آقوش الأمير جمال الدين الأفرم، نائب دمشق. كان من مماليك الملك المنصور قلاوون القدم الجراكسة، وهو من أكابر البرجية السلاح دارية. وكان في البرج مغرى بالنشاب والعلاج والصراع واللكام والثقاف وتأمر وهو على هذا.
ولما كان في أيام أستاذه تحدث مع بعض الخاصكية أن يخرج إلى الشام، فعرضوا به للمنصور، فقال: آقوش الأفرام يريد الرواح إلى دمشق، لا بد له من نيابة دمشق إلا ما هو في أيامي.
أخبرني القاضي شهاب الدين بن فضل الله، قال: حدثني جلال الدين محمد بن سلميان بن البيع الموقع عن الشهاب الرومي أن الأفرم حدثه أنه قال: كان يتردد إلي وأنا بمصر فقير مغربي، كان في القرافة الكبرى، فقال لي يوما: يا آقوش إذا صرت نائب الشام أيش تعطيني؟ فقلت له: يا سيدي ما أنا قدر هذا. فقال: لا بد لك من هذا. أيش تعطيني؟ فقلت: يا سيدي الذي تقول. فقال: تتصدق بألفي درهم عند السيدة نفيسة، وبألف درهم عند الشافعي. فقلت: يا سيدي بسم الله. فضحك، وقال: ما أظنك إلا تنساها، وما تعود تذكرها إلا إذا جئت هاربا إلى مصر. قال: فوالله لقد جعلت كلام المغربي ممثلا بين عيني حتى وليت النيابة، فأنسانيه الله، ثم ما ذكرته حتى دخلت نوبة غازان مصر هاربا، فبينما أنا أسير هاربا إذ مررت بمكان الفقير، فذكرت قوله، فأحضرت على الفور الدراهم، وتصدقت بها.
وكان قد نقل الأفرم إلى الشام قبل النيابة، وأقام بها مدة طويلة في مجالس أنس ولهو وطرب، يغشى الناس ويغشونه. ولما كانت أيام العادل كتبغا، وتقدم حسام الدين لاجين، وصار نائب مصر، اشتد عضد الأفرم به، لأنهما كانا ابني خالة، فلما تسلطن لاجين كان الأفرم بدمشق فطلبه، وجعله حاجبا، وبقي بمصر مدة على ذلك، يبيت ويصبح بقلعة الجبل. ولما كان يوم الخميس وهو اليوم الذي قتل فيه لاجين عشية، نزل الأفرم تلك الليلة، وبات في القاهرة في داره، وهي دار الشريف ابن ثعلب، وبات بها هو والأمير شرف الدين حسين بن جندر بك.
أخبرني من لفظه الأمير شرف الدين حسين بن جندر بك. قال: بينا نحن تلك الليلة وإذا بالباب يطرق وقائل يقول: خلوا الأمير يكلم السلطان. وآخر في آخر في الحث في طلبه. فهم الأفرام بفتح الباب، فقلت له: تأن على نفسك، فخاطري قد حدثني بأمر، وأخشى على السلطان من أمر حدث، فانتبه لنفسه، وقال: ما العمل؟ قلت: تحيل على من يخرج إلى السوق، ويكشف الخبر. فدلينا مملوكا من السطح، فما لبث أن عاد إلينا بالخبر، فخرجنا على حمية، وركبنا وطلعنا إلى خيل الأفرم، وكانت خراج البلد، فأخذنا الخيل وانعزلنا إلى القلوبية، واجتمع عليه مماليكه وأصحابه واللآجينية، ونشر أعلامه، ودق طلبلخاناته، وبقي يتنقل حول بركة الحجاج إلى عكرشة إلى المرش إلى ما دون بلبيس وهو على غاية الحذر، إلى أن ترددت الرسل بينه وبن أمراء القلعة، وتأكدت الأيمان بينهم، فهم بالطلوع إلى القلعة، ثم إنه رد من الثغرة، وفل أكثر من كان معه، وكاد يؤخذ، فأتى الله بالأمير بدر الدين بكتاش أمير سلاح، والأمراء المجردين بحلب، فانضم إليه الأفرم، وكان معه إلى أن قتل كرجي وطغجي، وتقرر الأمر على طلب السلطان الملك الناصر من الكرك بإجماع رأي سبعة من الأمراء، وكان الأفرام سادسهم، فتصدر الكتب بخطوط السبعة والأفرم السادس، ولما حضر السلطان واستقرت دولته بعثه إلى دمشق كالحافظ لها، فوصل إليها على البريد في ثاني عشري جمادى الأولى سنة ثمان وتسعين وست مئة، وحكم فها بغير تقليده مدة. انتهى، أو كما قال.
ثم إن الأفرم سعى لها سعيها، فجاء تقليده بنيابة دمشق، وكان هو والجاشنكير متظاهرين لما يجمعهما من البرجية.
أخبرني القاضي شهاب الدين بن فضل الله، قال حدثني والدي، قال: دخلت يوما على الأفرم وهو في بقية حديث يتشكى فيه من افتئات سلار والجاشنكير وما هما فيه، ثم التفت إلي وقال: يا فلان! والله هذا بيبرس، لما كنا في البرج كان يخدمني ويحك رجلي في الحمام، ويصب الماء علي، وإذا رآني والله ما يقعد إلا إذا قلت له: اقعد. وأما سلار فما هو منا ولا له قدر، أيش أعمل في دمشق؟ والله لولا هذا القصر الأبلق والميدان الأخضر، وهذا النهر المليح ما خليتهم يفرحون بملك بمصر.
وكان الأفرم يقول: لما توجه الناصر إلى الكرك: والله عملوا نحسا، كان ابن أستاذنا وهم حوله أصلح.
ولم يزل على هذا حتى تحتم الأمر، وخاف القتل، وانصرف إلى الجاشنكير.
ولما كانت كسرة المسلمين، وجرى من أهل كسروان ما جرى على العساكر أثر ذلك في قلبه، ولما عاد واستقرت الأمور توجه إليهم بنفسه، ونازلهم ولم يحصل على طائل، ووصلت الأراجيف بأحاديث التتار، فعاد عنهم، ولما قضى الله تعالى بالنصر في واقعة شقحب جعل كسروان دأبه، وكتب إلى نائب طرابلس ونائب صفد، وجمعوا الرجال وأحاطوا بالجبل من كل ناحية، فأظهره الله عليهم وظفره الله بهم، وكبت كتب البشائر بذلك، وأحسن ما وقع فيها الشيخ كمال الدين محمود بن الزملكاني لأنه افتتحه بقوله تعالى: {ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا}.
ومدح الأفرم في هذه الواقعة بعدة مدائح جمعها شمس الدين الطيبي هي وكثيرا مما كتب في هذه الواقعة، وسماها واقعة كسروان، وزاد تمكن الأفرم في نيابة دمشق إلى أن كان يكتب تواقيع بوظائف كبيرة، ويبعثها إلى مصر، ليعلم السلطان عليها.
وكتبت في دمشق على السلطان بالإشارة العالية الأميرية الكافلية الجمالية كافل الشام أعزها الله تعالى. وشكا إليه ضوء بن صباح أحد قصاد الخدمة أن جاميكته نقصت فقال: من فعل ذلك؟ فقال: ابن سعيد الدولة. وكان بان سعيد الدولة إذ ذاك مشير الدولة وجليس السلطان، ومكان ثقته، ولا يعلم الملك المظفر على شيء حتى يكتب عليه ابن سعيد الدولة: يحتاج إلى الخط الشريف، فكتب الأفرم إلى ابن سعيد الدولة هكذا ابتداء: والك يا بن سعيد الدولة! ما أنت إلا ابن تعيس الدولة، وصلت أنك تقطع جوامك القصاد الذين هم عين الإسلام، ومن هذا وشبهه، والله إن عدت تعرضت إلى أحد من الشام بعثت إلى من يقطع رأسك، ويجيء به في مخلاة، وجهز به مملوكا من مماليك على البريد قصدا، وأمره أن يعطيه الكتاب في وسط المحفل، ويقول له من نسبة ما في الكتاب، ففعل ذلك، فدخل إلى السلطان، وأراه الكتاب فقرأه، ثم أطرق زمانا، وقال له: أرض الأفرم، وإلا أنا والله بالبراءة منك، والله إن عمل معك شيئا ما نقدر ننفعك!
ولم يزل على حاله إلى أن حضر السلطان الملك الناصر من الكرك، وقفز الأمراء إليه، وبقي الأفرم في دمشق وحده، فهرب هو والأمير علاء الدين بن صبح إلى شقيف بيروت، ثم إن السلطان آمنه فحضر إلى دمشق فأكرمه وأقره على نيابة الشام في الركوب والوقوف والخدمة، وقراءة القصص، وسافر معه إلى مصر على حاله، ولما استقر جلس السلطان على كرسي الملك أعطى الأفرم صرخد على عادة العادل كتبغا، وأخرج سلار إلى الشوبك.
ونقل إلى السلطان أن الأفرم وسلار يتراسلان فولى الأفرم نيابة طرابلس، وقال له: لا تدخل دمشق، خشية أن تنشب أظافره فيها، ويقول أهلها معه محبة فيه، فتوجه إلى طرابلس وهو على وجل، ويخرج كل ليلة بعد العشاء هو ومن يثق إليه من دار السلطنة إلى مكان ينامون فيه بالنوبة وخيلهم معهم، وربما هوموا على ظهور الخيل.
ثم إنه أتاه مملوك كان له في مصر، وقال له: السلطان رسم لك بنيابة حلب، ورسم لك أن تروح إلى مصر لتلبس تشريفك وتأخذ تقليدك وتعود، فطار خوفا، وكان في مرج، فأتاه في الحال مملوك صهره أدمر الزردكاش يعرفه أنه مأخوذ، ويحرضه على الخروج، فخرج في الحال.
أخبرني القاضي شهاب الدين أحمد بن فضل الله، وحكى لي عماد الدين إبراهيم بن الشيخ شهاب الدين الرومي أن الأفرم ما خرج إلى مرج لاجين، إلا بنية الهروب. قال: وكنت عنده قبل خروجه إلى المرج المذكور يوما، فبينما نحن قعود نأكل إذ جاء إليه مملوك من مماليك قرا سنقر، فسلم عليه، ثم قعد يأكل معه حتى فرغنا، وخرجت المماليك، ولم يبق عنده أحد إلا جمدارية النوبة، وأنا لا غير، فقدم إليه المملوك، وقال له: أخوك يسلم عليك، وقد بعث لك معي هدية، فقال: وأين الكتاب؟ قال: ما معي كتاب، قال: فالمشافهة؟ قال: ما معي مشافهة، ولكن هدية لا غير.
فقال: هاتها، فأخرج خرقة وحلها، وناوله تفاحة، ثم ناوله بعدها مئزرا أسود، ثم ناوله بعدها نصفية هكذا على الترتيب، ثم خرج، فقال له: أقعد، فقال: ما معي دستور أن أقعد بعد إيصال الهدية، فوجم الأفرم، وساره في أذنه، وأعطاه نفقة، وسفره لوقته. فلما خرج قال لي: أتعرف أيش هي الهدية؟ فقال له: لا والله يا خوند، لا يكثر الله له خيرا، قال: اسكت، والك، بعث يقول: إن كنت تريد تشم هواء الدنيا مثل ما تشم هذه التفاحة فأته في الليل الذي هو مثل هذا المئزر، وإلا فهذه النصفية مثل كفنك. قال: فعجبت لسرعة فطنة الأفرم لقصده وما رمز عليه.
وخرج الأفرم ولاقاه الزردكاش، وسارا معا، وعبر الأفرام على مرج الأسل وبه العسكر المصري مجردا لمنعه من اللحاق بقرا سنقر، فلما أشرف على المرج رأى العسكر قال: شدوا لي حماما، وكان حصانا له يعتمد عليه، فركبه وعليه كبر أطلس أحمر وكوفية ورمحه بيده، ثم قال للثقل يكاسرون ويعبرون، فلما عبروا لم يتعرض إليهم أحد، ثم أمر الطلب أن يدخل مفرقا، وقال: لأن هؤلاء إذا دخلوا عليهم وما أنا فيهم ظنوا أنني في الصيد، وما القصد إلا أنا، فما يعارضونهم إليهم، ولما تعدوهم أقبل هو وحده، وشق العساكر، ولم يفطن له أحد، ولا عرف أنه الأفرم. ولما خرجوا من المضيق اجتمعوا، ورفع العصابة فوق رأسه وسار ولم يتبعه أحد، ولما قرب من قراسنقر ما اجتمعا إلا بعد مراسلات عديدة أيمان ومواثيق، لان الأفرم تخيل في نفسه أن قراسنقر عمل هذه الفعلة مكيدة عليه، وكان حزما منه. ولما اجتمعا سارا في البرية وقصدا مهنا بن عيسى، وكان قرا سنقر قد ترامى إلى مهنا، وترامى الأفرم إلى أخيه محمد.
وحكى لي القاضي شهاب الدين، قال: حكى لي سنجر البيروتي، وكان أكبر مماليك الأفرم، قال: لما فارقنا البلاد التفت الأفرم إلى بلاد الشام، وأنشد:
سيذكرني قومي إذا وجد جدهم | وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر |
سيوف سقاها من دماء عداته | وأقمس عن ورد الردى لا يردها |
وأبرزها في أبيض مثل كفه | على أخضر مثل المسن يحدها |
أيا جيرة بالقصر كان لهم مغنى | رحلتم فعاد القصر لفظا بلا معنى |
وأظلم لما غاب نور جماله | وقد كان من شمس الضحى نوره أسنى |
فلا تحسبوا أن الديار وحسنها | زمانكم لا والذي أذهب الحسنى |
لقد كانت الدنيا بكم في غضارة | ونعمى فأعمى الله عينا أصابتنا |
ولا رقت الأصال إلا صبابة | ولا حركت ريح الصبا طربا غصنا |
يعز عليهم بعد داري عنهم | وقد كنت منها قاب قوسين أو أدنى |
وأني ألاقي ما لقيت من الذي | لقلبي قد أصمى وجسمي قد أضنى |
لقد كنتم يا جيرة الحي رحمة | أياديكم تمحو الإساءة بالحسنى |
على قدر الكسا مديت رجلي | وإن طال الكسا مديت زاده |
دار الفكر المعاصر، بيروت - لبنان / دار الفكر، دمشق - سوريا-ط 1( 1998) , ج: 1- ص: 561