فمن شارع تهامة، وإن شاء إنشاء فله التقدم على قدامة، وإن وشى طرسا فما ابن هلال إلا كالقلامة، إن أجيز لك ما عندي، فكأنما ألزمتني أن أتجاوز حدي، لولا أن الإقرار بأن الرواية عن الإقران نهج مهيع، والاعتراف بأن للكبير من بحر الصغير الاغتراف وأن لم يكن مشرعه ذاك المشرع، فنعم قد أجزت لك ما رويته من أنواع العلوم، وما حلمته على الشرط المعروف والعرف المعلوم، وما تضمنه الاستدعاء الرقيم، بخطك الكريم، مما اقتدحه زندي الشحاح، وجادت لي به السجايا الشحاح، من فنون الأدب التي باعك فيها من باعي أمد، وسهمك في مراميها من سهمي أسد، وأذنت لك في إصلاح ما تعثر عليه من الزلل والوهم، والخلل الصادر عن غفلة اعترت النقل أو وهلة اعترضت الفهم، فيما صدر عن قريحتي القريحة من النثر والنظم، وفيما تراه من استبدال لفظ بغيره مما لعله أنجى من المرهوب، أو أنجع في نيل المطلوب، أو أجرى في سنن الفصاحة على الأسلوب، وقد أجزت لك إجازة خاصة يرى جوازها بعض من لا يرى جواز الإجازة العامة أن تروى عني ما لي من تصنيف أبقيته، في أي معنى انتقيته، فمن ذلك وذكر رحمه الله تعالى ما له من التصانيف وقد ذكرتها أنا آنفا قد أجزت لك أيدك الله جميع ذلك، بشرط التحري فيما هنالك، تبركا بالدخول في هذه الحلبة، وتمسكا باقتفاء السلف في ارتقاء هذه الرتبة، وإقبالا من نشر السنة على ما هو أمنية المتمني، وامتثالا لقوله عليه أفضل الصلاة والسلام بلغوا عني، فقد أخبرنا أبو العز عبد العزيز بن عبد المنعم بن علي الحراني رحمه الله تعالى بقراءة والدي رحمة الله عليه وأنا أسمع سنة ست وسبعين وست ماية قال أخبرنا أبو علي ابن أبي القسم البغداذي قراءة عليه وأنا أسمع سنة ست ماية وقبل ذلك سنة تسع وتسعين وخمس ماية وأنا محضر في الخامسة قال أنا القاضي أبو بكر الأنصاري قاضي المارستان سماعا عليه سنة أربع وعشرين وخمس ماية قال أنا الحافظ أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب في سنة ست وأربعين وأربع ماية قال أنا أبو محمد الحسن بن علي بن أحمد بن بشار السابوري بالبصرة ما أبو بكر محمد بن أحمد بن محمويه العسكري ما محمد بن إبراهيم بن كثير الصوري ما الفريابي عن ابن ثوبان عن حسان ابن عطية عن أبي كبشة السلولي عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بلغوا عني ولو آية وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج ومن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار، أبو كبشة السلولي تابعي ثقة والصحيح أنه لا يعرف اسمه ومولدي في رابع عشر ذي القعدة سنة إحدى وسبعين وست ماية بالقاهرة وفي هذه السنة أجاز لي الشيخ المسند نجيب الدين أبو الفرج عبد اللطيف بن عبد المنعم الحراني وكان أبي رحمه الله يخبرني أنه كناني وأجلسني في حجره وكان يسأله عني بعد ذلك، وأجاز لي بعده جماعة ثم في سنة خمس وسبعين حضرت مجلس سماع الحديث عند جماعة من الأعيان منهم الحبر الإمام شيخ الإسلام شمس الدين أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن عبد الواحد المقدسي ابن أخي الحافظ عبد الغني المقدسي وأثبت اسمي في الطباق حاضرا في الرابعة ثم في سنة خمس وثمانين كتبت الحديث عن شيخنا الإمام قطب الدين أبي بكر محمد بن أحمد بن القسطلاني رحمه الله بخطي وقرأت عليه بلفظي وعلى الشيوخ من أصحاب المسند أبي حفص ابن طبرزد والعلامة أبي اليمن الكندي والقاضي أبي القسم الحرستاني والصوفي أبي عبد الله ابن البناء وأبي الحسن ابن البناء وغيرهم بمصر والإسكندرية والشام والحجاز وغير ذلك، وأجاز لي جماعة من الرواة بالحجاز والعراق والشام وإفريقية والأندلس وغيرها يطول ذكرهم وحبذا أيدك الله اختيارك من طلب الحديث الدرجة العالية، وإيثارك أن تكون مع الفرقة الناجية لا الفرقة التاوية، فقد أخبرنا الشيخان أبو محمد عبد اللطيف وعبد العزيز ابنا الشيخ أبي محمد عبد المنعم بن علي بن نصر بن منصور بن الصيقل الحراني الأول إجازة والثاني سماعا قالا أنا ضياء بن الخريف أنا محمد بن عبد الباقي أنا أبو بكر الخطيب أنا أبو نعيم الحافظ أنا أبو القسم الطبراني سليمان بن أحمد بن أيوب بن مطير اللخمي ما أحمد بن محمد بن هاشم البعلبكي ما عبد الملك بن الأصبغ البعلبكي ما الوليد بن مسلم ما الأوزاعي حدثني قتادة عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه أن بني إسرايل افترقت على إحدى وسبعين فرقة وأن أمتي ستفترق على ثلث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة، وبالإسناد إلى الخطيب قال ما عبد الله بن أحمد بن علي السوذرجاني بأصبهان قال سمعت عبد الله بن القسم يقول سمعت أحمد بن محمد بن روه يقول ما إبراهيم بن محمد بن الحسن قال حدثت عن أحمد بن حنبل وذكر حديث النبي صلى الله عليه تفترق الأمة على نيف وسبعين فرقة كلها في النار إلا فرقة فقال إن لم يكونوا أصحاب الحديث فلا أدري من هم، وبه إلى أبي بكر الخطيب قال حدثني محمد بن أبي الحسن قال أخبرني أبو القسم ابن سختويه قال سمعت أبا العباس أحمد بن منصور الحافظ بصور يقول سمعت أبا الحسن محمد بن عبد الله بن بشر بفسا يقول رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام فقلت من الفرقة الناجية من ثلث وسبعين فرقة قال أنتم يا أصحاب الحديث، وبه إلى الخطيب قال أخبرني محمد بن علي الأصبهاني ما الحسين بن محمد بن الوليد التستري بها ما أبو العباس أحمد بن محمد بن يوسف بن مسعدة إملاء قال سمعت عبد الله بن سلام يقول أنشدني عبدة بن زياد الأصبهاني من قوله:
أنشدني والدي أبو عمرو محمد قال أنشدني والدي أبو بكر محمد بن أحمد بن عبد الله بن محمد بن يحيى بن سيد الناس رحمهما الله تعالى قال أنشدني الحافظ أبو العباس أحمد بن محمد بن مفرج النباتي قال أنشدني أبو الوليد سعد السعود بن أحمد بن هشام قال أنشدني الحافظ أبو العباس أحمد بن عبد الملك أنشدنا أبو أسامة يعقوب قال أنشدني والدي الفقيه الحافظ أبو محمد ابن خزم لنفسه:
والله المسؤل أن يلهمنا رشدا يدلنا عليه، ودلالة تهدينا إلى ما يزلفنا لديه، وهداية يسعى نورها بين أيدينا إذا وقفنا يوم العرض بين يديه، بمنه وكرمه.

  • دار فرانز شتاينر، فيسبادن، ألمانيا / دار إحياء التراث - بيروت-ط 1( 2000) , ج: 1- ص: 0

ابن سيد الناس الحافظ فتح الدين محمد بن محمد بن محمد بن أحمد بن سيد الناس أبو الفتح العمري
صاحب التصانيف في الحديث منها سيرة كبرى جليلة، وأخرى صغيرة جدّاً وهى مفيدة وشرح قطعة من الترمذي، وبها أكثر فوائده وأبرعه ويعز كماله على نمطه الغريب، الحديث من الشيخ تقى الدين القشيري وغيره، ورحل إلى الشام سنة تسعين وستمائة فلم يدرك الفخر بن البخارى، فمات وهو في الكسوة فدخلها، وسمع من غيره، وحدث وعاد بجامع ابن طولون، ودرس بجامع الصالح، والظاهرية، والمهذبية، ولد سنة إحدى وسبعين في آخرها، ومات في شعبان سنة أربع وثلاثين وسبعمائة وأجاز لي وسمعت عليه.

  • دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان-ط 1( 1997) , ج: 1- ص: 1