فتح الدبن ابن سيد الناس محمد بن محمد بن محمد بن أحمد بن سيد الناس الشيخ الإمام العلامة الحافظ المحدث الأديب الناظم الناثر فتح الدين أبو الفتح ابن الفقيه أبي عمرو ابن الحافظ أبي بكر اليعمري الربعي، كان حافظا بارعا أديبا متفننا بليغا ناظما ناثرا كاتبا مترسلا، خطه أبهج من حدايق الأزهار، وآنق من صفحات الخدود المطرز وردها بآس العذار، حسن المحاورة لطيف العبارة فصيح الألفاظ كامل الأدوات جيد الفكرة صحيح الذهن جميل المعاشرة لا تمل محاضرته أدبه غض والإمتاع بأنسه نض، كريم الأخلاق كثير الحياء زايد الاحتمال حسن الشكل والعمة قل أن ترى العيون مثله:
له هزة من أريحية نفسه | تكاد لها الأرض الجديبة تعشب |
تجاوز غايات العقول مواهب | تكاد لها لولا العيان تكذب |
خلايق لو يلقى زياد مثالها | إذا لم يقل: أي الرجال المهذب |
عجبت له لم يره تيها بنفسه | ونحن به نختال زهوا ونعجب |
وهو من بيت رياسة وعلم عنده كتب كثيرة وأصول جيدة سمع وقرأ وارتحل وكتب وصنف وحدث وأجاز وتفرد بالحديث في وقته أجاز له النجيب عبد اللطيف وكناه أبا الفتح وأجلسه في حجره وسمع حضورا سنة خمس وسبعين من القاضي شمس الدين محمد بن العماد وفي سنة خمس وثمانين، كتب الحديث بخطه عن الشيخ قطب الدين ابن القسطلاني وقرأه بلفظه عليه وعلى أصحاب ابن طبرزد وأصحاب الكندي وابن الحرستاني بمصر والشام والحجاز والإسكندرية وارتحل إلى دمشق سنة تسعين وكاد يدرك الفخر ابن الفخاري ففاته بليلتين وسمع من أبي عبد الله محمد بن مؤمن الصوري ومن أبي الفتح ابن المجاور وأبي إسحاق ابن الواسطي وطبقتهم وسمع بمصر من العز عبد العزيز بن الصيقل وغازي الحلاوي وابن خطيب المزة والصفي خليل وتلك الطبقة وتنزل في الأخذ من أصحاب سبط السلفي ثم إلى أصحاب الرشيد العطار، قال الشيخ شمس الدين: ولعل مشيخته يقاربون الألف، ونسخ بخطه واختار وانتقى شيئا كثيرا ولازم الشهادة مدة، قال الشيخ شمس الدين: جالسته مرات وبت معه ليلة وسمعت بقراءته على الرضى النحوي وكان طيب الأخلاق بساما صاحب دعابة ولعب وكان صدوقا في الحديث حجة فيما ينقله له بصر نافذ بالفن وخبرة بالرجال وطبقاتهم ومعرفة بالاختلاف ويد طولى في علم اللسان ومحاسنه جمة انتهى كلام الشيخ شمس الدين، قلت صحبته زمانا طويلا ودهرا داهرا ونمت معه ليالي وخالطته أياما وأقمت بالظاهرية وهو بها شيخ الحديث قريبا من سنتين فكنت أراه في كثير من الأوقات يصلي كل صلاة مرات كثيرة فسألته يوما عن ذلك فقال إنه خطر لي يوما أن أصلي كل صلاة مرتين ففعلت ذلك زمانا ثم خطر لي أن أصلي كل صلاة ثلث مرات ففعلت ذلك زمانا وخف علي ثم خطر لي أن أصلي كل صلاة أربع مرات ففعلت ذلك زمانا وخف علي فعله وأنسيت هل قال لي خمس مرات أو لا، وكان صحيح القراءة سريعها كأنها السيل إذا تحدر سريع الكتابة كتب ختمة في جمعة وكان يكتب السيرة التي له في عشرين يوما وهي مجلدان كبيران وكان صحيح العقيدة جيد الذهن يفهم به النكت العقلية ويسارع إليها ولكنه جمد ذهنه لاقتصاره به على النقل، وكان الشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد يحبه ويؤثره ويركن إلى نقله، أخبرني من لفظه القاضي عماد الدين إسماعيل ابن القيسراني قال: كان الشيخ تقي الدين إذا حضرنا درسه وتكلم فإذا جاء ذكر أحد من الصحابة أو أحد من رجال الحديث قال أيش ترجمة هذا يابا الفتح فيأخذ فتح الدين في الكلام ويسرد والناس كلهم سكوت والشيخ مصغ إلى ما يقوله انتهى، قال لي لم يكن لي في العروض شيخ ونظرت فيه جمعة فوضعت فيه مصنفا وقد رأيت هذا المصنف، قلت ولو كان اشتغاله بقدر ذهنه كان قد بلغ الغاية القصوى ولكنه كان فيه لعب على أنه ما خلف مثله لأنه كان متناسب الفضايل وكان محظوظا ما رآه أحد إلا أحبه، كان الأمير علم الدين الدواداري يحبه ويلازمه كثيرا ويقضي أشغال الناس عنده ودخل به إلى السلطان الملك المنصور حسام الدين لاجين وقد امتدحه بقصيدة وقال أحضرت لك هذا وهو كبير من أهل العلم فلم يدعه السلطان يبوس الأرض وأجلسه معه على الطراحة وهل قام له أو لا أنا في شك من ذلك فلما رأى خطه وسمع كلامه قال هذا ينبغي أن يكون في ديوان الإنشاء فرتب في جملة الموقعين فرأى فتح الدين الملازمة ولبس الخف والمهماز صعبا عليه فسأل الإعفاء من ذلك فقال السلطان إذا كان لا بد له من ذلك فيكون المعلوم له على سبيل الراتب فرتب له إلى أن مات، وكان الكمالي ينام معه في قرظية النوم، وكان كريم الدين الكبير يميل إليه ويوده ويقضي الأشغال عنده وهو الذي ساعده على عمل المحضر وإثباته بعداوة قاضي القضاة بدر الدين ابن جماعة، وسمع البخاري بقراءته على الحجار وتعصب له الأمير سيف الدين أرغون الدوادار وخلص له مشيخة الظاهرية في الحديث وما أعرف أحدا من الأمراء الكبار الأعيان في الدولة إلا وهو يميل إليه ويجتمع به وكان الأمير سيف الدين الجائي الدوادار منحرفا عنه والقاضي فخر الدين ناظر الجيش شيئا يسيرا وكان بيده مع مشيخة الظاهرية مدرسة أبي حليقة على بركة الفيل ومسجد الرصد وخطابة جامع الخندق وله رزق وله في صفد راتب وفي حلب فيما أظن، وكان عنده كتب كبار أمهات جيدة وأصول غالبها حضر إليه من تونس كمصنف ابن أبي شيبة ومسنده والمحلى وتاريخ ابن أبي خيثمة وجامع عبد الرزاق والتمهيد والاستيعاب والاستذكار وتاريخ الخطيب والمعاجم الثلثة للطبراني وطبقات ابن سعد والتاريخ المظفري وغير ذلك، وصنف عيون السير في فنون المغازي والشمايل والسير سمعت بعضه من لفظه ومختصر ذلك سماه نور العيون وسمعته من لفظه وتحصيل الإصابة في تفضيل الصحابة وسمعته من لفظه والنفح الشذي في شرح جامع الترمذي ولم يكمل جمع فأوعى وكان قد سماه العرف الشذي فقلت له سمه النفح الشذي ليقابل الشرح بالنفح فسماه كذلك وكتاب بشرى اللبيب بذكرى الحبيب وقرأته عليه بلفظي ومنح المدح وسمعته من لفظه إلى ترجمة عبد الله بن الزبعري والمقامات العلية في كرامات الصحابة الجلية وشعره رقيق سهل التركيب منسجم الألفاظ عذب النظم وترسله جيد وكان النظم عليه بلا كلفة يكاد لا يتكلم إلا بالوزن حتى قلت فيه أصفه:
لي صاحب يتمنى لي الرضا أبدا | كأنما يختشي صدي وهجراني |
ويغلب النظم ألفاظا يفوه بها | فما يكلمني إلا بميزان |
وكتب بالمغربي طبقة كما كتب بالمشرقي وكانت بيني وبينه مكاتبات كثيرة نظما ونثرا يضيق عنها هذا المكان لكن أورد منها شيئا وهو ما كتبه إلي وأنا بصفد سنة أربع وثلثين وسبع ماية.
سررتم فإني بعدكم غير مسرور | وكم لي على الإطلاق وقفة مهجور |
ولا حس إلا حس داعية الصدى | ولا أنس إلا أنس عيس ويعفور |
فيا وحدة الداعي صداه جوابه | ويا وحشة الساعي إلى غير معمور |
إذا قلت سيري قال سيري محاكيا | وإن قلت زوري قال لي مثلها زوري |
وما سرني بالقرب أني استزرتها | ولا ساءني بالبعد قولي لها سيري |
فيا ويح قلبي كم يعلله المنى | غلالة دنيا استعبدت كل مغرور |
تواصل وصل الطيف في سنة الكرى | ولست إذا استيقظت منه بمحبور |
وتدنو دنو الآل لا ينقع الصدى | وتخلب آمالا بخلبها الزور |
تنيل المنى من سالمته خديعة | وتعقب من نيل المنى كل محذور |
فدعها وثق بالله فالله كافل | برزقك ما أبقاك وأرض بمقدور |
وكن شاكرا يسرا وبالعسر راضيا | فأجر الرضى والشكر أفضل مذخور |
فكتبت إليه الجواب عن ذلك:
هل البرق قد وشى مطارف ديجور | أو الصبح قد غشى دجى الأفق بالنور |
وهل نسمة الأسحار جرت ذيولها | على زهر روض طيب النشر ممطور |
وهيهات بل جاءت تحية جيرة | إلى مغرم في قبضة البعد مأسور |
أتته وما فيه لعايد سقمه | سوى أنة تنبث من قلب مصدور |
فلما تهادت في حلى فصاحة | من النظم عن سحر البلاغة مأثور |
أكب على تقبيلها بعد ضمها | إلى خاطر من لوعة البين مكسور |
وأجرى لها دمع المآقي ولم يكن | يقابل منظوما سواه بمنثور |
فأرشفه كأس السلاف خطابها | وغازله من لحظها أعين الحور |
فكم حكمة فيها لها الحكم في النهى | وكم مثل في غاية الحسن مشهور |
يرى كل سطر في محاسن وضعه | كمسك عذار فوق وجنة كافور |
فلا ألف إلا حكت غصن بانة | وهمزتها من فوقها مثل شحرور |
فأصبح لا يثنى إلى الروض جيده | غراما ولم يعدل بها ورده الجوري |
وقد كانت الأطماع نامت ليأسها | فلما أتت قال الغرام لها ثوري |
وزادت جفون العين سهدا كأنما | حبها بكحل منه في الجفن مذرور |
وكان الدجا كالعام فاحتقرت به | وقالت له ميعادك النفخ في الصور |
ولم ترض من نار الحشا باتقادها | فقد قذفت في كل عضو بتنور |
وما شكرت عيني على سفح عبرتي | على أن محصول البكى غير محصور |
وقالت أما تخبا الدموع لشدة | فدعها تفض من زاخر اللج مسجور |
ولو كنت ألقى في البكى فرجا لما | مضى اليوم حتى كنت أول مسرور |
أأحبابنا عذري على البعد واضح | وما كل صب في البعاد بمعذور |
فلو كنت ألقى الصبر هانت مصيبتي | ولكنه للحظ في غير مقدوري |
فإن تبعثوا لي من زكاة اصطباركم | فإني لما تهدونه جد مضرور |
سلوا الليل هل آنست فيه برقدة | فما هو ممن راح يشهد بالزور |
فكم لي فيه صعقة موسوية | وللقلب من ذكراكم دكة الطور |
تشفعت للبين المشت بكم عسى | يعود هزيم القرب عودة منصور |
على أن جاه الحظ أكرم شافع | ولولاه كان الدهر أطوع مأمور |
وما هو إلا الحظ يعترض المنى | ولو صح لم يحتج إلى بنت منظور |
فكم في البرايا بين عان ومطلق | وسال ومحزون ودان ومهجور |
وليس سوى التسليم لله والرضى | بقلب منيب طائع غير مقهور |
وحاش لعلام الخفيات في الورى | على ما ابتلاني أن أرى غير مأجور |
فكتب إلي الجواب رحمه الله تعالى:
وردت المشرفة السامية بحلاها، الزاهية بعلاها، المشتملة على الأبيات الأبيات، الصادرة عن السجيات السخيات، التي فاقت الكنديين، وطوت ذكر الطائيين، ما شئت من بدايع إيداع، وروايع إبداع، تقف الفصاحة عندها، وتقفو البلاغة حدها، فلله ذلك الفضل الوافي، بل ذلك السحر الحلال الشافي، بل تلك القوى في القوافي، بل تلك المقاصد التي أقصدت المنى في المنافي، بل تلك المعاني التي حيرت المعاني، وفعلت بالألباب ما لا تفعله المثالث والمثاني، بل تلك الأوضاع التي حاك الربيع وشيها، وامتثل القلم أمرها ونهيها، فهو يصرفها كيف يشاء مرسوما، ثقة منه أنها لا تخالف له مرسوما، لقد آل فضل الكتاب إليها، وآلى فصل الخطاب لا وقف إلا بين يديها، لقد صدرت عن رياض الأدب فجن زهره اليانع، لقد أخذت بآفاق سماء الشرف فلها قمراها والنجوم الطوالع، لقد أفحمت قايلة:
من يساجلني يساجل ماجدا | يملأ من آدابه كل ذنوب |
لقد حسنت حتى كان محاسنا | تقسمها هذا الأنام عيوب |
هي الشمس تدنو وهي ناء محلها | وما كل دان للعيون قريب |
تخطت إلى الحضر الجياد نباهة | وهيهات من ذاك الجناب جنيب |
وحيت فأحيت بالأماني متيما | حبيب إليه أن يلم حبيب |
يذكرني ذاك الجمال جمالها | فليلي كما شاء الغرام رحيب |
وما لي إلا آنة بعد آنة | وما لي إلا زفرة ونحيب |
حنينا لعهد غادر القلب رهنه | وعلم دمع العين كيف يصوب |
وذكرى خليل لم يغب غير شخصه | وفي كل قلب من هواه نصيب |
ولولا حديث النفس عنه بعوده | وأن المنى تدعو به فيجيب |
لما استعذب الماء الزلال لأنه | إذا مازج الماء الزلال يطيب |
فبادرها المملوك لبنائها متعرفا، وبأرجها متعرفا، وبولايها متمسكا، وبثنايها متمسكا، شوقا إليها لا يبيد، ولو عمر عمر لبيد، واقفا على آمال اللقاء وقوف غيلان بدار مية، عاكفا على أرجاء الرجاء عكوف توبة على ليلى الأخيلية، والله يتولاه في حالتيه ظاعنا ومقيما، ويجعل السعد له حيث حل خدينا والنجح خديما، بمنه وكرمه.
فكتبت الجواب إليه رحمه الله تعالى:
تنوح حمامات اللوى فأجيب | ويحضر عندي عائدي فأغيب |
وقد مل فرش السقم طول تقلقي | عليه بجنبي إذ تهب جنوب |
ولما بكت عيني نواك تعلمت | دموع السحاب الغر كيف تصوب |
أيا برق إن حاكيت قلبي فلم يكن | لنارك مع هذا الخفوق لهيب |
ويا غيث إن ساجلت دمعي فإنه | يفوتك مع ذا أنة ونحيب |
ويا غصن إن هزت معاطفك الصبا | فما لك قلب بالغرام يذوب |
إذا جف جفني ذاب قلبي أدمعا | فلله قلب عاد وهو قليب |
أبيت بجفن ليس يعرف ما الكرى | وأي حياة بالسهاد تطيب |
وقلب إذا ما قر عادته لوعة | فيعروه من بعد القرار وجيب |
إلا أن دهرا قد رماني بصرفه | لدهر إذا فكرت فيه عجيب |
ويكفي بأني بين أهلي ومعشري | وصحبي لبعدي عن حماك غريب |
وينهى ورود المثال الذي تصدق به منعما، وأهداه خميلة فكم شفى زهرها المنعم من عمى، وبعثه قلادة فكم أزال درها المنظم من ظما، وإقامة حجة على أن من أرسله يكون في الإحسان مالكا ومتمما، فبللت برؤيته غلة الظماء البرح، وعاينت ما شاده من بنيان البيان فقلت لبلقيس عيني أدخلي الصرح، وقمت من حقوقه الواجبة علي بما يطول فيه الشرح، وتلقيته بالضم إلى قلب لا يجبر منه الكسر غير الفتح، وأسمت ناظري من طرسه في الروض الأنف، وقسمت حليه على أعضائي فللجيد القلائد وللفرق التيجان وللأذن الشنف، ووردت منهله الصافي، والتحفت ظله الضافي، واجتليت من وجهه بشرا قابله الشكر بالقلم الحافي، وعكفت منه على كعبة الفضل فلله ما نشر في استلامي وطوى في طوافي، وكلفت قلبي الطائر جوابا فلم تقو القوادم وظهر الخوى في الخوافي، وقلت هذا الفن الفذ الذي ما له ضريب، وهذا وصل الحبيب البعيد قد نلته برغم الرقيب القريب.
فيا عيني بيتا في اعتناق | ويا نومي قدمت على السلامه |
وأقسم أن البيان ما نكب عما دبجه مولانا ونكت، ولا أجراه الله على لسانه إلا لما سكت البلغاء وبكت، ولا آتاه هذه النقود المطبوعة إلا وقد خلصت القلوب من رق غيره وفكت، ولا وهبه الله هذه الكلم الجوامع إلا أن الأوايل أحسوا بطول رسايلهم فقطعوها من حيث رقت والصحيح ركت فما كل كاتب يده فم ولسانه فيه قلم، ولا كل متكلم حسن بيانه تأتم الهداة به كأنه علم، ولا كل بليغ إذا خاطب الولي كلا وإذا كلم العدو كلم، لأن مولانا حرسه الله تعالى لا يتكلف إذا أنشأ، ولا يتخلف إذا وشى، والسجع عنده أهون من النفس الذي يردده وأخف، والدر الذي يقذفه من رأس قلمه أكبر من الدر الذي في قعر البحر وأشف، وإذا راض قلمه روض الطروس من وقته، وإذا أفاض كلمه فوض البيان إليها أمر مقته ومقته، وما كلمه إلا بحر والقوافي أمواج، وما قلمه إلا ملك البلاغة فإذا امتطى يده ركضت به من الطروس على حلل الديباج، فلهذا أخملت رسايله الخمايل، وتعلمت منه الصبا لطف الشمايل، وأخذت بآفاق البلاغة فلها أقمارها الطوالع ولغيرها نجومها الأوافل، وانتقت أعالي الفضايل وتركت للناس فضالات الأسافل
وهذا الحق ليس به خفاء | فدعني من بنيات الطريق |
فأما دره الذي خلطه الجناس وخرطه في ذلك السلك، فما أحقه وأولاه بقول ابن سناء الملك:
فذا السجع ليس في النثر مثله | وهذا جناس ليس يحسنه الشعر |
فلو رأى الميكالي نمطه العالي، وتنسم شذا غاليته العزيز الغالي، لقال عطلت هذه المحاسن حالي الحالي، وكنت من قبلها ما أظن اللآليء إلا لي، ولو ظفر الحظيري بتلك الدرر حلى بهما تصنيفه وعلم أن أرباب الجناس لو أنفق أحدهم من الكلام ملء الأرض ذهبا ما بلغ مد مولانا ولا نصيفه، ولو بلغ العماد الكاتب هذه النكت رفعها على عرشه وعوذها بآية الكرسي، ودخل دار صمته وأغلق باب الفتح القدسي، فعين الله على هذه الكلم التي نفثت في العقد، وأيقظت جد هذا الفن الذي كان قد رقد، فقد أصاب الناس بالسهام وأصبت أنت بالقرطاس، وجاؤا في كلامهم بالذاوي الذابل وجئت أنت بالغض اليانع الغراس، وأبعدت في مرمى هذا الفن وقاربوا ولكن أين الناس من هذا الجناس، وسبقت إلى الغاية ولو وقفت ما في وقوفك ساعة من باس، وقد قيل بدئ الشعر بأمير وختم بأمير يريدون امرأ القيس وأبا فراس، وكذا أقول بدئ الجناس بالبستي وختم بمولانا وكلاكما أبو الفتح فصح القياس، وقد أثنيت على تلك الروضة ولو وفقت لانثنيت وما أثنيت، ووقفت عند قدري فما أجبت ولكن اتقحت وما استحييت، على أني لو وجدت لسانا قايلا لقلت فإني وجدت أول البيت، وقد شغل وصف مثال مولانا عن شكوى حالي الشاقة، وأرجو أنني أوحيها شفاها إما في الدنيا وإما يوم الحاقة.
إن نعش نلتقي وإلا فما | أشغل من مات عن جميع الأنام |
قلت لم نلتق وحالت منيته بينه وبين الجواب وتوفي رحمه الله تعالى يوم السبت حادي عشر شعبان سنة أربع وثلثين وسبع ماية وكانت جنازته حفلة إلى الغاية شيعها القضاة والأمراء والجند والفقهاء والعوام وتأسف الناس عليه ولما بلغتني وفاته قلت أرثيه:
ما بعد فقدك لي أنس أرجيه | ولا سرور من الدنيا أقضيه |
إن مت بعدك من وجد ومن حزن | فحق فضلك عندي من يوفيه |
ومن يعلم فيك الورق إن جهلت | نواحها أو تناسته فتمليه |
أما لطافة أنفاس النسيم فقد | نسيتها غير لطف كنت تبديه |
وإن ترشفت عذب الماء أذكرني | زلاله خلقا قد كنت تحويه |
يا راحلا فوق أعناق الرجال وأجـ | ـفان الملايك تحت العرش تبكيه |
وذاهبا سار لا يلوي على أحد | والذكر ينشره واللحد يطويه |
وماضيا غفر الله الكريم له | باللطف حاضره منه وباديه |
وبات بالحور والرضوان مشتغلا | إذ أقبلت تتهادى في تلقيه |
حتى غدا في جنان الخلد مبتهجا | والقلب بالحزن يفنى في تلظيه |
لهفي على ذلك الشخص الكريم وقد | دعاه نحو البلى في الترب داعيه |
وحيرتي فيه لا تقضي علي ولا | تقضي لواعجها حتى أوافيه |
جرى الأسى عبراتي كالعقيق وقد | أصم سمعي وأصمى القلب ناعيه |
يا وحشة الدهر في عين الأنام فقد | خلت وجوه الليالي من معانيه |
ووحشة الدهر أن تنثر ملاءته | ولم تطرز حواشيها أماليه |
يا حافظا ضاع نشر العلم منه إلى | أن كاد يعرفه من لا يسميه |
صان الرواية بالإسناد فامتنعت | ثغورها حين حاطتها عواليه |
واستضعفت بارقات الجو أنفسها | في فهم مشكلة عن أن تجاريه |
حفظت سنة خير المرسلين فما | أراك تمسي مضاعا عند باريه |
لله سعيك من حبر تبحر في | علم الحديث فما خابت مساعيه |
وهل يخيب معاذ الله سعي فتى | في سنة المصطفى أفنى لياليه |
يكفيه ما خطه في الصحف من مدح النبي | يكفيه هذا القدر يكفيه |
عز البخاري فيما قد أصيب به | مات الذي كان بين الناس يدريه |
كأنه ما تحلى سمع حاضره | بلفظه عندما يروى لآليه |
رواية زانها منه بمعرفة | ما كل من قام بين الناس يرويه |
يا رحمتاه لشرح الترمذي فمن | يضم غربته فينا ويؤويه |
لو كان أمهله داعي المنون إلى | أن تنتهي في أماليه أمانيه |
لكان أهداه روضا كله زهر | أنامل الفكر في معناه تجنيه |
من للقريض فلم أعرفه له أحدا | سواه رقت به فينا حواشيه |
ما كان ذاك الذي تلقاه ينظمه | شعرا ولكه سحر يعانيه |
يهز سامعه حتى يخيل لي | كأس الحميا إدارتها قوافيه |
ومن يمر على القرطاس راحته | فينبت الزهر غضا في نواحيه |
ما كل من خط في طرس وسوده | بالحبر تغدو به بيضا لياليه |
ولا تخل كل من في كفه قلم | إذا دعاه إلى معنى يلبيه |
هيهات ما كان فتح الدين حين مضى | والله إلا فريدا في معاليه |
كم حاز فضلا يقول القايلون له | لو حازك الليل لابيضت دياجيه |
لا تسأل الناس سلني عن خلايقه | لتأخذ الماء عني من مجاريه |
ماذا أقول وما للناس من صفة | محمودة قط إلا ركبت فيه |
كالشمس كل الورى يدري محاسنها | والكاف زائدة لا كاف تشبيه |
سقى الغمام ضريحا قد تضمنه | صوبا إذا انهل لا ترقى غواديه |
وباكرته تحيات نوافحها | من الجنان تحييه فتحييه |
وكتبت إليه عند قدومي دمشق من القاهرة:
كان سمعي في مصر بالشيخ فـ | ـتح الدين يجني الآداب وهي شهيه |
يا لها غربة بأرض دمشق | أعوزتني الفواكه الفتحيه |
وكتبت إليه:
يا حافظا كم لرواياته | من جنة في بطن قرطاس |
وكم شذا من سنة المصطفى | قد ضاع من حفظك للناسي |
وأنشدني رحمه الله من لفظه لنفسه:
فقري لمعروفك المعروف يغنيني | يا من أرجيه والتقصير يرجيني |
إن أوبقتني المطايا عن مدى شرف | نجا بإدراكه الناجون من دوني |
أو غض من أملي ما ساء من عملي | فإن لي حسن ظن فيك يكفيني |
وأنشدني من لفظه لنفسه:
عذيري من دهر تصدى معاتبا | لمستمنح العتبى فاقصد من قصد |
رجوت به وصل الحبيب فعندما | تبدى لي المعشوق قابله الرصد |
وأنشدني إجازة ومن خطه نقلت:
صرفت الناس عن بالي | فحبل ودادهم بالي |
وحبل الله معتصمي | به علقت آمالي |
ومن يسل الورى طرا | فإني عنهم سالي |
فلا وجهي لذي جاه | ولا ميلي لذي مال |
وأنشدني من لفظه لنفسه:
يا بديع الجمال شكر جمالك | إن توافى عشاقه بوصالك |
لنت عطفا لهم وقلبك قاس | فهم يأخذون من ذا لذلك |
غير أن الكمال أولى بذا الحـ | ـسن ومن للبدور مثل كمالك |
قابلت وجهك السماء فشكل الـ | ـبدر ما في مرآتها من خيالك |
مثلته لكن رسوم صداها | كلفته فقصرت عن مثالك |
وأنشدني من لفظه لنفسه ملغزا:
ظبي من الترك هضيم الحشا | مهفهف القد رشيق القوام |
للطرف من تذكاره عبرة | والقلب شوق أرق المستهام |
الاسم قراقوش وأنشدني لنفسه إجازة ومن خطه نقلت:
ومستنير بسنا رأيه | وقلبه من حوبه مظلم |
يرجو وما قدم من صالح | ربحا وهل ربح له يقسم |
والله بالعصر على خسره | ما لم يقدم صالحا يقسم |
وأنشدني من لفظه لنفسه:
سلي عن غرامي مدمعي فهو صادق | وساكن قلبي فهو للبين خافق |
ونومي يا وسنى سليه فإنني | لما ضاع منه في جفونك رايق |
تمنيني الأيام منك بخلسة | فكم عندها عما تمنى عوايق |
متى وعدت بالوصل فالوعد كاذب | وإن وعدت بالهجر فالوعد صادق |
حكى حسن من أحببتها الشمس أشرقت | فلا زال ذاك الحسن ما ذر شارق |
بكل فؤاد من هواها مغارب | وفي كل حسن من حلاها مشارق |
تثنت فمن أعطافها الغصن مايس | ومن لينها غصن الخميلة سارق |
يلوم عليها لا عدته ملامة | عدو مناف أو صديق منافق |
وما العذل مقبول إذا صدق الهوى | ولا اللوم عن طرق الصبابة عائق |
وأنشدني من لفظه لنفسه:
عهدي به والبين ليس يروعه | صب براه نحوله ودموعه |
لا تطلبوا في الحب ثار متيم | فالموت من شرع الغرام شروعه |
عن ساكن الوادي سقته مدامعي | حدث حديثا طاب لي مسموعه |
أفدي الذي عنت البدور لوجهه | إذ حل معنى الحسن فيه جميعه |
البدر من كلف به كلف به | والغصن من عطف عليه خضوعه |
لله معسول المراشف واللمى | حلو الحديث ظريفه مطبوعه |
دارت رحيق لحاظه فلنا بها | سكر يجل عن المدام صنيعه |
يجني فأضمر عتبه فإذا بدا | فجماله مما جناه شفيعه |
وأنشدني إجازة ومن خطه نقلت له:
إن غض من فقرنا قوم غنى منحوا | فكل حزب بما أوتوه قد فرحوا |
إن هم أضاعوا لحفظ المال دينهم | فإن ما خسروا أضعاف ما ربحوا |
وأنشدني من لفظه لنفسه:
قضى ولم يقض من أحبابه إربا | صب إذا مر خفاق النسيم صبا |
راض بما صنعت أيدي الغرام به | فحسبه الحب ما أعطى وما لسبا |
لا تحسبن قتيل الحب مات ففي | شرع الهوى عاش للأحباب منتسبا |
في جنة من معاني حسن قاتله | لا يشتكي نصبا فيها ولا وصبا |
ما مات من مات في أحبابه كلفا | وما قضى بل قضى الحق الذي وجبا |
فالسحب تبكيه بل تسقيه هامية | وكيف تبكي محبا نال ما طلبا |
وطوقت جيبها الورقاء واختضبت | له وغنت على أعوادها طربا |
ومالت الدوحة الغناء راقصة | تصبو وتنثر من أوراقها ذهبا |
والغصن نشوان يثنيه الغرام به | كأنه من حميا وجده شربا |
والروض حمل أنفاس النسيم شذا | أزهاره راجيا من قربه سببا |
فراقه الورد فاستغنى به وثنى | عطفا إليه ومن رجع الجواب أبى |
ففارقت روضها الأزهار واتخذت | نحو الرسول سبيلا وابتغت سربا |
وحين وافته نادت عند رؤيته | لمثل هذا حباء فليحل حبا |
تهللت وجنات الورد من فرح | وأعين النرجس أخضلت له نغبا |
سقته واستوسقت من عرفه أرجا | أذكى وأعطر أنفاسا إذا انتسبا |
وأملت لمحة من حسن قاتله | فأجفلت هربا إذ لم تطق رهبا |
ورأيته بعد وفاته في النوم رحمه الله تعالى في سنة أربع وأربعين وسبع ماية وهو على عادة اجتماعي به وهو يقول في أثناء كلامه رأيت الترجمة التي عملتها وما كنت تحتاج إلى تينك اللفظتين أو ما هذا معناه ففطنت في النوم لما قال وكشطتهما لأنهما لم يكونا من كلامي في حقه.
وكتبت له استدعاء إجازته لي بما صورته بعد الحمدلة والصلاة: المسؤل من إحسان سيدنا الشيخ الإمام العالم العلامة المتقن الحافظ، رحلة المحدثين، قبلة المتأدبين، جامع أشتات الفضايل، حاوي محاسن الأواخر والأوائل.
حافظ السنة حفظا لا ترى | معه أن تعمل الناس إلا سنه |
مركز الداير من أهل النهى | فإلى ما قد حوى تثنى إلا عنه |
بديع زمانه، نادرة أوانه، ضابط الأنساب على اختلافها فهو السيل المتحدر لابن نقطه، ناقل العلم الشريف عن سلفه الذي وافق على المراد شرطه، ساحب ذيل الفخر الذي لو بلغ السمعاني جعله في الحيلة قرطه، صاحب النقل الذي إذا أتى رأيت البحر بأمواجه منه يلتطم، والعبارة تستبق في مضمار لهواته فتزداد وتزدحم، الذي إن ترسل نقصت عنده ألفاظ الفاضل، وعجز عن مفاوضته ومعارضته كل مناظر ومناضل، أو نظم ثبت الجوهر الفرد خلافا للنظام فيما زعم، وتخطا بما يبديه فرق الفرقدين وترضى النجوم بما حم، أو أورد مما قد سمع واقعة مات التاريخ في جلده، ووقف سيف كل حاك عند حده، أو استمد قلما كف بصره عنه ابن مقلة، ووقف ابن البواب بخدمته يطلب من فضله فضلة، فهو الذي تطير أقلامه إلى اقتناص شوارد المعاني فتكون من أنامله أولى أجنحة مثنى وثلث، وتنبعث فكرته في خدمة السنة النبوية وما يكره الله هذا الانبعاث، وتبرز مخبآت المعاني بنظمه ومن السحر إظهار الخبايا، ويعقد الألسنة عن معارضته وعقد اللسان لا يكون بغير السحر في البرايا، ويستنزل كواكب الفصاحة من سمائها بغير رصد، ويأتي بألفاظه العذبة ونورها للشمس وفحولتها للأسد، ويحل من شرف سيادته بيتا عموده الصبح وطنبه المجرة، ويتوقل هضبات المنابر ويستجن حشا المحاريب ويطأ بطون الأسرة، فتح الدين أبو الفتح محمد بن سيد الناس
لا زال روض العلم من فضله | أنفاسه طيبة النفح |
وكلما نظمأ إلى نظمه | أبدى سحابا دايم السح |
وكيف ما حاوله طالب | في العلم لا ينفك ذا نجح |
وإن غدا باب النهى مقفلا | في الناس نادوا يا أبا الفتح |
إجازة كاتب هذه الأحرف جميع ما رواه من أنواع العلوم وما حمله من تفسير لكتاب الله تعالى أو سنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو أثر عن الصحابة والتابعين رضي الله عنهم ومن بعدهم إلى عصرنا هذا بسماع من شيوخه أبو بقراءة من لفظه أو سماع بقراءة غيره أو بطريق الإجازة خاصة كانت أو عامة أو بإذن أو مناولة أو وصية كيف ما تأدى ذلك إليه إلى غير ذلك من كتب الأدب وغيرها وإجازة ما له من مقول نظما ونثرا وتأليفا وجمعا في ساير العلوم وإثبات ذلك بأجمعه إلى هذا التاريخ بخطه إجازة خاصة وإجازة ما لعله يتفق له من بعد ذلك من هذه الأنواع فإن الرياض لا ينقطع زهرها والبحار لا ينفد دررها إجازة عامة على أحد الرأيين عند من يجوزه وكان ذلك في جمادى الأولى سنة ثمان وعشرين وسبع ماية.
فكتب الجواب رحمه الله بما صورته بعد حمد الله المجيب من دعاه، القريب ممن نادى نداه، الذي ابتعث محمدا بأنواره الساطعة وهداه، وأيده بصحبة الذين حموا حماه، ونصروه على من عداه، وحزبه الذين رووا سنته ورووا أسنتهم من عداه، وشفوا بإيراد مناهله من كان يشكو صداه، وأجابوه لما دعاهم لما يحييهم إليه إجابة الصارخ صداه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه صلاة تبلغهم من الشرف الرفيع غاية مداه، وسلم عليه وعليهم تسليما يسوغهم مشرع الرضوان عذبا ريه سهلا منتداه، فلما كتبت أيها الصدر الذي يشرح الصدور شفاء، والبدر الذي يبهر البدور سنا وسناء، والحبر الذي غدا في التماس أزهار الأدب راغبا، ولاقتباس أنوار العلم طالبا، فحصل على اقتناء فرايدها، واقتناص شواردها، وألفى عقله عقال أوابدها، ومجال مصايدها، ومطار مطاردها، بما أودعت الألمعية من المعاني المبتدعة ذهنه، واستعادته على لسان قلمه، وقد ألبسته الفصاحة ما ألبسته من حسن تلك الفطنة.
زهر الآداب منه يجتنى | حسن الإبداع ما أبدع حسنه |
بارع في كل فن فمتى | قال قال الناس ما أبرع فنه |
ومتى ما فاه فاض السحر عن | غامض الأفكار منه المرجحنه |
فالآداب حرسه الله تعالى رياض هو مجتنى غروسها، وسماء هو مجتلى أقمارها وشموسها، وبحر استقرت لديه جواهره، وسحر حلال لم تنفث في عصره إلا عن قلمه سواحره، فله في فني النظم والنثر حمل الرايتين، وسبق الغايتين، وحوز البراعتين، وسر الصناعتين، وهو مجمع البحرين، فما طل الغمامة، وله النظر الثاقب في دقايقهما فمن زرقاء اليمامة، إن سام نظما فمن شارع تهامة، وإن شاء إنشاء فله التقدم على قدامة، وإن وشى طرسا فما ابن هلال إلا كالقلامة، إن أجيز لك ما عندي، فكأنما ألزمتني أن أتجاوز حدي، لولا أن الإقرار بأن الرواية عن الإقران نهج مهيع، والاعتراف بأن للكبير من بحر الصغير الاغتراف وأن لم يكن مشرعه ذاك المشرع، فنعم قد أجزت لك ما رويته من أنواع العلوم، وما حلمته على الشرط المعروف والعرف المعلوم، وما تضمنه الاستدعاء الرقيم، بخطك الكريم، مما اقتدحه زندي الشحاح، وجادت لي به السجايا الشحاح، من فنون الأدب التي باعك فيها من باعي أمد، وسهمك في مراميها من سهمي أسد، وأذنت لك في إصلاح ما تعثر عليه من الزلل والوهم، والخلل الصادر عن غفلة اعترت النقل أو وهلة اعترضت الفهم، فيما صدر عن قريحتي القريحة من النثر والنظم، وفيما تراه من استبدال لفظ بغيره مما لعله أنجى من المرهوب، أو أنجع في نيل المطلوب، أو أجرى في سنن الفصاحة على الأسلوب، وقد أجزت لك إجازة خاصة يرى جوازها بعض من لا يرى جواز الإجازة العامة أن تروى عني ما لي من تصنيف أبقيته، في أي معنى انتقيته، فمن ذلك وذكر رحمه الله تعالى ما له من التصانيف وقد ذكرتها أنا آنفا قد أجزت لك أيدك الله جميع ذلك، بشرط التحري فيما هنالك، تبركا بالدخول في هذه الحلبة، وتمسكا باقتفاء السلف في ارتقاء هذه الرتبة، وإقبالا من نشر السنة على ما هو أمنية المتمني، وامتثالا لقوله عليه أفضل الصلاة والسلام بلغوا عني، فقد أخبرنا أبو العز عبد العزيز بن عبد المنعم بن علي الحراني رحمه الله تعالى بقراءة والدي رحمة الله عليه وأنا أسمع سنة ست وسبعين وست ماية قال أخبرنا أبو علي ابن أبي القسم البغداذي قراءة عليه وأنا أسمع سنة ست ماية وقبل ذلك سنة تسع وتسعين وخمس ماية وأنا محضر في الخامسة قال أنا القاضي أبو بكر الأنصاري قاضي المارستان سماعا عليه سنة أربع وعشرين وخمس ماية قال أنا الحافظ أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب في سنة ست وأربعين وأربع ماية قال أنا أبو محمد الحسن بن علي بن أحمد بن بشار السابوري بالبصرة ما أبو بكر محمد بن أحمد بن محمويه العسكري ما محمد بن إبراهيم بن كثير الصوري ما الفريابي عن ابن ثوبان عن حسان ابن عطية عن أبي كبشة السلولي عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بلغوا عني ولو آية وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج ومن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار، أبو كبشة السلولي تابعي ثقة والصحيح أنه لا يعرف اسمه ومولدي في رابع عشر ذي القعدة سنة إحدى وسبعين وست ماية بالقاهرة وفي هذه السنة أجاز لي الشيخ المسند نجيب الدين أبو الفرج عبد اللطيف بن عبد المنعم الحراني وكان أبي رحمه الله يخبرني أنه كناني وأجلسني في حجره وكان يسأله عني بعد ذلك، وأجاز لي بعده جماعة ثم في سنة خمس وسبعين حضرت مجلس سماع الحديث عند جماعة من الأعيان منهم الحبر الإمام شيخ الإسلام شمس الدين أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن عبد الواحد المقدسي ابن أخي الحافظ عبد الغني المقدسي وأثبت اسمي في الطباق حاضرا في الرابعة ثم في سنة خمس وثمانين كتبت الحديث عن شيخنا الإمام قطب الدين أبي بكر محمد بن أحمد بن القسطلاني رحمه الله بخطي وقرأت عليه بلفظي وعلى الشيوخ من أصحاب المسند أبي حفص ابن طبرزد والعلامة أبي اليمن الكندي والقاضي أبي القسم الحرستاني والصوفي أبي عبد الله ابن البناء وأبي الحسن ابن البناء وغيرهم بمصر والإسكندرية والشام والحجاز وغير ذلك، وأجاز لي جماعة من الرواة بالحجاز والعراق والشام وإفريقية والأندلس وغيرها يطول ذكرهم وحبذا أيدك الله اختيارك من طلب الحديث الدرجة العالية، وإيثارك أن تكون مع الفرقة الناجية لا الفرقة التاوية، فقد أخبرنا الشيخان أبو محمد عبد اللطيف وعبد العزيز ابنا الشيخ أبي محمد عبد المنعم بن علي بن نصر بن منصور بن الصيقل الحراني الأول إجازة والثاني سماعا قالا أنا ضياء بن الخريف أنا محمد بن عبد الباقي أنا أبو بكر الخطيب أنا أبو نعيم الحافظ أنا أبو القسم الطبراني سليمان بن أحمد بن أيوب بن مطير اللخمي ما أحمد بن محمد بن هاشم البعلبكي ما عبد الملك بن الأصبغ البعلبكي ما الوليد بن مسلم ما الأوزاعي حدثني قتادة عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه أن بني إسرايل افترقت على إحدى وسبعين فرقة وأن أمتي ستفترق على ثلث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة، وبالإسناد إلى الخطيب قال ما عبد الله بن أحمد بن علي السوذرجاني بأصبهان قال سمعت عبد الله بن القسم يقول سمعت أحمد بن محمد بن روه يقول ما إبراهيم بن محمد بن الحسن قال حدثت عن أحمد بن حنبل وذكر حديث النبي صلى الله عليه تفترق الأمة على نيف وسبعين فرقة كلها في النار إلا فرقة فقال إن لم يكونوا أصحاب الحديث فلا أدري من هم، وبه إلى أبي بكر الخطيب قال حدثني محمد بن أبي الحسن قال أخبرني أبو القسم ابن سختويه قال سمعت أبا العباس أحمد بن منصور الحافظ بصور يقول سمعت أبا الحسن محمد بن عبد الله بن بشر بفسا يقول رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام فقلت من الفرقة الناجية من ثلث وسبعين فرقة قال أنتم يا أصحاب الحديث، وبه إلى الخطيب قال أخبرني محمد بن علي الأصبهاني ما الحسين بن محمد بن الوليد التستري بها ما أبو العباس أحمد بن محمد بن يوسف بن مسعدة إملاء قال سمعت عبد الله بن سلام يقول أنشدني عبدة بن زياد الأصبهاني من قوله:
دين النبي محمد أخبار | نعم المطية للفتى الآثار |
لا تخدعن عن الحديث وأهله | فالرأي ليل والحديث نهار |
ولربما غلط الفتى سبل الهدى | والشمس بازغة لها أنوار |
أنشدني والدي أبو عمرو محمد قال أنشدني والدي أبو بكر محمد بن أحمد بن عبد الله بن محمد بن يحيى بن سيد الناس رحمهما الله تعالى قال أنشدني الحافظ أبو العباس أحمد بن محمد بن مفرج النباتي قال أنشدني أبو الوليد سعد السعود بن أحمد بن هشام قال أنشدني الحافظ أبو العباس أحمد بن عبد الملك أنشدنا أبو أسامة يعقوب قال أنشدني والدي الفقيه الحافظ أبو محمد ابن خزم لنفسه:
من عذيري من أناس جهلوا | ثم ظنوا أنهم أهل النظر |
ركبوا الرأي عنادا فسروا | في ظلام تاه فيه من غبر |
وطريق الرشد نهج مهيع | مثل ما أبصرت في الأفق القمر |
وهو الإجماع والنص الذي | ليس إلا في كتاب أو أثر |
والله المسؤل أن يلهمنا رشدا يدلنا عليه، ودلالة تهدينا إلى ما يزلفنا لديه، وهداية يسعى نورها بين أيدينا إذا وقفنا يوم العرض بين يديه، بمنه وكرمه.