ابن الوكيل محمد بن عمر بن مكي، ابو عبد الله صدر الدين (ابن الرحل) المعروف بابن الوكيل: شاعر، من العلماء بالفقه. ولد بدمياط، وانتقل مع ابيه إلى دمشق، فنشأ فيها. واقام مدة في حلب. وتوفي بالقاهرة. كانت له ذاكرة عجيبة: حفظ المقامات الحريرية في خمسين يوما، ويوان المتنبي في اسبوع. ولي مشيخة دار الحديث الاشرفية بدمشق سبع سنين. قال ابن حجر: كان لايقوم بمناظرة ابن تيمية احد سواه. وصنف (الاشباه والنظائر -خ) في فقه الشافعية. وشرع في شرح (الاحكام) لعبد الحق ابن الخراط، فكتب منه ثلاثة مجلدات تدل على تبحره في الحديث والفقه والاصول. وله شعر وموشحات رقيقة جمعها في ديوان سماه (طراز الدار).

  • دار العلم للملايين - بيروت-ط 15( 2002) , ج: 6- ص: 314

الشيخ صدر الدين محمد بن عمر بن مكي بن عبد الصمد الشيخ الإمام العالم العلامة ذو الفنون البارع صدر الدين ابن المرحل ويعرف في الشام بابن وكيل بيت المال المصري الأصل العثماني الشافعي أحد الأعلام وفريد أعاجيب الزمان في الذكاء والحافظة والذاكرة.

ولد في شوال سنة خمس وستين بدمياط وتوفي بالقاهرة ودفن عند الشافعي سنة ست عشرة وسبع مائة.
رثاه جماعة في الشام ومصر وحصل التأسف عليه، وقال الشيخ الإمام تقي الدين ابن تيمية لما بلغته وفاته: أحسن الله عزاء المسلمين فيك يا صدر الدين. أنشدني من لفظه لنفسه القاضي شمس الدين محمد بن داود ابن الحافظ ناظر جيش صفد:
وهو مأخوذ من قول القائل:
نشأ بدمشق وتفقه بوالده وبالشيخ شرف الدين المقدسي وأخذ الأصول عن صفي الدين الهندي وسمع من القاسم الإربلي والمسلم بن علان وجماعة، وكان له عدة محفوظات قيل أنه حفظ المفصل في مائة يوم ويوم والمقامات الحريرية في خمسين يوما وديوان المتنبي على ما قيل في جمعة واحدة، وكان من أذكياء زمانه فصيحا مناظرا لم يكن أحد من الشافعية يقوم بمناظرة الشيخ تقي الدين ابن تيمية غيره، ناظره يوما في الكلاسة فاضطر الكلام الشيخ تقي الدين إلى أحد الحاضرين وقال له: هذا الذي أقوله ما هو الصواب؟ فأنشده صدر الدين:
وجرت بينهما مناظرات عديدة في غير موضع.
وتخرج به الأصحاب والطلبة وكان بارعا في العقليات وأما الفقه وأصول الفقه فكانا قد بقيا له طباعا لا يتكلفهما، أفتى ودرس وبعد صيته، ولي مشيخة دار الحديث الأشرفية سبع سنين وجرت له أمور وتنقلات وكان مع اشتغاله يتنزه ويعاشر ونادم الأفرم نائب دمشق ثم توجه إلى مصر وقام بها إلى أن عاد السلطان من الكرك في سنة تسع وسبع مائة، فجاء بعدما خلص من واقعة الجاشنكير -فإنه نسب إليه منها أشياء وعزم الصاحب فخر الدين ابن الخليلي على القبض عليه تقربا إلى خاطر السلطان وهو بالرمل فعفا عنه السلطان- وجاء إلى دمشق.
فعمل عليه زمان قراسنقر وتوجه إلى حلب وأقرأ بها ودرس وأقبل عليه الحلبيون إقبالا زائدا وعاشرهم وخالطهم، قال: وصلني من مكارمات الحلبيين في مدة عشر أشهر فوق الأربعين ألف درهم، وأقبل عليه نائبها أسندمر.
وكان محفوظا لم يقع بينه وبين أحد من الكبار إلا وعاد من أحب الناس فيه، وكان حسن الشكل تام الخلق حسن البزة حلو المجالسة طيب المفاكهة وعنده كرم مفرط كل ما يحصل له ينفقه على خلطائه وخلصائه بنفس متسعة ملوكية وكان يتردد إلى الصلحاء ويلتمس دعاءهم ويطلب بركتهم.
أخبرني من لفظه الشيخ شهاب الدين أحمد بن عبد الرحمن العسجدي الشافعي قال: كنت معه وكانت ليلة عيد فوقف له فقير وقال: شيء لله، فالتفت إلي وقال: ايش معك؟ فقلت: مائتا درهم، فقال: ادفعها إلى هذا الفقير، فقلت له: يا سيدي الليلة العيد وما معنا نفقة غد، فقال: امض إلى القاضي كريم الدين الكبير وقل له: الشيخ يهنيك بهذا العيد، فلما رآني كريم الدين قال: كأن الشيخ يعوز نفقة في هذا العيد، ودفع إلي ألفي درهم للشيخ وثلاث مائة درهم لي، فلما حضرت إلى الشيخ وعرفته ذلك قال: صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم ’’الحسنة بعشرة’’ مائتان بألفين. وحكى لي عنه غير واحد ممن كان يختص به مكارم كثيرة ولطفا زائدا وحسن عشرة، وأما أوائل عشرته فما كان لها نظير لكنه ربما يحصل عنده ملل في آخر الحال حتى قال فيه القائل:
وشعره الجيد منه مليح إلى الغاية وربما يقع فيه اللحن الخفي وكان ينظم الشعر والمخمس والدوبيت والموشح والزجل وغير ذلك من أنواع النظم ويأتي فيه على اختلاف الأنواع بالمحاسن.
ومن تصانيفه ما جمعه في سفينة سماه الأشباه والنظائر في الفقه يقال أنه شيء غريب، وعمل مجلدة في السؤال الذي حضر من عند أسندمر نائب طرابلس في الفرق بين الملك والنبي والشهيد والولي والعالم.
ولما كان بحلب حضر الأمير سيف الدين أرغون الدوادار نائب السلطان أظنه متوجها إلى مهنا بن عيسى فاجتمع به هناك وقدم له ربعة عظيمة كان قد وهبها له أسندمر نائب حلب فقال: هذه ما تصلح إلا لمولانا السلطان، ووعده بطلبه إلى الديار المصرية ووفى له بوعده وطلب إلى مصر ولم يزل بها في وجاهة وحرمة إلى أن توفي رحمه الله. وجهزه السلطان رسولا إلى مهنا مع الأمير علاء الدين الطنبغا الحاجب فقال الشيخ: إنه حصل لي تلك السفرة ثلاثون ألف درهم.
ومن شعره قصيدة بائية أولها:
قلت: لو لم يقل الشيخ صدر الدين من الشعر إلا هذا البيت لكان قد أتى بشيء غريب نهاية في البديع لقد غاص فيه على المعنى ودق تخيله فيه
هذا البيت أيضا بديع المعنى دقيقه وقد اعتذر عن تقطيبه بأحسن عذر وأوضحه عما أشار إليه الشعراء في ذلك وقبحوا فعله مثل قول ابن أبي الحداد:
وما أحسن قول ابن رشيق القيرواني:
وتتمة أبيات صدر الدين:
في هذه الأبيات تضمين إعجاز أبيات من قصيدة ابن الخيمي الآتي ذكرها إن شاء الله تعالى.
وقال أيضا:
وهذه القصيدة والتي قبلها حذفت منهما جملة لأن هذا خلاصة ما فيهما. وقال:
وقال وهو في غاية الحسن:
وقال:
وقال:
وقال في مليح به يرقان:
قلت: وهذا مثل قول الوداعي:
وقال:
وقال أيضا:
وقال أيضا:
وقال أيضا:
وقال أيضا:
وقال أيضا:
وقال في مليح يلقب بالحامض:
وقال أيضا:
وقال أيضا:
وقال أيضا:
وقال أيضا:
وقال أيضا:
وقال أيضا:
وقال أيضا:
وقال أيضا:
وقال أيضا رحمه الله تعالى:
قلت: من العجيب أن الباخرزي ذكر في الدمية ترجمة الفقيه أبي نصر عبد الوهاب المالكي أورد فيها قول الشيخ أبي عامر الجرجاني:
أيها الواقف أنعم النظر في ما أوردته وتعجب من هذا الاتفاق وكون صدر الدين ابن الوكيل أخذ هذا المعنى الذي له في البيتين الأولين من قول الجرجاني، والجرجاني أتى بالقول بالموجب في بيتيه خفيا لأنه قال غضب وجر المرهف وقال أنا لك ابن الوكيل وهذا بقرينة تجريد المرهف لفظ تهديد فقلبه الجرجاني وقال بموجبه ونقله إلى التمليك، فأتى به الشيخ صدر الدين واضحا جليا صريحا ظاهرا، ومحل التعجب قوله أنا لك يا ابن الوكيل كأن هذا المعنى قال أنا لك يا ابن الوكيل تنظمني فيجيء أحسن وأبين وتكون أنت أحق بي من الجرجاني، وهذا اتفاق عجيب إلى الغاية ما مر بي مثله والظاهر أن الشيخ صدر الدين لما وقف على هذا المعنى تنبه له وأخذه فكان له وهو به أحق وهذا المعنى قد ابتكره الجرجاني أبو عامر وترك فيه فضلة فجاء الشيخ صدر الدين رحمه الله تعالى وجوده ولم يبق لأحد بعده مطمح إلى زيادة ولا مطمع في إفادة وما بقي إلا اختصار ألفاظه فقط فقلت:
وقال الشيخ صدر الدين:
وقال أيضا دوبيت:
وقال أيضا:
وقال:
وأنا شديد التعجب منه رحمه الله تعالى فإنه لم يكن عاجزا عن النظم الجيد وبعد هذا كان يأخذ أشياء من قصائد ومقاطيع ويدعيها، من ذلك أنه امتدح السلطان بقصيدة عندما فرغ القصر الأبلق من العمارة بقلعة الجبل وهي بمجموعها لابن التعاويذي أولها:
منها:
فغيره وقال: بنيت قصرا. وكان ينظم الشاهد شعرا على الفور إذا احتاج إليه وينشده تأييدا لما قاله وادعاه، من ذلك ما أخبرني به قاضي القضاة العلامة تقي الدين أبو الحسن السبكي عمن أخبره قال: ادعى يوما في الطائفة المنسوبة إلى ابن كرام أنهم الكرامية بتخفيف الراء فقال الحاضرون: المعروف فيهم تشديد الراء، فقال: لا التخفيف والدليل عليه قول الشاعر:
انتهى. قلت: وهذا في البديهة مخرع لا يتفق ذلك لأحد غيره من حسن هذا النظم وإبرازه في هذا القالب، هكذا شاعت هذه الواقعة عن الشيخ صدر الدين في الديار المصرية وكنا نعتقد صحتها دهرا حتى ظفرنا بالبيت المذكور وهو من جملة بيتين من شعر المتقدمين والأول منهما:
وكان الظفر بهذين البيتين في سنة أربع وأربعين وسبع مائة.
وجمع موشحاته وسمى الكتاب طراز الدار وهذا في غاية الحسن لأنه أخذ اسم كتاب ابن سناء الملك وهو دار الطراز فقلبه وقال طراز الدار لأن طراز الدار أحسن ما فيها، وكان الأدب قد امتزج بلحمه ودمه.
حكى لي قاضي القضاة تقي الدين أبو الحسن علي السبكي الشافعي قال: دخلت عليه في مرضه الذي توفي فيه فقلت: كيف تجدك؟ أو كيف حالك؟ فأنشدني:
فكان ذلك آخر عهدي به. أخبرني القاضي شهاب الدين ابن فضل الله قال: وكان عارفا بالطب والأدوية علما لا علاجا، فاتفق أن شكا إليه الأفرم سوء هضم فركب له سفوفا وأحضره، فلما استعمل منه أفرط به الإسهال جدا فأمسكه مماليك الأفرم ليقتلوه، وأحضر أمين الدين سليمان الحكيم لمعالجة الأفرم فعالجه باستفراغ بقية المواد التي اندفعت وأعطاه أمراق الفراريج ثم أعطاه الممسكات حتى صلح حاله، فلما صلحت حاله سأل الأفرم عن الشيخ صدر الدين فأخبره المماليك ما فعلوه به فأنكر ذلك عليهم ثم أحضره وقال له: يا صدر الدين جئت تروحني غلطا، وهو يضحك فقال له سليمان الحكيم: يا صدر الدين اشتغل بفقهك ودع الطب فغلط المفتي يستدرك وغلط الطبيب ما يستدرك، فقال له الأفرم: صدق لك لا تخاطر، ثم قال لمماليكه: مثل صدر الدين ما يتهم والله الذي جرى عليه منكم أصعب مما جرى علي وما أراد والله إلا الخير، فقبل يده وبعث إليه الأفرم لما انصرف جملة من الدراهم والقماش.
وأخبرني أيضا أن الشيخ تقي الدين ابن تيمية كان يقول عنه: ابن الوكيل ما كان يرضى لنفسه بأن يكون في شيء إلا غاية، ثم يعدد أنواعا من الخير والشر فيقول: في كذا كان غاية وفي كذا كان غاية.. قال: ولما أنكر البكري استعارة البسط والقناديل من الجامع العمري بمصر لبعض كنائس القبط في يوم من أيام مهماتهم ونسبت هذه الفعلة إلى كريم الدين وفعل ما فعل ثم طلع إلى حضرة السلطان وكلمه في هذا وأغلظ في القول له وكاد يجوز ذلك على السلطان لو لم يحل بعض القضاة الحاضرين على البكري وقال: ما قصر الشيخ كالمستزري به والمستهزئ بنكيره، فحينئذ أغلظ السلطان في القول للبكري فخارت قواه وضعف ووهن فازداد تأليب بعض الحاضرين عليه فأمر السلطان بقطع لسانه، فأتى الخبر إلى الشيخ صدر الدين وهو في زاوية السعودي فطلع إلى القلعة على حمار فاره اكتراه قصدا للسرعة فرأى البكري وقد أخذ ليمضي فيه ما أمر به فلم يملك دموعه أن تساقطت وفاضت على خده وبلت لحيته فاستمهل الشرطة عليه ثم أنه صعد الإيوان والسلطان جالس به وتقدم إلى السلطان بغير استئذان وهو باك فقال له السلطان: خير يا صدر الدين، فزاد بكاؤه ونحيبه ولم يقدر على مجاوبة السلطان فلم يزل السلطان يرفق به ويقول له: خير ما بك، إلى أن قدر على الكلام فقال له: هذا البكري من العلماء الصلحاء وما أنكر إلا في موضع الإنكار ولكنه لم يحسن التلطف، فقال له السلطان: إي والله أنا أعرف هذا ما هذا إلا حطبة، ثم انفتح الكلام ولم يزل الشيخ صدر الدين يرفق السلطان ويلاطفه حتى قال له: خذه وروح، فأخذه وانصرف، هذا كله والقضاة حضور وأمراء الدولة ملء الإيوان ما فيهم من ساعده ولا أعانه إلا أمير واحد شذ عني اسمه.
وحدث عنه من كان يصحبه في خلواته أنه كان إذا فرغ مما هو فيه قام فتوضأ ومرغ وجهه على التراب وبكى حتى يبل ذقنه بالدموع ويستغفر الله ويسأله التوبة حتى قال بعضهم: لقد رأيته وقد قام من سجوده ولصق بجدار الدار كأنه اسطوانة ملصقة.
وللشيخ صدر الدين ابن الوكيل رحمه الله تعالى ديوان موشحات منها قوله يعارض السراج المحار:
#قاسوا غلطا من حاز حسن البشر #بالبدر يلوح في دياجي الشعر #لا كيد ولا كرامة للقمر
#الصحة والسقام في مقلته #والجنة والجحيم في وجنته #من شاهده يقول من دهشته
#قد أنبته الله نباتا حسنا #وازداد على المدى سناء وسنا #من جاد له بروحه ما غبنا
#في نرجس لحظه وزهر الثغر #روض نضر قطافه بالنظر #قد دبج خده بنبت الشعر
#أحيى وأموت في هواه كمدا #من مات جوى في حبه قد سعدا #يا عاذل لا أترك وجدي أبدا
#القد وطرفه قناة وحسام #والحاجب واللحاظ قوس وسهام #والثغر مع الرضاب كأس ومدام
وأما الموشحة التي للسراج المحار فهي:
#ما أومض بارق الحمى أو خفقا #إلا وأجد لي الأسى والحرقا #هذا سبب لمحنتي قد خلقا
#أضنى جسدي فراق إلف نزحا #أفنى جلدي ودمع عيني نزحا #كم صحت وزند لوعتي قد قدحا
#أهوى قمرا حلو مذاق القبل #لم يكحل طرفه بغير الكحل #تركي اللحظات بابلي المقل
#ما حط لثامه وأرخى شعره #أو هز معاطفا رشاقا نضره #إلا ويقول كل راء نظره
#ما أبدع معنى لاح في صورته #أيناع عذاره على وجنته #لما سقي الحياة من ريقته
والمحار عارض بهذا قول أحمد بن حسن الموصلي وهو:
#لما برزت في الدوح تشدو وتنوح #أضحى دمعي بساحة السفح سفوح #والفكر نديمي في غبوق وصبوح
#ما لاح بريق رامة أو لمعا #إلا وسحاب عبرتي قد همعا #والجسم على المزمع هجري زمعا
#قلبي لهوى ساكنه قد خفقا #والوجد حبيس واصطباري طلقا #والصامت من سري بدمعي نطقا
#فالورد مع الشقيق من خديه #قد صانهما النرجس من عينيه #والآس هو السياج من صدغيه
#الصاد من المقلة من حققه #والنون من الحاجب من عرقه #واللام من العارض من علقه
#الملحة لمع الصلت بالإيضاح #والغرة بالتبيان كالمصباح #والمنطق نثر الدر بالإصلاح
#ما أبدع وضع الخال في وجنته #خط الشكل الرفيع من نقطته #قد حير إقليدس في هيئته
وقلت أنا معارضا لذلك وزدته توشيح الحشوات:

  • دار فرانز شتاينر، فيسبادن، ألمانيا / دار إحياء التراث - بيروت-ط 1( 2000) , ج: 4- ص: 0

محمد بن عمر بن مكي ابن عبد الصمد بن عطية بن أحمد، القرشي الأموي العثماني، الشيخ الإمام المفسر المحدث الأصولي النحوي الأديب الفاضل المفتن:

صدر الدين أبو عبد الله الشافعي الأشعري المعروف بابن الوكيل وبابن المرحل وبابن الخطيب.
أفتى وهو ابن اثنتين وعشرين سنة، وتفقه بوالده وبالشيخ شرف الدين المقدسي، وبالشيخ تاج الدين عبد الرحمن الفزاري، وقرأ الأصولين على الشيخ صفي الدين الهندي، والنحو على بدر الدين بن مالك.
وكان له عدة محافيظ، وحفظ المفصل في مئة يوم، وكتب له عليه الشيخ شرف الدين: قرأه في مئة لا أراني الله له يوما، وحفظ ديوان المتنبي في جمعة، والمقامات في خمسين يوما، وكان لا يمر بشاهد من كلام العرب إلا حفظ القصيدة التي ذلك البيت منها.
وسمع الحديث من القاسم الإربلي، والمسلم بن علان. وسمع الكتب الستة على أشياخ عصره.
ولما باشر مشيخة دار الحديث روى قطعة كبيرة من صحيح مسلم عن الأمين الإربلي والعامري والمزي.
وكان ذكيا نظارا حافظا، يسرد في كل فن أسفارا، لا يقوم أحد لجداله، ولا يرى في عصره أحد من رجاله، مكثرا من جميع الفنون، يستحضر الأسانيد والمتون. ولم يكن يقوم بمناظرة العلامة تقي الدين بن تيمية سواه، ولا يعترض كالشجى في حلقه فيما أورده ورواه، ولما بلغته وفاته قال: أحسن الله عزاء المسلمين فيك يا صدر الدين. وتناظرا يوما بالكلاسة خلف العزيزية، فأخذ الشيخ تقي الدين يستشهد ببعض الحاضرين، فقال الشيخ صدر الدين:
ولم يقم أحد بمناظرته، ولا قام الى منافرته.
أما التفسير: فابن عطية عنده مبخل، والواحدي شارك العي لفظه فتميل.
وأما الحديث: فلو رآه ابن عساكر لانهزم وانضم في زوايا تاريخه وانجزم، أو ابن الجوزي لبس من الغيرة غيارا، وانكسر قلبه لما خرج من قشوره ولم يجد لله عيارا.
وأما الفقه: فلو أبصره المحاملي محا ما تحمل من غرائب فاض النقل عنه وما نضب، ورجع عما قال به من استحباب الوضوء من الغيبة وعند الغضب، أو القفال لما فتح له من الفقه باب، ولرجع من أول الأمر الى الاعتدال عن الاعتزال وتاب، أو الروياني لما عبر له رؤيا، ورأى أن بحره قد صار وشلا واستحيا:
وأما الأصول: فلو رآه ابن فورك لفرك عن طريقته، وقال بعدم المجاز الى حقيقته، وإمام الحرمين لتأخر عن مقامه، ورأى الرجوع عن الإرشاد من كلامه.
وأما النحو: فلو عاصره عنبسة الفيل لكان مثل ابن عصفور، أو أبو الأسود لكان ظالما، وذنبه غير مغفور.
وأما الأدب: فلو رآه الجاحظ لأمسى لهذا الفن وهو جاحد، أو الثعالبي لراغ عن تصانيفه، وما اعترف منها بواحد.
وأما الطب: فلو شاهده ابن سينا لما أطرب قانونه، أو ابن النفيس لعاد نفيسا قد ذهب نونه.
وأما الحكمة: فالنصير الطوسي عنه مخذول، والكاتبي دبيران أدبر عنه وحده مفلول.
وأما الشعر: فلو جاراه ابن سناء الملك فنيت ذخيرة مجاراته وحقائقه، أو ابن الساعاتي ما وصل الى درجه، وانتهى الى دقائقه.
وأما الموشحات: فلو وصل خبره الى الموصلي لأصبح مقطوع الذنب، أو ابن زهر لما رأى له في السماء نجما إلا هوى، ولا برجا إلا انقلب.
وأما البلاليق: فابن كلفة عنده يتكلف، وابن مدغليس يغلس للسعي في ركابه وما يتخلف.
هذا الى غير ذلك من معارف وفنون كان لحواصلها عنده مصارف.
وكان رحمه الله تعالى محظوظا، وبعين المحبة ملحوظا، قل أن وقع بينه وبين أحد وما عاد له وليا، وأصبح لمسامرته نجيا. وقع بينه وبين الأعسر، وكان إذا رآه ينسر، ووقع بينه وبين الأفرم، ثم أصبح عنده وهو الأعز الأكرم، وغضب السلطان الملك الناصر محمد عليه غضبا لا يقوم له غير سفك دمه، ثم أصبح عند رؤيته وهو لا يمشي إلا على قدمه.
ولم يزل على حاله الى أن رحل ابن المرحل الى دار القرار، وأصبح سيف لسانه وهو مفلول الغرار.
وتوفي رحمه الله تعالى في بكرة نهار الأربعاء رابع عشري ذي الحجة سنة ست عشرة وسبع مئة، ودفن بالقرب من الشيخ محمد بن أبي جمرة بتربة القاضي فخر الدين ناظر الجيش بالقرافة.
ومولده في شوال سنة خمس وستين وست مئة بدمياط، وقيل: بأشموم.
ورثاه جماعة من الأفاضل، وتأسف الناس عليه.
وأنشدني من لفظه لنفسه القاضي شمس الدين محمد بن داود ابن الحافظ ناظر جيش صفد يرثيه:
قلت: وهو مأخوذ من قول الأول:
ونشأ الشيخ صدر الدين رحمه الله تعالى بدمشق، ونبغ وظهر واشتهرت فضائله ومناظراته، ودرس بالمدارس الكبار، واشتهر صيته. ولما دخل الناس في الجفل أيام غازان وعلماء الشام كبارهم وصغارهم، فلم يقعد صدر الدين ثلاثة أيام حتى أعطي تدريس المشهد فيما أظن.
وكانت له وجاهة وتقدم عند الدولة، ونادم الأفرم وغيره، وركب البريد الى مصر في أيام الجاشنكير، واجتمع هو وابن عدلان وأفتوا بأن الملك الناصر محمد لا يصلح للملك، ورمي بأنه نظم قصيدة هجا بها السلطان، ومن جملتها:
وعمل أعداؤه الى أن أوصلوا القصيدة الى السلطان، فكانت في سولفه يخرجها كل يوم، ويقرؤها، وأراد الصاحب فخر الدين بن الخليلي القبض عليه تقربا الى الملك الناصر، فلما أحس بذلك هرب هو الى السلطان، وجاء إليه وهو على غزة، حكى قاضي القضاة جلال الدين القزويني، قال: بينما أنا جالس عند السلطان بغزة فإذا بالأمير سيف الدين بكتمر الحاجب قد دخل، وقال: يا خوند صدر الدين بن الوكيل فقال: يحضر فلما دخل به بكتمر الحاجب قال له: بس الأرض، فقال: مثلي ما يبوس الأرض إلا لله تعالى. فقال: فجمعت ثيابي لئلا تلحقني طراطيش دمه، لما نعلمه من أنفاس السلطان فيه، فقال له: والك، أنت فقيه تركب على البريد، وتروح من دمشق الى مصر لتدخل بين الملوك وتغير الدول وتهجوني؟ فقال: حاشى لله يا خوند، وإنما أعدائي وحسادي نظموا ما أرادوا على لساني، ولكن هذا الذي قلته أنا، وأخرج قصيدة تجيء مئة بيت، وأنشدها في وزن تلك ورويها، فأعجب السلطان وعفا عنه.
قال جلال الدين: ولما أصبحنا وسارت العساكر والجيوش والسلطان رايح والى جانبه صدر الدين بن الوكيل، فتعجبنا من ذلك، ولما عاد الى مصر، وطلبه من حلب، عظمه السلطان، كان إذا رآه وعليه الخلعة يقول: الله، إن هذا صدر الدين إلا شكل مليح مجمل التشاريف التي يلبسها.
وقد جرى له مع السلطان في قضية البكري ما جرى، وخلصه منه بعدما أمر بقطع لسانه. وقد ذكرت ذلك في ترجمة البكري.
وباشر بدمشق مدارسها الكبار، ودار الحديث الأشرفية والشامية البرانية والجوانية والعذراوية، والخطابة بالجامع الأموي، ولكنه لم يصل في المحراب إلا يومين، حتى قام الشيخ تقي الدين بن تيمية وغيره من المتعصبين عليه حتى عزل، وأثبت قاضي القضاة شمس الدين الحريري محضرا بعدم أهليته للخطابة.
وكان الشيخ صدر الدين في القاهرة لما توفي زين الدين الفارقي خطيب الجامع الأموي في تاريخ وفاته على ما يأتي في ترجمته، وكان الأفرم غائبا في الصيد، فلما عاد عين الشامية ودار الحديث للشيخ كمال الدين بن الشريشي، وعين الناصرية للشيخ كمال الدين بن الزملكاني عوضا عن ابن الشريشي، وعين الخطابة للشيخ شرف الدين الفزاري، وأمره بالإمامة والخطابة، فباشر وخطب جمعتين، ولازم الإمامة عشرة أيام، فوصل البريد يوم الإثنين منتصف شهر ربيع الأول سنة ثلاث وسبع مئة ومعه توقيع بجميع جهات الشيخ زين الدين للشيخ صدر الدين بن الوكيل مضافا الى ما بيده من المدرستين، فشق على الناس خروج الشيخ شرف الدين من الخطابة بعد مباشرته وكماله وصلاحه وجودة قراءته وحسن أدائه، ووصل الشيخ صدر الدين بعد ذلك على البريد، وسلم على الأفرم بالقصر، وحضر الى الجامع، ودخل الى دار الخطابة، وهنأه الناس على العادة، وصلى بالناس العصر، وبقي يومين يباشر الإمامة، فأظهر جماعة التألم من خطابته، واجتمعوا بالأفرم، فمنعه من الخطابة، وأقره على المدارس الثلاث. ثم إنه وصل توقيع بالخطابة للشيخ شرف الدين من القاهرة. ثم إن الشامية البرانية انتزعت منه أيضا للشيخ كمال الدين ابن الزملكاني.
وفي أيام قراسنقر ونيابته على دمشق قام على صدر الدين جماعة من الفقهاء، ونازعوه في المدارس التي بيده، وحصل له من قراسنقر أذى كثير، وخاف على نفسه منه، فتوجه الى قاضي القضاة تقي الدين الحنبلي، وطلب منه الحكم بإسلامه، وحقن دمه، وإسقاط التعزيز عنه، والحكم بعدالته واستحقاقه المناصب فحكم له بذلك، ثم ورد المرسوم من مصر بعزله من سائر جهاته، وبقي بطالا.
ولما فرغ شهر رمضان سنة عشر توجه الى حلب، وأقبل عليه أسندمر نائب حلب إقبالا زائدا، وطلبه يوما قبل صلاة الجمعة، وسأله عن تفسير قوله تعالى: {والنجم إذا هوى} فقال: الوقت يضيق عن هذا، لأن هذه الآية يحتمل تفسيرها ثلاثة أيام، فوهبه نسخة مليحة بأسد الغاب في ذكر الصحاب لابن الأثير، وأقام بحلب عشرة أشهر فقال: الذي حصل لي من مكارمات الحلبيين في هذه المدة أربعون ألف درهم. ولما جاء أرغون الدوادار الى حلب كان عنده ربعة مليحة الى الغاية فقدمها له، فقال أرغون: يا شيخ هذه ما تصلح إلا للسلطان، وإذا عدت الى مصر ذكرتها للسلطان الملك الناصر، وطلبتك فوفي له بما وعده، ودرس بمصر بالمشهد الحسيني وبالزاوية المعروفة بابن الجميزي، ولما قدم مصر في الجفل أفهم أمراء الدولة أنه ليس في مصر مثله، وادعى علما كبيرا، وطلب المناظرة، وحضر الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد، وكان صدر الدين قد رتب شيئا، فلما شرع فيه قال الشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد: هذا كلام معبأ، وقال: يقرأ شخص آية فقرأ شخص آية، وذكر الشيخ سؤالا، فشرع صدر الدين يتكلم، فانتدب له عز الدين النمراوي، فقال له الشيخ تقي الدين: التزم هذا يا غر، هذا جيد. وانفصل المجلس، والشيخ صدر الدين مغلوب.
ولما عاد الى القاهرة بعد مجيء الناصر من الكرك ولاه السلطان الملك الناصر تدريس الناصرية بين القصرين، وهو أول من درس بها، وجهزه السلطان الملك الناصر رسولا الى مهنا، فقال: حصل لي في هذه السفرة ثلاثون ألف درهم. وأظنه توجه إليه مرتين في سنة ثلاث عشرة، وجمع كتاب الأشباه والنظائر ومات ولم يحرره، فلذلك ربما وقعت فيه أغلاط. قال مولانا قاضي القضاة تاج الدين السبكي مثل حكايته عن بعض الأئمة وجهين فيما إذا كشف عورته في الخلاء زائدا على القدر المحتاج هل يأثم على كشف الجميع أو على القدر الزائد. وهذا لم نره في كتاب ويشبه أن تكون زلة قلم الى غير ذلك.
وكان شيخنا العلامة قاضي القضاة تقي الدين السبكي الشافعي رحمه الله تعالى يثني عليه ويقول: فاضل عصره. قال: دخلت عليه في المرض الذي توفي فيه رحمه الله تعالى، فقلت له: كيف تجدك؟ وكيف حالك؟ فأنشدني:
وكان ذلك آخر عهدي به.
وقال القاضي شهاب الدين بن فضل الله: كان ابن الوكيل عارفا بالطب علما لا علاجا، فاتفق أن شكا إليه الأفرم سوء هضم، فركب له سفوفا، وأحضره، فلما استعمله أفرط به الإسهال جدا، فأمسكه مماليك الأفرم ليقتلوه، فأحضر أمين الدين سليمان الحكم لمعالجة الأفرم، فعالجه باستفراغ بقية المواد التي اندفعت، وحركها الشيخ صدر الدين، وأعطاه أمراق الفراريج، ثم أعطاه المقبضات حتى صلحت حاله. ولما عاد الأفرم الى وعيه سأل عن الشيخ صدر الدين بن الوكيل، فأخبره المماليك ما فعلوه به، فأنكر ذلك عليهم، وقال: أحضروه، فلما حضر قال: يا شيخ صدر الدين جئت أروح معك غلطا، وهو يضحك. فقال له سليمان الحكيم: يا صدر الدين اشتغل بفقهك، ودع الطب فغلط المفتي يستدرك، وغلط الطبيب ما يستدرك، فقال الأفرم: صدق لك لا تخاطر. ثم قال لمماليكه: مثل صدر الدين ما يتهم: والله الذي جرى عليه منكم أصعب من الذي جرى علي، وما أراد والله إلا الخير. فقبل يده، وبعث إليه الأفرم لما انصرف جملة من القماش والدراهم.
وأخبرني أيضا قال: كان الشيخ تقي الدين بن تيمية يقول عنه: ابن الوكيل ما يرضى لنفسه أن يكون في شيء إلا غاية، ثم يعدد أنواعا من الخير والشر فيقول: كان في كذا غاية، وفي كذا غاية. انتهى.
قلت: وكان فيه لعب ولهو، ومع ذلك فحكى لي عنه جماعة ممن صحبه ونادمه في خلواته أنهم إذا فرغوا من حالهم قام وتوضأ ولبس قماشا نظيفا وصلى وبكى ومرغ وجهه على الأرض والتراب، وبكى حتى بل لحيته بدموعه، واستغفر وسأل الله التوبة والمغرفة، حتى قال بعضهم: لقد رأيته قد قام من سجوده ولصق بجدار الدار كأنه أسطوانة ملصقة. وكان إذا مرض غسل ديوانه.
وكان قادرا على النظم من القريض والموشح والزجل والبليق والدوبيت والمواليا والكان وكان، لا يفوته شيء ولا يعجزه، وهو في جميع هذه الأنواع مطبوع، له غوص على المعاني، ومع ذلك فكان ينتحل أشياء ويدعيها.
حكى لي شيخنا الحافظ ابن سيد الناس، أنشدني مرة قصيدة عينية منها قوله:
#يا رب جفني قد هجاه هجوعه ومنها:
قال: ثم إني اجتمعت بالشهاب العزازي، وأنشدته إياها، فقال: هذه لي، وأنشدني إياها من أولها الى آخرها. انتهى.
قلت: ولما عمر السلطان الملك الناصر محمد القصر الأبلق بقلعة الجبل دخل إليه الشيخ صدر الدين، وأنشده:
منها:
وهذه القصيدة بمجموعها لابن التعاويذي، وهي في ديوانه، وإنما ابن التعاويذي قال: بنيت دارا، فغيره ابن الوكيل، وقال: بنيت قصرا.
وشاع عنه أنه كان ينظم الشاهد على ما يدعيه في الوقت وينشده، من ذلك قال شيخنا العلامة قاضي القضاة تقي الدين السبكي رحمه الله تعالى عمن أخبره قال: ادعى ابن الوكيل يوما في الطائفة المنسوبة الى ابن كرام أنهم الكرامية - بتخفيف الراء - فقال الحاضرون: المعروف فيهم بتشديد الراء، فقال: التخفيف، والدليل عليه قول الشاعر:
واستمرت هذه الحكاية في ذهني، وأنا لا أشك في أنه وضعه، فما كان بعد مدة ظفرت ببيتين من شعر المتقدمين وأولهما:
فاستغفرت الله تعالى من ذلك الخاطر، وسألت الله تعالى له المغفرة والرحمة، وكان ظفري بهذين البيتين في سنة أربع وأربعين وسبع مئة، وما يبعد أنه كان يجازف في النقل وأخذه.
قيل: إنه دخل الى الأفرم يوما، وقال: يا خوند أنا أنقل للأسد ثلاثة آلاف اسم.
قلت: وهذا مبالغة عظيمة، والذي وقفت عليه في مجموع للأسد خمس مئة اسم، ولولده الشبل ثلاث مئة اسم الجملة ثمان مئة اسم.
والجيد من شعره طبقة عليا، على أن شعره يقع في اللحن الخفي، على أنه بلغني عن مجد الدين التونسي أنه قال يوما: ما اجتمعت بالشيخ صدر الدين إلا واستفدت منه فائدة في العربية، ولما توجه الى حلب وجد شيخنا علم الدين طلحة مستحضرا للعربية جيدا، لكنه كان يعرف الحاجبية وشروحها، وهي دائرة ضيقة، فأخذ الشيخ صدر الدين شرح السيرافي لكتاب سيبويه، وأخذ يطالعه وينقل منه ما طم طلحة، وغطاه. وسبب اللحن الخفي الذي كان يقع له إنما اشتغل بالنحو وهو كبير السن، والنحو علم صغر يحتاج الى أن يمتزج باللحم والدم، وأنشدني كثيرا من شعره الشيخ شهاب الدين العسجدي، وقال: كنت معه. وكانت ليلة عيد، فوقف له فقير، وقال: شيء لله؟ فالتفت إلي وقال: إيش معك؟ فقلت: مئتا درهم. فقال ادفعها الى هذا الفقير. فقلت له: يا سيدي الليلة العيد، وما معنا ما ننفقه غدا. فقال لي: امض الى القاضي كريم الدين، وقل له: الشيخ يهنئك بهذا العيد. فدفع إلي ألفي درهم، وقال: هذه للشيخ، وكأنه يعوز نفقة في هذا العيد، ولك أنت ثلاث مئة درهم، فلما حضرت بالدراهم من عند كريم الدين الى الشيخ، قال: صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم، الحسنة بعشرة، هذه مئتان بألفين.
وكان هذا شهاب الدين العسجدي والقاضي علم الدين سليمان بن ابراهيم المستوفي، وكانا به خصيصين، وحكيا لي عن مكارمه وعن صدقاته وبره للفقراء والصالحين أمرا عظيما، وحكى لي عن أوائل عشرته أنها تكون في غاية اللطف والإقبال الزائد على صاحبه، ثم إذا طالت استحال، ولهذا قال فيه بعضهم:
وجميع موشحاته، وسماه طراز الدار، وهذه تسمية بديعة، قلب فيها تسمية موشحات ابن سناء الملك، لأنه سمي ديوانه دار الطراز:
ومن شعره - وهي من غرر قصائده:
قلت: لو لم يقل الشيخ صدر الدين من الشعر إلا هذا البيت لكان قد أتى بشيء غريب نهاية في البديع، لقد غاص فيه على المعنى، ودق تخيله فيه، وهذا شعر فقيه.
قلت: وهذا البيت أيضا بديع المعنى دقيقه، وقد اعتذر عن تقطيبه بأحسن عذر، وأوضحه، وقد أشار الى ذلك الشعراء وقبحوا فعله قال ابن أبي الحديد:
وما أحسن قول ابن رشيق:
رجع القول الى تتمة أبيات ابن الوكيل:
قلت: في هذه الأبيات تضمين أعجاز أبيات من القصيدة البائية التي لابن الخيمي، وأولهما:
وقد ذكرت القصيدة وما قيل في وزنها، وواقعتها بين ابن الخيمي وابن إسرائيل في ترجمة ابن الخيمي في تاريخي الكبير.
ومن شعره صدر الدين رحمه الله تعالى:
وهذه القصيدة طويلة، ولكن هذا أحسن ما فيها.
وقال أيضا:
وقال أيضا:
قلت: أخذه من قول الأول:
وقال دوبيت:
وقال أيضا:
وقال أيضا:
قلت: أخذه من قول الأول:
وقال:
وقال:
وقال:
وقال:
وقال في مليح به يرقان:
قلت: هو مثل قول الوداعي، وفيه زيادة:
ذكرت أنا هنا باليرقان ما قلته، وقد حصل لي يرقان، وطول في مدته في سنة خمس وخمسين وسبع مئة:
وقلت أيضا:
وقلت:
وقلت من أبيات:
ومن شعر الشيخ صدر الدين - وهو عجيب:
قلت: من أعجب ما مر بي أنا الباخرزي في دمية لقصر لما ذكر في ترجمة الفقير أبي نصر عبد الوهاب المالكي أورد فيها قول الشيخ أبي عامر الجرجاني:
أيها الواقف أنعم النظر فيما أوردته، وتعجب من هذا الاتفاق، كون صدر الدين بن الوكيل أخذ هذا المعنى الذي له من قول الجرجاني، والجرجاني أتى بالقول الموجب في بيتيه خفيا، لأنه قال: غضب، وجرد المرهف، وقال: أنا لك يا بن الوكيل، وهذا بقرينة تجريد المرهف تهديد، فقلب الجرجاني، وقال بموجبه، ونقله الى التمليك، فأخذه صدر الدين، وأتى به واضحا جليا صريحا ظاهرا، ومحل التعجب قوله: أنا لك يا بن الوكيل، كأن هذا المعنى قال: أنا لك يا بن الوكيل تنظمني فتجيء أحسن وأبين، وتكون أنت أحق بي من الجرجاني، وهذا اتفاق غريب الى الغاية، ما مر بي مثله، والظاهر أن الشيخ صدر الدين لما وقف على هذا المعنى تنبه له فكان له، وهو به أحق، وهذا المعنى قد ابتكره الجرجاني أبو عامر، وترك فيه فضلة، فجاء الشيخ صدر الدين رحمه الله تعالى، وأخذه وجوده، ولم يبق لأحد معه مطمع الى زيادة، ولا مطمح في إفادة، وما بقي إلا الاختصار فقط، فلهذا قلت أنا فيه مختصرا:
وقال الشيخ صدر الدين رحمه الله تعالى:
واشتهر شعر الشيخ صدر الدين في حياته كثيرا، وتناقله الناس، وتداولوه، ومما اشتهر له من الموشحات قوله يعارض السراج المحار، وهو:
#قاسوا غلطا من حاز حسن البشر #بالبدر يلوح في دياجي الشعر #لا كيد ولا كرامة للقمر
#الصحة والسقام من مقلته #والجنة والجحيم في وجنته #من شاهده يقول من دهشته:
#قد أنبته الله نباتا حسنا #وازداد على المدى سناء وسنا #من جادله بروحه ما غبنا
#في نرجس لحظه وزهر الثغر #روض نضر قطافه بالنظر #قد دبج خده نبات الشعر
#أحيا وأموت في هواه كمدا #من مات جوى في حبه قد سعدا يا عاذل لا أترك وجدي أبدا
#القد وطرفه قناة وحسام #والحاجب واللحاظ قسي وسهام #والثغر مع الرضاب كاس ومدام
قلت: لا يخفى على الفطن ما فيه من اللحن الخفي والألفاظ النازلة، وقد تكررت من لفظة ثان. ولما وقف الشيخ تقي الدين بن تيمية على هذا الموشح وانتهى الى قوله: يستأهل من يهم بالسلوان ضرب العنق قال: لا يا شيخ صدر الدين، يستأهل من يقول بالصبيان.
وأما موشحة السراج المحار فهي:
#ما أومض بارق الحمى أو خفقا #إلا وأهاج لي البكا والأرقا #هذا سبب لمحنتي قد خلقا
#أضنى جسدي فراق إلف نزحا #أفنى جلدي ودمع عيني نزحا #كم صحت وزند لوعتي قد قدحا
#أهوى قمرا حلو مذاق القبل #لا يكحل طرفه بغير الكحل #تركي اللحظ بابلي المقل
#ما حط لثامه وأرخى شعره #أو هز معاطفا رشاقا نضره #إلا ويقول كل راء نظره
#ما أبدع معنى لاح في صورته #إيناع عذاره على وجنته #لما سقي الحياة من ريقته
قلت: لا يخفى على الناظم أن هذا أجزل ألفاظا، وأحكم من موشحة صدر الدين.
والسراج المحار عارض بموشحته موشحة أحمد بن حسن الموصلي صاحب الموشحات المشهورة، وهي:
#لما برزت في الدوح تشدو وتنوح #أضحى دمعي بساحة السفح سفوح #والفكر نديمي في غبوق وصبوح
#ما لاح بريق رامة أو لمعا #إلا وسحاب عبرتي قد همعا #والجسم على المزمع هجري زمعا
#قلبي لهوى ساكنه قد خفقا #والوجد حبيس واصطباري طلقا #والصامت من سري بدمعي نطقا
#فالورد مع الشقيق من خديه #قد صانهما النرجس من عينيه #والآس هو السياج من صدغيه
#الصاد من المقلة من حققه #والنون من الحاجب من عرقه #واللام من العارض من علقه
#الملحة لمع الصلت بالإيضاح #والغرة بالتبيان كالمصباح #والمنطق نثر الدر بالإصلاح
#ما أبدع وضع الخال في وجنته #خط الشكل الرفيع من نقطته #قد حير إقليدس في هيئته
قلت: في هذه الموشحة ألفاظ تحتاج معانيها الى مشاحة، وموشحة الشيخ صدر الدين على كل حال خير منها، وموشحة المحار خير من الاثنين.
وقد خطر لي أنا نظم موشحة في هذه المادة، وقد زدت الحشوات توشيحا، وهي:
قلت: والشيخ صدر الدين رحمه الله تعالى قد عارض المحار في أكثر موشحاته، فيندر له المطلع أو حشوه، ثم إنه يسقط من الثريا الى الثرى كقوله:
#عشقته كوكبا من الصغر #أأترك الوجد وهو كالقمر #ديباج ديباجته بالشعر #زيدت طرازا كالرقم الإبر
#ولو تقاس الكؤوس بالثغر #وبالثنايا الحباب كالدرر #لفضل الثغر صحة النظر #والصرف في مطعم وفي عطر
#كل دم الناس فوق وجنته #قد سفكتها سهام مقلته #العفو من نبلها وحدته #لو صب بهرام كل جعبته
#وسودها يا حكيم خذ بيدي #أمضى من البيض مع بني أسد #لو قيس ما فك محكم الزرد #من كل ماضي الغروب غير صد
#قد سلب الظبي حسن لفتته #كما سبى الغصن حسن خطرته #والشمس خجلى من نور طلعته #والبدر في حسنه وبهجته

  • دار الفكر المعاصر، بيروت - لبنان / دار الفكر، دمشق - سوريا-ط 1( 1998) , ج: 5- ص: 5

محمد بن عمر بن مكي بن عبد الصمد بن عطية محمد بن عمر بن مكي بن عبد الصمد بن عطية بن أحمد الأموي صدر الدين ابن الوكيل وابن المرحل ويقال له ابن الخطيب أيضا ولد في شوال سنة 65 بدمياط وقيل بأشموم وسمع من المسلم بن علان والقاسم الاربلي وغيرهما وتفقه بأبيه وبشرف الدين المقدسي وتاج الدين ابن الفركاح وأخذ عن بدر الدين ابن مالك والصفي الهندي وتقدم في الفنون وفاق الأقران وقال الشعر فلم يتقدمه فيه أحد من أبناء جنسه وأتى فيه بالمرقص والمطرب وكان أعجوبة في الذكاء حفظ المفصل في مائة يوم وكتب له عليه الشيخ شرف الدين المقدسي قرأه في مائة يوم لا أراني الله له يوما وحفظ ديوان المتنبي في جمعة والمقامات في كل يوم مقامة وكان لا يمر بشاهد للعرب إلا حفظ القصيدة كلها وكان نظارا مستحضرا أفتى وهو ابن عشرين سنة وكان لا يقوم بمناظرة ابن تيمية أحد سواه حتى أنهما تناظرا يوما بالكلاسة فاستشهد ابن تيمية بعض الحاضرين فأنشد الصدر في الحال

ودرس بالمدارس الكبار مثل دار الحديث الأشرفية والشامية البرانية والجوانية والعذراوية وجرت له كائنات منها أنه أقام بمصر مدة يدرس بعدة أماكن منها فسعى عليه جماعة في جهاتها بالشام فولي الأمين سالم إمام مدرسة ابن هشام الشامية والصدر سليمان الكردي العذراوية واتفق وصول ابن الوكيل بعد ذلك بجمعة فسعى عند سندمر نائب حماة فأعيدتا له ثم اتفق سندمر إلى حماة فسعى الصدر سليمان في إعادة العذراوية فبلغ ذلك ابن الوكيل أنهم رتبوا عليه أمورا أرادوا إثباتها عليه فبادر إلى القاضي سليمان الحنبلي وسأله أن يحكم بصحة إسلامه وحقن دمه ورفع التعزير عنه والحكم بعدالته وإبقائه على وظائفه فأجابه إلى ذلك كله وحكم له بردها عليه وذلك في المحرم سنة 708 وفي ربيع الأول أعيدت العذراوية للصدر سليمان فلما كان في جمادى الأولى انتدب لابن الوكيل جماعة وأحضروا والي البز وكبسوه بالصالحية مع جماعة شربة فأمر النائب بمصادرة ابن الوكيل فبادر في ثاني يوم إلى القاضي وأثبت محضرا شهد فيه الذين كتبوه أنهم لم يروه سكران ولا شموا منه رائحة خمر وإنما وجدوه في ذلك البيت وفي المكان زبدية خمر فأثبت القاضي المحضر وسأل ببقاء عدالته وشفع له بعض الناس فأعفي من المصادرة ثم جاء في العشرين من رجب كتاب من السلطان بعزله من جميع جهاته فتوجه إلى سندمر بحلب فأقام عنده ورتب له راتبا وكان بمصر لما مات الشيخ زين الدين الفارقي وبيده معظم وظائف البلد فعين نائب الشام إذ ذاك الوظائف لكبراء البلد فحضر توقيع الناصر لابن الوكيل بجميع الوظائف فقام كبار الشام من جميع الوظائف في وجهه بسبب الخطابة وكتبوا فيه محاضر بعدم أهليته لذلك فجاء الجواب بأنا لم نظن أن من ينسب إلى العلم يشتمل على هذه القبائح وأمر بتعين الخطابة والإمامة لشرف الدين الفزاري وكان باشرها أياما ثم توقف بسبب هذه الكائنة ثم استقر وفرحوا به وباشر صدر الدين المدارس واشتهر صيته وكانت له وجاهة وتقدم عند الدولة ونادم الأفرم مدة وكان ممن أفتى بأن الناصر لا يصلح للملك ودس أعداؤه إلى الناصر قصيدة ذكروا أنه هجاه بها فأراد الفخر ناظر الجيش القبض عليه والتعريف إلى السلطان بذلك فأحس بالشر فهرب إلى غزة قال جلال الدين القزويني كنت عند الناصر بغزة فدخل بكتمر الحاجب فقال صدر الدين ابن الوكيل بالباب فقال يدخل فلما دخل قال له بكتمر بس الأرض فامتنع وقال مثلي لا يبوس الأرض إلا لله قال فما شككت أن دمه يسفك فقال له الناصر أنت فقيه تركب البريد وتروح إلى مصر وتدخل بين الملوك لتغير الدول وتهجو السلطان فقال حاشى لله وإنما أعدائي وحسادي نظموا ما أرادوا على لساني وهذا الذي نظمته أنا معي ثم أخرج قصيدة في وزن تلك القصيدة التي نسبوها إليه تجيء مائتي بيت فأنشدها فصفح عنه قال جلال الدين فلما أصبحنا رأيت ابن الوكيل يساير السلطان في الموكب والعسكر سائر وعظم عند السلطان حتى كان يقول إن صدر الدين يجمل التشريف إذا ألبسه وأعجب ما اتفق له أنه ولي الخطابة فقاموا في وجهه وأثبت شمس الدين الحريري محضرا بعدم أهليته ولما ولى قرا سنقر نيابة الشام نازعوه في المدارس التي بيده وتعصبوا عليه كثيرا وساعدهم النائب عليه فخشي على نفسه فتوجه إلى القاضي الحنبلي وسأله أن يحكم بإسلامه وإسقاط التعزير عنه والحكم بعدالته ففعل فتوجه إلى حلب فأقبل عليه سندمر نائبها فأقام سنة وكان يقول الذي حصل لي من مكارمات الحلبيين أربعون ألف درهم ثم قدم مصر ودرس بالمشهد النفيسي والخشابية بمصر والناصرية الجديدة التي بين القصرين وجهزه الناصر رسولا إلى مهنا فكان يذكر أنه حصل له ثلاثون ألف درهم ولما قدم مصر قديما أول ما قدمها أفهم الكبار أنه ليس في البلد مثله وادعى دعوى عريضة فعقدوا له مجلس وحضره ابن دقيق العيد وكان صدر الدين رتب شيئا فلما شرع فيه قال ابن دقيق العيد هذا كلام معى وإنما يقرأ شخص آية فقرأ بعض الحاضرين آية فقال الشيخ يتكلم عليها وأورد سؤالا فشرع صدر الدين يجيب فاعترضه عز الدين النمراوي فاستصوب ابن دقيق العيد كلامه وقال الزم ها فانحرفا فانفصل المجلس على ذلك وخرج صدر الدين مقهورا وذكر العثماني قاضي صفد أنه كان في الحفظ آية حتى قيل أنه حفظ كتبا وضع بعضها على بعض فكانت قامة وحفظ المفصل في مائة يوم والمقامات في خمسين يوما وديوان أبي الطيب في جمعة وقرأت بخط الكمال جعفر كان فاضلا ذكي الفطرة متصرفا في فنون كثيرة فصيح العبارة حلو المحاضرة جوادا سمحا أفتى وهو ابن 22 سنة وكان من محاسن دهره مقبول الصورة محببا إلى الأكابر مشهورا بالدعابة حتى أنه لما سعى في خطابة جامع ابن طولون سعى له بعض الأمراء فولاه قاموا في وجهه ولم يمكنوه من طلوع المنبر وكتبوا عليه محضرا بعدم أهليته للخطابة أثبته القاضي شمس الدين ابن الحريري الحنفي قال وكان له ذهن وقاد وطبع منقاد وكان مع ذلك يدعي شعر غيره أخبرني أبو الفتح اليعمري أنه أنشده قصيدة قال فلقيت البدر المنبجي فأرانيها في ديوانه قال الكمال جعفر وكان يتساهل في النقل ولصدر الدين كتاب الأشباه والنظائر من محاسن الكتب إلا أنه لم ينقحه فوقعت فيه أوهام وشرع في شرح الأحكام لعبد الحق فكتب منه ثلاث مجلدات دالات على تبحره في الحديث والفقه والأصول وكان تقي الدين السبكي يعظمه ويثني عليه ويسميه فاضل عصره وقال ابن فضل الله أنه كان يعرف الطب علما لا علاجا فاتفق أن الأفرم حصل له سوء هضم فرتب له سفوفا فاستعمله فأفرطه الإسهال فأراد مماليك الأفرم قتل صدر الدين وتدارك أمين الدين سليمان الرئيس الأمر فعالجه برفق إلى أن نصل عن قرب فأنكر الأفرم على مماليكه ما فعلوه مع صدر الدين وعاتبه بلطف وقال له كدت أروح معك غلطا وقال له أمير العرب يا شيخ صدر الدين أقبل على فقهك ودع الطب فإن غلط المفتي يستدرك وغلط الطبيب لا يستدرك فاستصوب الأفرم مقالته وخجل صدر الدين ثم تلافاه الأفرم وأعطاه مالا
وثيابا وكان في صدر الدين لعب ولهو قال الصفدي حكى لي جماعة ممن كان يعاشره في خلواته انه كان إذا فرغ توضأ ولبس ثيابا نظافا وصلى ومرغ وجهه على التراب وتضرع في طلب التوبة والمغفرة وكان إذا مرض غسل ما نظمه من الشعر وكان قادرا على النظم مطبوعا فيه غواصا على المعاني لكن كان في المهمات يستعين بشعر غيره وقع له ذلك مع الملك الناصر لما بنى قصر قلعة الجبل أنشده قصيدة طويلة أولها
يقول فيها
وهذه القصيدة في ديوان ابن التعاويذي لم يغير فيها إلا قصرا كان بدله دارا وكان جوادا قال العسجدي كنت معه ليلة عيد فوقف له فقير فقال شئ لله فالتفت إلي وقال ما معك قلت مائتا درهم قال ادفعها إليه فدفعتها إليه ثم قلت له يا سيدي غدا العيد وليس عندى شئ فقال امض إلى القاضي كريم الدين فقل له الشيخ يهنئك بهذا العيد ففعلت فقال كأن الشيخ يعوز نفقه ادفعوا له ألفي درهم فرجعت بها إليه فقال لي الحسنة بعشرة أمثالها وكان العسجدى وسليمان بن إبراهيم المنوفي خصيصين به وكانا يحكيان عن مكارمه وصدقاته وبره للصالحين شيئا عجيبا ومع ذلك فإنه كان في أول عشرته في غاية اللطف ثم يستحيل إذا طالت حتى قال فيه بعضهم قلت أظنه ابن الزملكاني
ولما بلغ ذلك ابن الوكيل قال فيه
وجمع ابن الوكيل موشحاته وسماها طراز الدار وأشار بذلك إلى ديوان ابن سناء الملك الموشحات فإنه كان يسميها دار الطراز فقلبه ابن الوكيل فتلطف إلى الغاية ومن شعره وهو تخيل لطيف
وقال
قال الصفدى ومن عجيب ما مربي ما رأيت في دمية القصر للباخرزي أورد في ترجمة الفقيه عبد الوهاب المالكي قول الشيخ أبي عامر الجرجاني
قال الصفدي وقوله أنا لك بقرينة تجريد المرهف تهديد فأتى الجرجاني بالقول الموجب ونقله إلى الملك وكان الجرجاني يعرف بابن الوكيل فجاء صدر الدين ابن الوكيل بعد ثلاثمائة سنة فنظم
قال الصفدي فكأن لسان الحال يقول أنا لك يا ابن الوكيل تنظمنى فيه فيجئ المعنى أحسن وأبين من نظم الجرجاني فتكون أنت أحق به قلت لا يظهر لي وجه إلا حقية ولا إلا حسنية إلى العصبية بل نظم الجرجاني عندي في الذروة لما فيه من لطف الإشارة وظرف العبارة ورقة الحاشية وإن كان في شعر الصدر معنى أوضح قال ولما سمع ابن تيمية قوله في الموشحة المشهورة
قال له يا شيخ صدر الدين يستأهل من يقول بالصبيان قال الصفدي الجيد من شعره طبقة عليا ويقع فيه اللحن الخفي مع مهارته في العربية حتى قال المجد التونسي ما اجتمعت به قط إلا استفدت منه في العربية ولما دخل حلب وجد علم الدين طلحة رأسا في العربية لكن كانت دائرته ضيقة لأنه كان يقرر الحاجبية وشرحها فقط فأخذ صدر الدين شرح سيبويه للسيرافي فصار يطالعه ويذاكر به طلحة فينقطع طلحة من يده في الغالب واشتهرعنه أنه كان يجازف في النقل فإنه قال للأفرم احفظ للاسد ثلاثة آلف اسم وإنه قال في مجلس حافل الكرامية بالتخفيف فأنكروا عليه وقالوا بل هو بالتشديد فأنشد في الحال
فأطبقوا على أنه نظمه في الحال قلت لكن ظهر بعد دهر أنهم ظلموه ووجد البيتان من نظم أبي الفتح البستي الشاعر المشهور في رأس الأربعمائة والأول
وكان البستى لهجا ينظم الجناس التام وغير التام قال تقي الدين السبكي عدته في مرض موته فقلت كيف تجدك فقال
وكانت وفاته بمصر في 24 ذي الحجة سنة 716 ولما بلغت وفاته ابن تيمية قال أحسن الله عزاء المسليمن في ك يا صدر الدين وتأسف الناس عليه كثيرا رحمه الله تعالى

  • مجلس دائرة المعارف العثمانية - صيدر اباد/ الهند-ط 2( 1972) , ج: 2- ص: 0

محمد بن عمر بن مكي بن عبد الصمد الشيخ الإمام صدر الدين بن المرحل تفقه على والده وعلى الشيخ شرف الدين المقدسي
وسمع الحديث من القاسم الإربلي والمسلم بن علان وطائفة
وقعت لنا عنه أناشيد من نظمه ولم يقع لنا حديثه
كان إماما كبيرا بارعا في المذهب والأصلين يضرب المثل باسمه فارسا في البحث نظارا مفرط الذكاء عجيب الحافظة كثير الاشتغال حسن العقيدة في الفقراء مليح النظم جيد المحاضرة
ولد بدمشق ونشأ بها وانتقل إلى القاهرة وبها توفي وتنقلت به الأحوال
وله مع ابن تيمية المناظرات الحسنة وبها حصل عليه التعصب من أتباع ابن تيمية وقيل فيه ما هو بعيد عنه وكثر القائل فارتاب العاقل
كان الوالد رحمه الله يعظم الشيخ صدر الدين ويحبه ويثني عليه بالعلم وحسن العقيدة ومعرفة الكلام على مذهب الأشعري
درس بدمشق بالشاميتين والعذراوية
وولي مشيخة دار الحديث الأشرفية وباشرها مدة ثم درس في آخر عمره بالقاهرة بزاوية الشافعي والمشهد الحسيني وهو أول من درس بالمدرسة الناصرية بها
ذكره القاضي شهاب الدين بن فضل الله في تاريخه فقال إمام له نسب في قريش أعرق وحسب في بني عبد شمس مثل الشمس أشرق وعلم لو أن البحر شطأ شبهه لأغرق وفهم لو أن الفجر سطع نظيره لأحرق
وثبت طنب على المجرة ومد رواقه فتلألأ بالمسرة ونشر رايته البيضاء الأموية وحولها ثغور الكواكب المنيرة وارتفع أن يقاس بنظير واتضع والثريا تاج فوق مفرقه والجوزاء تحته سرير
وهمة دون السما لا يقصرها وحكمة عن سبق القدما لا يؤخرها
مع جبين وضاح ويمين منها الكرم يستماح وأدب أشهى من رشف الرضاب وأحلى من رضا الحبائب الغضاب وخلق شرح الله صدره ومنح فضله أندت الرياض المخضرة انتهى
وللشيخ صدر الدين كتاب الأشباه والنظائر ومات ولم يحرره فلذلك ربما وقعت فيه مواضع على وجه الغلط مثل حكايته عن بعض الأئمة وجهين فيما إذا كشف عورته في الخلاء زائدا على القدر المحتاج هل يأثم على كشف الجميع أو على القدر الزائد وهذا لم أره في كتاب
وذكره شيخ الأدباء القاضي صرح الدين الصفدي فقال أما التفسير فابن عطية عنده مبخل والواحدي شارك العي لفظه فتخيل
وأما الحديث فلو رآه ابن عساكر لانهزم وانضم في زوايا تاريخه وانحزم
وأما الفقه فلو أبصره المحاملي ما تحمل من غرائب قاضي النقل عنه وما نصب ورجع عما قال به من استحباب الوضوء من الغيبة وعند الغضب
وأما الأصول فلو رآه ابن فورك لفرك عن طريقته وقال بعدم المجاز إلى حقيقته
وأما النحو فلو عاصره عنبسة الفيل لكان مثل ابن عصفور أو أبو الأسود لكان ظالما وذنبه غير مغفور
وأما الأدب فلو عاينه الجاحظ لأمسى لهذا الفن وهو جاحد أو الثعالبي لراغ عن تصانيفه وما اعترف منها بواحد
وأما الطب فهو شاهده ابن سينا لما أطرب قانونه أو ابن النفيس لعاد نفيسا قد ذهبت نونه
وأما الحكمة فالنصير الطوسي عنده مخذول والكاتبي دبيران أدبر عنه وحده مفلول
وأما الشعر فلو حاذاه ابن سناء الملك فنيت ذخيرة مجازاته وحقائقه أو ابن الساعاتي ما وصل إلى درجته ولا انتهى إلى دقائقه
وأما الموشحات فلو وصل خبره إلى الموصلي لأصبح مقطوع الذنب أو ابن زهر لما رأى له السماء نجما إلا هوى ولا برجا إلا انقلب
وأما البلاليق فابن كلفة عنده يتكلف وابن مدغليس يغلس للسعي في ركابه وما يتخلف
انتهى قليل مما ذكره القاضي صلاح الدين بلفظه
وكانت للشيخ صدر الدين صدقات دارة ومكارم حاتمية ما أشك أنها كانت دافعة لكثير من السوء عنه فلطالما دخل في مضايق ونجا منها
ومن أحسن ما بلغني عنه من صدقاته ما حكاه صاحبه الحافظ شهاب الدين العسجدي قال كنت معه ليلة عيد فوقف له فقير استجداه فقال لي أيش معك فقلت مائتا درهم فقال ادفعها إلى هذا الفقير فقلت له يا سيدي الليلة العيد وما معنا ما ننفقه غدا فقال لي امض إلى القاضي كريم الدين الكبير وقل له الشيخ يهنئك بهذا العيد
فلما رآني كريم الدين قلت له ما قاله لي الشيخ قال كأن الشيخ يعوز نفقة في هذا العيد ودفع إلي ألفي درهم وقال هذه للشيخ ولك أنت ثلاثمائة درهم
فلما حضرت بالدراهم إلى الشيخ قال صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم (الحسنة بعشر أمثالها) هذه مائتان بألفين
ولد الشيخ صدر الدين سنة خمس وستين وستمائة
وتوفي بالقاهرة في سنة ست عشرة وسبعمائة
أنشدنا الحافظ أبو العباس أحمد بن محمد بن عبد الرحمن بن إبراهيم بن عبد المحسن العسجدي بقراءتي عليه قال أنشدنا الشيخ صدر الدين بن المرحل لنفسه من لفظه

ومنها
وهي طويلة أنشدها العسجدي بجملتها وقد اقتصرنا على ما انتقيناه منها
وانظر هذا الفقيه ما أحلى قوله شججت بالماء البيت وما أحسن استحضاره لمشكلات الفقه في هذا المقام وأحسبه قصد بها القصيد معارضة ابن الخيمي في قصيدته الغزلية التي ادعاها ابن إسرائيل وهي قصيدة بديعة غراء مطلعها
وأنشدنا الحافظ أبو العباس العسجدي بقراءتي عليه قال أنشدنا الشيخ صدر الدين من لفظه لنفسه
ومن موشحاته
ومنها
ومنها
#قاسوا غلطا من حاز حسن البشر #بالبدر يلوح في دياجي الشعر #لا كيد ولا كرامة للقمر
#الصحة والسقام في مقلته #والجنة والجحيم في وجنته #من شاهده يقول من دهشته
#قد أنبته الله نباتا حسنا #وازداد على المدى سناء وسنا #من جاد له بروحه ما غبنا
#في نرجس لحظه وزهر الثغر #روض نضر قطافه بالنظر #قد دبج خده نبات الشعر
#أحيا وأموت في هواه كمدا #من مات جوى في حبه قد سعدا #يا عاذل لا أترك وجدي أبدا
#القد وطرفه قناة وحسام #والحاجب واللحاظ قسي وسهام #والثغر مع الرضاب كأس ومدام
ومنها

  • دار هجر - القاهرة-ط 2( 1992) , ج: 9- ص: 253

محمد بن عمر بن مكي، الشيخ العلامة ذو الفنون صدر الدين ابن الخطيب المفتي زين الدين العثماني الشافعي ابن وكيل بيت المال ولد سنة خمس وستين وست مائة.
وسمع من القاسم الإربلي، والفخر علي، وجماعة، واشتغل على والده، وعلى الشيخ شرف الدين المقدسي، وصفي الدين الهندي، وحفظ كتبا كبارا، وأفتى وناظر وبرع في العلم، وكان من أفراد الأذكياء.
جلست إليه، وأول ما سمعت كلامه في سنة ثلاث وثمانين وست مائة، وسمعت منه في صحيح مسلم بدار الحديث.
توفي بمصر في ذي الحجة سنة ست عشرة وسبع مائة، سامحه الله.
سمعت محمد بن عمر العثماني يقول في سنة اثنتين وتسعين وست مائة في درسه بالقوصية، الجيم والقاف لا يجتمعان في كلمة عربية كالجرموق والجولق.

  • مكتبة الصديق، الطائف - المملكة العربية السعودية-ط 1( 1988) , ج: 2- ص: 259

محمد بن عمر بن مكي بن عبد الصمد الشيخ صدر الدين ابن المرَّحل.
تفقه على والده وعلي الشيخ شرف الدين المقدسى، وسمع الحديث من القاسم الإربلى وغيره، وبرع في المذهب والأصلين، وضرب المثل باسمه، وكان إماماً نظاراً مفرط الذكاء، درس بدار الحديث الأشرفية والشامية والعزراوية وغير ذلك، وبالقاهرة بزاوية الإمام الشافعي وبالمشهد الحسينى والناصرية، وهو أول من درس بها وحصلت له وجاهة زائدة، وجمع كتاب ’’الأشباه والنظائر’’ ولم يحرره، وقد شرعت في تهذيبه وترتيبه
على أبواب الفقه، وقد كمل وللَّه الحمد، ومن غرائبه أن صحح حكاية وجهين عن بعض الأئمة فيما إذا كشف عورته في الخلاء زائداً على القدر المحتاج هل يأثم على كشف الجميع أو على القدر الزائد، ولد سنة خمس وستين وستمائة بدمياط، ومات بالقاهرة سنة ست عشرة وسبعمائة، ومن شعره:

وله أيضاً من قصيدة:

  • دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان-ط 1( 1997) , ج: 1- ص: 1