عبد الله أبو محمد بن وهب بن مسلم القرشي
أحمد بن علي بن محمد بن سلمان بن حمائل
أحمد بن علي بن محمد بن سلمان بن حمائل
أحد كتاب الإنشاء بدمشق، وسيأتي ذكر جماعة من أهل بيته كل منهم في مكانه.
كان القاضي نجم الدين هذا أكبر من أخيه القاضي جمال الدين عبد الله الآتي ذكره في حرف العين إن شاء الله تعالى، ولكنه لم يتفق له الدخول إلى ديوان الإنشاء إلا بعد أخيه جمال الدين عبد الله بمدة، وكان نجم الدين ينظم القريض غيدعي سامعه أنه أنق من الروض الأريض، وأنه للطافته يأسو به القلب المريض، وتنظر الزهر الثواقب إلى زهرة الغض بطرف غضيض، ويكتب فيوشي برود المهارق بقلمه ويرصع تيجان الطروس بجواهر كلمه، كأنما طروسه وجتات طرز وردها أس العذرار أو قطع من الليل الداجي جرت فيها أنهار من النهار:
زهراء أحلى في النفوس من المنى | وألذ من ريق الأحبة في الفم |
جاء إلى مصر وتوصل بالأمير بدر الدين بن الخطير وتنجز له توقيعا من السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون، وأقام إلى أن حضر القاضي شهاب الدين أحمد بن فضل الله صاحب ديوان الإنشاء بدمشق بعد إمساك الأمير سيف الدين تنكز، فجرت له معه كائنة خرج بسببها من الديوان، ثم إنه توجه إلى مصر وعاد بتوقيع ثان في زمن الملك الصالح إسماعيل.
وقد خرج القاضي شهاب الدين بن فضل الله وعزل، ولم يزل نجم الدين المذكور يكتب في ديوان الإنشاء إلى أن توجه في شهر رمضان سنة ثمان وخمسين وسبع مئة إلى ثغر بيروت لضبط متحصل الموقعين من الميناء. فأقام بها تارة يمرض إلى أن مات بعلة الذرب في أوائل ذي الحجة سنة ثمان وخمسين وسبع مئة، ولم يخلف ابنا غير ابنة صغيرة عمرها تقدير سبعة أشهر.
وكنت قد كتبت إليه وأنا بمرج الغسوبلة:
مولاي نجم الدين يا من فضله | قد عمني بخصائص الإحسان |
أوحشتني في سفرة قضيتها | بالمرج منفردا عن الخلان |
فبكيت لما أن ذكرتك بالدما | حتى ملأت المرج بالمرجان |
شوقي صلاح الدين نحوك لم يزل | مع فرط وجدي آخذا بعناني |
أوحشت عيني منذ سرت ولم تزل | والله يا مولاي نصب عياني |
راسلتني بلطائف يا حسنها | هي في الضمير رسائل الإخوان |
لا كان هذا المرج أجرى عبرتي | في الخد كالبحرين يلتقيان |
لما بكيت الخل صار الدمع في | عنق المحب ’’قلائد العقيان’’ |
أمولاي نجم الدين أوحشت خاطرا | لبعدك بعد القرب والأنس دائب |
فنار الجوى لم يطفها من مدامعي | لفقدك لما غبت عني السحائب |
وقد أظلم الديوان بعدك وحشة | وما حال أفق نجمه عنه غائب |
أيا مالكا لي من علاه رغائب | وفي كل وقت من نداه غرائب |
أتتني أبيات حسان لطائف | فقلبي عليها دائم الوجد ذائب |
وأنت الذي مازلت كالبحر للورى | لنا من أياديك الكرام عجائب |
بغلتي هذه تريد حشيشا | ما أنا وزنه بعقلي المعيشي |
يا إماما قد حاز كل المعاني | طول دهري إليه كل هشيشي |
إن ذاك الحشيش صار يبيسا | فرغاه يا مالكي إكديشي |
مولاي نجم الدين يا من له | خليل ود وهو أزكى حميم |
ما اسم رباعي له أول | إن زال عنه لم نجد غير ميم |
مولاي قد قلدت جيدي حلي | من جوهر اللفظ بعقد نظيم |
أديته من مجر علم له | ذخائر والقلب منها يهيم |
موهت معناه فتم العنا | والبدر يسبي منه تاء وميم |
أصبحت في الديوان وحدي في عنا | وأذى أراه بخاطري وبعيني |
كنا به مستأمنين ولفظنا | من لطفه يدعى بذي السجعين |
وبه صلاح لم يزل مع علمه | تروى معاليه على السمعين |
فنأى فصرا على البلى مستوقفا | أبكي على ما فات بالدمعين |
وبلوت أقواما لبست لأجل ما | أخشاه من تنكيدهم درعين |
حاشاك تصبح في عنى أو في ضنى | نفسي فداؤك في الردى من ذين |
والقصد أن تمسي وتصبح دائما | في صحة ثبتت قرير العين |
فإذا سلمت ودمت لي ما ضرني | من رحت أفقده من الحيين |
أدري محبتك التي صحت وما | رمين بشيء في الوفا من شين |
من صدق ودك تشتهي وتود لو | أصلحت ما بين الزمان وبيني |
ما هذه الفتن التي إن أخمدت | نار أجدت بعدها نارين |
ألقى العدى وحدي وما درعي سوى | صبر تتناهبه ظبى الجمعين |
يا دهر كف فقد كفيت فما أنا | كابن الزبير ولا أبي السبطين |
ومن الذي لم يهتضمه زمانه | أر ما رماه عدوه بالمين |
دع ذا فإقبالي على شأني غدا | أولى لتبرأ ساحتي من ديني |
ما بعد هذا الشيب والسن الذي | أربت على الستين غير الحين |
والله أعدل حاكم بين الورى | وقضاؤه فضل على الخصمين |
دار الفكر المعاصر، بيروت - لبنان / دار الفكر، دمشق - سوريا-ط 1( 1998) , ج: 1- ص: 301