ابن الوكيل محمد بن عمر بن مكي، ابو عبد الله صدر الدين (ابن الرحل) المعروف بابن الوكيل: شاعر، من العلماء بالفقه. ولد بدمياط، وانتقل مع ابيه إلى دمشق، فنشأ فيها. واقام مدة في حلب. وتوفي بالقاهرة. كانت له ذاكرة عجيبة: حفظ المقامات الحريرية في خمسين يوما، ويوان المتنبي في اسبوع. ولي مشيخة دار الحديث الاشرفية بدمشق سبع سنين. قال ابن حجر: كان لايقوم بمناظرة ابن تيمية احد سواه. وصنف (الاشباه والنظائر -خ) في فقه الشافعية. وشرع في شرح (الاحكام) لعبد الحق ابن الخراط، فكتب منه ثلاثة مجلدات تدل على تبحره في الحديث والفقه والاصول. وله شعر وموشحات رقيقة جمعها في ديوان سماه (طراز الدار).
دار العلم للملايين - بيروت-ط 15( 2002) , ج: 6- ص: 314
الشيخ صدر الدين محمد بن عمر بن مكي بن عبد الصمد الشيخ الإمام العالم العلامة ذو الفنون البارع صدر الدين ابن المرحل ويعرف في الشام بابن وكيل بيت المال المصري الأصل العثماني الشافعي أحد الأعلام وفريد أعاجيب الزمان في الذكاء والحافظة والذاكرة.
كم مقفل ضل فيه العقل فانفرجت | أرجاؤه لحجاه عن معانيه |
يفتي فيروى غليل الدين من حصر | أدناه نقلا وقد شطت مراميه |
ومؤنق قد سقاه غيث فطنته | مزنا أيادي رياح الفكر تمريه |
ما مات صدر الدين لكنه | لما عدا جوهرة فاخره |
لم تعرف الدنيا له قيمة | فعجل السير إلى الآخره |
قد كان صاحب هذا القبر جوهرة | غراء قد صاغها الباري من النطف |
عزت فلم تعرف الأيام قيمتها | فردها غيرة منه إلى الصدف |
إن انتصارك بالأجفان من عجب | وهل رأى الناس منصورا بمنكسر |
وداد ابن الوكيل له شبيه | بلبادين جلق في المسالك |
فأوله حلي ثم طيب | وآخره زجاج مع لوالك |
ليذهبوا في ملامي أية ذهبوا | في الخمر لا فضة تبقى ولا ذهب |
لا تأسفن على مال تمزقه | أيدي سقاة الطلا والخرد العرب |
فما كسوا راحتي من راحها حللا | إلا وعروا فؤادي الهم واستلبوا |
راح بها راحتي في راحتي حصلت | فتم عجبي بها وازداد لي العجب |
أن ينبع الدر من حلو مذاقته | والتبر منسبك في الكأس منسكب |
وليست الكيميا في غيرها وجدت | وكل ما قيل في أبوابها كذب |
قيراط خمر على القنطار من حزن | يعيد ذلك أفراحا وينقلب |
عناصر أربع في الكأس قد جمعت | وفوقها الفلك السيار والشهب |
ماء ونار هواء أرضها قدح | وطوفها فلك والأنجم الحبب |
ما الكأس عندي بأطراف الأنامل بل | بالخمس تقبض لا يحلو لها الهرب |
شججت بالماء منها الرأس موضحة | فحين أعقلها بالخمس لا عجب |
وما تركت بها الخمس التي وجبت | وإن رأوا تركها من بعض ما يجب |
وإن أقطب وجهي حين تبسم لي | فعند بسط الموالي يحفظ الأدب |
بالراح رح فهي المنى | وعلى جماع الكأس كس |
لا تلقها إلا ببشـ | ـرك فالقطوب من الدنس |
ما أنصف الصهباء من | ضحكت إليه وقد عبس |
وإذا سكرت فغن لي | ذهب الرقاد فما يحس |
أحب أخي وإن أعرضت عنه | وقل على مسامعه كلامي |
ولي في وجهه تقطيب راض | كما قطبت في وجه المدام |
عاطيتها من بنات الترك عاطية | لحاظها للأسود الغلب قد غلبوا |
هيفاء جارية للراح ساقية | من فوق ساقية تجري وتنسكب |
من وجهها وتثنيها وقامتها | تخشى الأهلة والقضبان والكتب |
يا قلب أردافها مهما مررت بها | قف لي عليها وقل: لي هذه الكثب |
وإن مررت بشعر فوق قامتها | بالله قل لي: كيف البان والعذب |
تريك وجنتها ما في زجاجتها | لكن مذاقته للريق تنتسب |
تحكي الثنايا الذي أبدته من حبب | لقد حكيت ولكن فاتك الشنب |
سرى وستور الهم بالكأس تهتك | وساكن وجدي بالغناء يحرك |
فعاطيته كأسا فحيى بفضلها | ومازج ذاك الفضل ريق ممسك |
أرقت دم الراووق حلا لأنني | رأيت صليبا فوقه فهو مشرك |
وسالت دموع العين منه وكلما | بكى بالدما مما جرى منه أضحك |
وزوجت بنت الكرم بابن غمامة | فصح على التعليق والشرط أملك |
وعارض قد لام في عارض | وطاعن يطعن في سنه |
وقال لي: قد طلعت ذقنه | فقلت: لا أفكر في ذقنه |
شب وجدي بشائب | من سنا البدر أوجه |
كلما شاب ينحني | بيض الله وجهه |
ولما جلا فصل الربيع محاسنا | وصفق ماء النهر إذ غرد القمري |
أتاه النسيم الرطب رقص دوحه | فنقط وجه الماء بالذهب المصري |
عيرتني بالسقم طرفك مشبهي | وكذاك خصرك مثل جسمي ناحلا |
وأراك تشمت إذ أتيتك سائلا | لا بد أن يأتي عذارك سائلا |
رأيت في طرفه اصفرارا | سبا فؤادي فقلت مهلا |
أيا مليك الأنام حسنا | العفو من سيفك المحلى |
قال قوم: قد شانه يرقان | قلت: أخطأتم وحاشى وكلا |
إنما الخد واللواحظ منه | مصحف مذهب وسيف محلى |
أقصى مناي أن أمر على الحمى | ويلوح نور رياضه فيفوح |
حتى أري سحب الحمى كيف البكا | وأعلم الورقاء كيف تنوح |
بعيشك خل عاذلتي تلمني | ومنها في ملامتها ومني |
فإن نجحت فلا نجحت طريقي | وأدركت المنية لا التمني |
وإن خابت فلا خابت طريقي | وإن كان الهوى ثانيه عني |
فيا غصن النقا ويحل قدرا | قوامك أن أشبهه بغصن |
لحاظك بالمها فتكت عنادا | ولا تسأل عن الظبي الأغن |
وعطفك قد كسا الأغصان وجدا | فمالت بالهوى لا بالتثني |
ورقت ورقها فبكت عليها | وفي الأفنان أبدت كل فن |
وقد طارحتها شجنا فلما | بكيت صبابة أخذت تغني |
يا ليلة فيها الأمان والمنى | وكل ما أطلبه تهيا |
لا تقصري فالصبح قد شربته | مدامة عنقودها الثريا |
تلك المعاطف أم غصون البان | لعبت ذؤابتها على الكثبان |
وتضرجت تلك الخدود فوردها | قد شق قلب شقائق النعمان |
ما يفعل الموت المبرح في الورى | ما تفعل الأحداق في الأبدان |
أخليل قلبي وهو يوسف عصره | قلبي الكليم رميت في النيران |
قطعته مذ كان قلبا طائرا | ودعوته فأتى بغير توان |
يا نور عيني لا أراك وهكذا | إنسان عيني لا يراه عياني |
أخفيت حبك عن جميع جوانحي | فوشت عيوني والوشاة عيون |
ووددت أن جوانحي وجوارحي | مقل تراك وما لهن جفون |
ووددت دمع الخافقين لمقلتي | حتى عزيز الدمع فيك يهون |
يا ليت قيسا في زمان صبابتي | حتى أريه العشق كيف يكون |
يا وجنة هي جنة قد زخرفت | وردا ومن آس العذار تحصرت |
عين بنور جمال وجهك متعت | وسوى جمالك أبصرت لا أبصرت |
وبديع الجمال معتدل القا | مة كالغصن والقنا الأملود |
لقبوه بحامض وهو حلو | قول من لم يصل إلى العنقود |
راح بها الأعمى يرى مع العمى | وهاك برهانا على هذي المدح |
الخمر للأقداح قلب دائما | والحدق انظرها تجد قلب القدح |
قال لي من أحب والبدر يبدو | من خلال السحاب ثم يغيب: |
ما حكى البدر؟ قلت: وجهك لما | يختفي عندما يلوح الرقيب |
كأنما البرق خلال السما | من فوق غيم ليس بالكابي |
طراز تبر في قبا أزرق | من تحته فروة سنجاب |
يا غاية منيتي ويا معشوقي | من بعدك لم أمل إلى مخلوق |
يا خير نديم كان لي يؤنسني | من بعدك قد صلبت على الراووق |
في خدك خط مشرف الصدغ ستور | والشاهد ناظر على الفتك يدور |
يا عارضه بالشرع لا تقتلني | الشاهد فاتك وذا خطك زور |
تعطف على مهجة ظاميه | وتقذفها عبرة هاميه |
فقد طال سقمي فقل لي متى | تجيء إلى عبدك العافيه |
وأرخصت دمعي يوم النوى | لأجل سوالفك الغاليه |
فصبرا على ما قضى لم أقل | فيا ليتها كانت القاضيه |
ونحن عبيدك ذبنا أسا | فرفقا على رقة الحاشيه |
فقال بعيني أقيك الردى | فقلت على عينك الواقيه |
فشنف سمعي بهذا الحديث | فما ذكرت قرطها ماريه |
فيا عاذلي لو دعاك الهوى | لقد كنت تسمع يا ساريه |
من دمي أنت كنت في أوسع الحـ | ـل ومني خذي ثواب الشهاده |
واحمليني على الترائب مهلا | واحسبي أنني خييط القلاده |
تغنت في ذرى الأوراق ورق | ففي الأفنان من طرب فنون |
وكم بسمت ثغور الزهر عجبا | وبالأكمام كم رقصت غصون |
وبي من قسا قلبا ولان معاطفا | إذا قلت أدناني يضاعف تبعيدي |
أقر برق إذ أقول أنا له | وكم قالها أيضا ولكن لتهديدي |
عذيري من شادن أغضبوه | فجرد لي مرهفا باتكا |
وقال أنا لك يا ابن الوكيل | وهل لي رجاء سوى ذالكا |
قال حبي أنا له | ولكم قلت سرمدا |
أنا للملك قلتها | وهو للغيظ هددا |
غازل وخذ من نرجس من لحظه | منثور دمع كلهن نظام |
واحذر إذا بعث السلام إليك من | نبت العذار فإنه نمام |
كم قال معاطفي حكتها الأسل | والبيض سرقن ما حوته المقل |
الآن أوامري عليهم حكمت | البيض تحد والقنا تعتقل |
عانقت وبالعناق يشفى الوجد | حتى شفي الصب ومات الصد |
من أخمصه لثما إلى وجنته | حتى اشتكت القضب وضج الورد |
بكف الثريا وهي جذما تقاس لي | شقاق دجى مدت من الشرق للغرب |
ولو ذرعوها بالذراع لما انقضت | فما تنقضي يا ليل أو ينقضي نحبي |
لولاك يا خير من يمشي على قدم | خاب الرجاء وماتت سنة الكرم |
بنيت دارا قضى بالسعد طالعها | قامت لهيبتها الدنيا على قدم |
الفقه فقه أبي حنيفة وحده | والدين دين محمد بن كرام |
إن الذين لجهلهم لا يقتدوا | في الدين بابن كرام غير كرام |
ورجعت لا أدري الطريق من البكا | رجعت عداك المبغضون كمرجعي |
ما أخجل قده غصون البان=بين الورق=إلا سلب المها مع الغزلان | حسن الحدق |
الحب جماله مدى الأزمان | معناه بقي |
وازداد سنا وخص بالنقصان | بدر الأفق |
هذا وأبيك فر من رضوان | تحت الغسق |
للأرض يعيذه من الشيطان | رب الفلق |
قد زين حسنه مع الإحسان | حسن الخلق |
لو رمت لحسنه شبيها ثان | لم يتفق |
فالورد حواه ناعم الريحان | بالظل سقي |
والقد يميل ميلة الأغصان | للمعتنق |
لا تعذلني فكلما تلحاني | زادت حرقي |
يستأهل من يهم بالسلوان | ضرب العنق |
والدر منظم مع المرجان | في فيه نقي |
قد رصع فوقه عقيق قان | نظم النسق |
مذ شمت سنا البروق من نعمان | باتت حدقي |
تذكي بمسيل دمعها الهتان | نار الحرق |
أمسي لوميضه بقلب عان | بادي القلق |
لا أعلم في الظلام ما يغشاني | غير الأرق |
لم تبد يد السقام من جثماني | غير الرمق |
ما أصنع والسلو مني فان | والوجد بقي |
زاهي الوجنات زائد الإحسان | حلو الخلق |
عذب الرشفات ساحر الأجفان | ساجي الحدق |
هذا قمر بدا بلا نقصان=تحت الغسق | |
أو شمس ضحى في غصن فينان | غض الورق |
فاعجب لنبات خده الريحان | من حيث سقي |
يضحي ويبيت وهو في النيران | لم يحترق |
مذ غردت الورق على الأغصان | بين الورق |
جرت دمعي وفي فؤادي العاني | أذكت حرقي |
قد هيجت الذي به أضناني | منه قلقي |
والقلب له من بعد صبري الفاني | والوجد بقي |
بالنازح والنازح عن أوطاني | ضاقت طرقي |
ما أصنع قد حملت من أحزاني | ما لم أطق |
في عشق منعم من الولدان | أصبحت شقي |
من جفوته ولم يزر أجفاني | غير الأرق |
واللفظ وريق الأغيد الروحاني | عند الحذق |
حلوان على غصن من المران | غض رشق |
قد سطره بالقلم الريحاني | رب الفلق |
بالمسك على الكافور كالعنوان | فوق الورق |
والثغر هو الصحاح كالعقيان | كالعقد نقي |
والرد مع الخلاف للسلوان | عنه خلقي |
كالعنبر في نار الأسيل القاني | للمنتشق |
فاعجب لعبير وهو في النيران | لم يحترق |
ما هز قضيب قده الريان | للمعتنق |
إلا استترت معاطف الأغصان | تحت الورق |
أفدي قمرا لم يبق عندي رمقا | لما رمقا |
قد زاد صبابتي به والحرق | شوقا وشقا |
لو فوق سهم جفنه أو رشقا | في يوم لقا |
أبطال وغى تميس في غدران | نسج الخلق |
أبصرتهم في معرك الفرسان | صرعى الحدق |
بدر منعته قسوة الأتراك | رحمى الشاكي |
من ناظره حبائل الشراك | والإشراك |
كم ضل بها قلبي من النساك | والفتاك |
قاني الوجنات ينتمي للقان | صعب الخلق |
إن قلت أموت في الهوى ناداني | هذا يسقي |
كم جاء جبينه الدجا واقترضا | صبحا فأضا |
كم جرد جفنه حساما ونضا | والصب قضى |
كم أودع ريقه فؤادا مرضا | من جمر غضا |
فاعجب لرضابه شفا الظمآن | يذكي حرقي |
والخد به الخال على النيران | لم يحترق |
يا خجلة خد الورد في جنته | من وجنته |
يا كسرة غصن البان في حضرته | من خطرته |
يا حسرة بدر الأفق من غرته | في طرته |
لا تعتقد الأقمار بالبهتان | وسط الأفق |
أن تشبهه فليس في الإمكان | ما لم تطق |
ما أسعد من أصابه بالحور | سهم النظر |
ما أنعم من يصليه نار الفكر | طول العمر |
أو قيده الحب بقيد الشعر | عند السحر |
أو طوقه بذلك الثعبان | فوق العنق |
أو بات بقفل صدغه الريحاني | تحت الغلق |
دار فرانز شتاينر، فيسبادن، ألمانيا / دار إحياء التراث - بيروت-ط 1( 2000) , ج: 4- ص: 0
محمد بن عمر بن مكي ابن عبد الصمد بن عطية بن أحمد، القرشي الأموي العثماني، الشيخ الإمام المفسر المحدث الأصولي النحوي الأديب الفاضل المفتن:
علامة العلماء واللج الذي | لا ينتهي ولكل بحر ساحل |
إن انتصارك بالأجفان من عجب | وهل رأى الناس منصورا بمنكسر |
كم مقفل ضل فيه العقل فانفرجت | أرجاؤه لحجاه عن معانيه |
يفتي فيروي غليل الدين من حصر | أدناه نقلا وقد شطت مراميه |
ومونق قد سقاه غيث فطنته | مزنا أيادي رياح الفكر تمريه |
ما مات صدر الدين لكنه | لما غدا جوهرة فاخره |
لم تعرف الدنيا له قيمة | فعجل السير الى الآخره |
قد كان صاحب هذا القبر جوهرة | غراء قد صاغها الباري من النطف |
عزت فلم تعرف الأيام قيمتها | فردها غيرة منه الى الصدف |
ما للصبي وما للملك يطلبه | إن المراد من الصبيان معلوم |
ورجعت لا أدري الطريق من البكا | رجعت عداك المبغضون كمرجعي |
يا رب بدر الدين غاب عن الحمى | فمتى يكون على الخيام طلوعه |
لولاك يا خير من يمشي على قدم | خاب الرجاء وماتت سنة الكرم |
بنيت قصرا قضى بالسعد طالعه | فقامت لهيبته الدنيا على قدم |
الفقه فقه أبي حنيفة وحده | والدين دين محمد بن كرام |
إن الذين بجهلهم لم يقتدوا | في الدين بابن كرام غير كرام |
وداد ابن الوكيل له مثال | كلبا دين جلق في المسالك |
فأوله حلي ثم طيب | وآخره زجاج مع لوالك |
ليذهبوا في ملامي أية ذهبوا | في الخمر لا فضة تبقى ولا ذهب |
والمال أجمل وجه فيه تصرفه | وجه جميل وراح في الدجى لهب |
لا تأسفن على مال تمزقه | أيدي سقاة الطلا والخرد العرب |
فما كسوا راحتي من راحها حللا | إلا وعروا فؤادي الهم واستلبوا |
راح بها راحتي في راحتي حصلت | فتم عجبي لها وازداد لي العجب |
أن ينبع الدر من حلو مذاقته | والتبر منسبك في الكأس ينسكب |
وليست الكيميا في غيرها وجدت | وكل ما قيل في أوصافها كذب |
قيراط خمر على القنطار من حزن | يعود في الحال أفراحا وينقلب |
عناصر أربع في الكأس قد جليت | وفوقها الفلك السيار والشهب |
ماء ونار هواء أرضها قدح | وطوفها فلك والأنجم الحبب |
ما الكأس عندي بأطراف الأنامل بل | بالخمس تقبض لا يحلو لها الهرب |
شججت بالماء منها الرأس موضحة | فحين أعقلها بالخمس لا عجب |
وما تركت بها الخمس التي وجبت | وإن رأوا تركها من بعض ما يجب |
وإن أقطب وجهي حين تبسم لي | فعند بسط الموالي يحفظ الأدب |
بالراح رح فهي المنى | وعلى جماع الكاس كس |
لا تلقها إلا ببشـ | ـرك، فالقطوب من الدنس |
ما أنصف الصهباء من | ضحكت إليه وقد عبس |
وإذا سكرت فغن لي | ذهب الرقاد فما يحس |
أحب أخي وإن أعرضت عنه | وقل على مسامعه كلامي |
ولي في وجهه تقطيب راض | كما قطبت في وجه المدام |
عاطيتها من بنات الترك عاطية | لحاظها للأسود الغلب قد غلبوا |
هيفاء جارية للراح ساقية | من فوق ساقية تجري وتنسكب |
من وجهها وتثنيها وقامتها | تخشى الأهلة والقضبان والكثب |
يا قلب أردافها مهما مررت بها | قف لي عليها، وقل لي هذه الكثب |
تريك وجنتها ما في زجاجتها | لكن مذاقته للريق تنتسب |
تحكى الثنايا الذي أبدته من حبب | لقد حكيت ولكن فاتك الشنب |
يا مطلبا لي في غيره أرب | إليك آل التقصي، وانتهى الطلب |
سرى وستور الهم بالكاس تهتك | وساكن وجدي بالغناء يحرك |
فعاطيته كاسا، فحيا بفضلها | ومازج ذاك الفضل ريق ممسك |
أرقت دم الراووق حلا لأنني | رأيت صليبا فوقه، فهو مشرك |
وسالت دموع العين منه وكلما | بكى بالدما مما جرى منه أضحك |
وزوجت بنت الكرم بابن غمامة | فصح على التعليق والشرط أملك |
يا ليلة فيها الأمان والمنى | وكلما أطلبه تهيا |
لا تقصري فالصبح قد شربته | مدامة عنقودها الثريا |
غازل وخذ من نرجس من لحظه | منشور دمع كلهن نظام |
واحذر إذا بعث السلام إليك من | نبت العذار فإنه نمام |
لافتضاحي في عوارضه | سبب والناس لوام |
كيف يخفى ما أكابده | والذي أهواه نمام |
كم قال معاطفي حكتها الأسل | والبيض سرقن ما حوته المقل |
الآن أوامري عليها حكمت | البيض تحسد والقنا تعتقل |
عانقت وبالعناق يشفى الوجد | حتى شفي الصب ومات الصد |
من أخمصه لثما الى وجنته | حتى اشتكت القضب وضج الورد |
بكف الثريا وهي جذما تقاس لي | شقاق دجى مدت من الشرق للغرب |
ولو ذرعوها بالذراع لما انتهت | فما تنقضي يا ليل أو ينقضي نحبي |
كأن الثريا راحة تشبر الدجي | ليعلم طال الليل أم قد تعرضا |
فليل تراه بين شرق ومغرب | يقاس بشبر كيف يرجى له انقضا |
راح بها الأعمى يرى مع العمى | وهاك برهانا على هذي المنح |
الخمر للأقداح قلب دائما | والحدق انظرها تجد قلب القدح |
كأنما البدر خلال السما | من فوق غيم ليس بالكاب |
طراز تبر في قبا أزرق | من تحته فروة سنجاب |
وعارض قد لام في عارض | وطاعن يطعن في سنه |
وقائل قد كبرت ذقنه | فقلت: لا أفكر في ذقنه |
شب وجدي بشائب | من سنا البدر أوجه |
كلما شاب ينحني | بيض الله وجهه |
رأيت في طرفه اصفرارا | سبى فؤادي فقلت: مهلا |
أيا مليك الملاح حسنا | العفو من سيفك المحلا |
قال قوم: قد شانه يرقان | قلت: أخطأتم وحاشى وكلا |
إنما الخد واللواحظ منه | مصحف مذهب، وسيف محلى |
يا يرقانا زاد في مكثه | أمرضت مني الجسم والنفسا |
أبدلتني بالدال سينا وما | أقبح وردا قد غدا ورسا |
صفرني ذا اليرقان الذي | بمثله الأسقام لم تظهر |
ينفر من يبصرني مقبلا | حتى كأني من بني الأصفر |
تصدق خلاني علي بصحة | تسر وأعفاني زمانا وعافاني |
ومر على غيري سقام وصحة | ولم ير قان مثل ذا يرقاني |
ما ترى علتي التي قد عرتني | وبرتني بري المدى القاطعات |
فصفاري هذا وأبيض شيبي | نرجس للنفوس غير موات |
ثم عندي تشبيه شيبي بتم | قد غدا ناظرا بعين البزاة |
وبي من قسا قلبا ولان معاطفا | إذا قلت أدناني يضاعف تبعيدي |
أقر برق أقول أنا له | وكم قالها أيضا ولكن لتهديدي |
عذيري من شادن أغضبوه | فجرد لي مرهفا فاتكا |
وقال أنا لك يا بن الوكيل | وهل لي رجاء سوى ذلكا |
قال حبي أنا له | ولكم قلت سرمدا |
أنا للملك قلتها | وهو للغيظ هددا |
معطف على مهجة ظاميه | وتقذفها عبرة هاميه |
فقد طال سقمي، فقل لي متى | تجيء الى عبدك العافيه |
وأرخصت دمعي يوم النوى | لأجل سوالفك الغاليه |
فصبرا على ما قضى لم أقل | فيا ليتها كانت القاضيه |
ونحن عبيدك ذبنا أسى | فرفقا على رقة الحاشيه |
فقال: بعيني أقيك الردى | فقلت: على عينك الواقيه |
فشنف سمعي بهذا الحديـ | ـث فما ذكرت قرطها ماريه |
فيا عاذلي لو دعاك الهوى | لقد كنت تسمع يا ساريه |
ما أخجل قده غصون البان=بين الورق=إلا سلب المها مع الغزلان | سود الحدق |
الحب جماله مدى الأزمان=معناه بقي=وازداد سنا وخص بالنقصان | بدر الأفق |
هذا وأبيك فر من رضوان=تحت الغسق=للأرض يعيذه من الشيطان | رب الفلق |
قد زين حسنه مع الإحسان=حسن الخلق=لو رمت لحسنه مليحا ثاني | لم يتفق |
فالورد حماه ناعم الريحان=بالطل سقي=والقد يميل ميلة الأغصان | للمعتنق |
لا تعذلي فكلما تلحاني=زادت حرقي=يستأهل من يهم بالسلوان | ضرب العنق |
والدر منظم مع المرجان=في فيه نقي=قد رصع فوقه عقيق قاني | نظم النسق |
مذ شمت سنا البروق من نعمان=باتت حدقي=تذكي بمسيل دمعها الهتان | نار الحرق |
أمسي لوميضه بقلبي العان=بادي القلق=لا أعرف في الظلام ما يغشان | غير الأرق |
لم تبق يد السقام من جثماني=غير الرمق=ما أصنع والسلو مني فان | والصبر بقي |
زاهي الوجنات زائد الإحسان=حلو الخلق=عذب الرشفات ساحر الأجفان | ساجي الحدق |
هذا قمر بدا بلا نقصان=تحت الغسق=أو شمس ضحى في غصن فينان | غض الورق |
فاعجب لبنات خده الريحاني=من حيث سقي=يضحى ويبيت وهو في النيران | لم يحترق |
مذ غردت الورق على الأغصان=بين الورق=أجرت دمعي وفي فؤادي العاني | أذكت حرقي |
قد هيجت الذي به أضناني=منه قلقي=والقلب له من بعد صبري الفاني | والوجد بقي |
بالنازح والنازح عن أوطاني=ضاقت طوقي=ما أصنع قد حملت من أحزاني | ما لم أطق |
في عشق منعم من الولدان=أصبحت شقي=من جفوته ولم يزر أجفاني | غير الأرق |
واللفظ وريق الأغيد الروحاني=عند الحدق=حلوان على غصن من المران | غض رشق |
قد سطره بالقلم الريحاني=رب الفلق=بالمسك على الكافور كالعنوان | فوق الورق |
والثغر هو الصحاح كالعقبان=كالعقد بقي=والرد مع الخلاف كالسلوان | عنه خلقي |
كالعنبر في نار الأسيل الفان=للمنتشق=فاعجب لعبير وهو في النيران | لم يحترق |
ما هز قضيب قده الريان=للمعتنق=إلا استترت معاطف الأغصان | بين الورق |
أفدي قمرا لم يبق عندي رمقا | لما رمقا |
قد زاد صبابتي به والحرقا | شوقا وشقا |
لو فوق سهم جفنه أو رشقا | في يوم لقا |
أبطال وغى تميس في غدران=نسج الحلق=أبصرتهم في معرك الفرسان | صرعى الحدق |
بدر منعته قسوة الأتراك | رحمى الشاكي |
من ناظره حبائل الأشراك | والإشراك |
كم ضل بها قبلي من النساك | والفتاك |
قاني الوجنات ينتمي للقان=صعب الخلق=إن قلت أموت في الهوى ناداني | هذا يسقي |
كم جا جبينه الدجا فاقترضا | صبحا فأضا |
كم جرد جفنه حساما ونضى | والصب قضى |
كم أودع ريقه فؤادا مرضا | من جمر غضا |
فاعجب لرضابه شفا الظمآن=يذكي حرقي=والخد به الخال على النيران | لم يحترق |
يا خجلة خد الورد في جنته | من وجنته |
يا كسرة غصن البان في حضرته | من خطرته |
يا حيرة بدر التم من عزته | في طرته |
لا تعتقد الأقمار بالبهتان=وسط الأفق=أن تشبهه فليس في الإمكان | ما لم تطق |
ما أسعد من أصابه بالحور | سهم النظر |
ما أنعم من يصليه نار الفكر | طول العمر |
أو قيده الحب بقيد الشعر | عند السحر |
أو طوقه بذلك الثعبان=فوق العنق=أو بات بقفل صدغه الريحاني | تحت الغلق |
قالوا: سلا واسترد مضناه=قلبا أخذا=لا والذي لا إله إلا هو | ما كان كذا |
لا والذي زانه وأعطاه=حسنا وشذى=على البرايا وإنه الله | ما كان كذا |
لو قيس ما فاق من حمياه=أو ما نبذا=الى رضاب حوته عيناه | ما كان كذا |
واختار من نبلها ونقاه=سهما نفذا=في الأرض من خرقه رماياه | ما كان كذا |
الى حسام نضته عيناه=ماض شحذا=على مسن أبدته صدغاه | ما كان كذا |
لو قيس أيضا الى محياه=في الحسن إذا=حفت به هالة عذاراه | ما كان كذا |
دار الفكر المعاصر، بيروت - لبنان / دار الفكر، دمشق - سوريا-ط 1( 1998) , ج: 5- ص: 5
محمد بن عمر بن مكي بن عبد الصمد بن عطية محمد بن عمر بن مكي بن عبد الصمد بن عطية بن أحمد الأموي صدر الدين ابن الوكيل وابن المرحل ويقال له ابن الخطيب أيضا ولد في شوال سنة 65 بدمياط وقيل بأشموم وسمع من المسلم بن علان والقاسم الاربلي وغيرهما وتفقه بأبيه وبشرف الدين المقدسي وتاج الدين ابن الفركاح وأخذ عن بدر الدين ابن مالك والصفي الهندي وتقدم في الفنون وفاق الأقران وقال الشعر فلم يتقدمه فيه أحد من أبناء جنسه وأتى فيه بالمرقص والمطرب وكان أعجوبة في الذكاء حفظ المفصل في مائة يوم وكتب له عليه الشيخ شرف الدين المقدسي قرأه في مائة يوم لا أراني الله له يوما وحفظ ديوان المتنبي في جمعة والمقامات في كل يوم مقامة وكان لا يمر بشاهد للعرب إلا حفظ القصيدة كلها وكان نظارا مستحضرا أفتى وهو ابن عشرين سنة وكان لا يقوم بمناظرة ابن تيمية أحد سواه حتى أنهما تناظرا يوما بالكلاسة فاستشهد ابن تيمية بعض الحاضرين فأنشد الصدر في الحال
إن انتصارك بالإخوان من عجب | وهل رأى الناس منصورا بمنكسر |
لولاك يا خير من يمشي على قدم | خاب الرجاء وماتت سنة الكرم |
بنيت قصرا بدا بالسعد طالعه | قامت لهيبته الدنيا على قدم |
وداد ابن الوكيل له مثال | كلبادين جلق في المسالك |
فأوله حلي ثم طيب | وآخره زجاج مع لوالك |
دماغ الزملكي لها مثال | كعقرب أخفيت في البيت معنا |
فما مرت بشئ قط إلا | وتضربه سريعا لا لمعنى |
كأنما البدر خلال السما | من فوق غيم ليس بالكابي |
طراز تبر في قبا أزرق | من تحته فروة سنجاب |
راح بها الأعمى يرى مع العمى | وهاك برهانا على هذي الملح |
للخمر بالأقداح قلب دائما | والحدق أنظرها تجد قلب القدح |
غذيرى من شادن أغضبوه | فجرد لي مرهفا فاتكا |
وقال أنا لك يا ابن الوكيل | وهل لي رجاء سوى ذالكا |
وبي من قسا قلبا ولان معاطفا | إذا قلت أدنانى يضاعق تبعيدى |
أقر برق إذ أقول أنا له | وإن قالها أيضا ولكن لتهديدي |
لا تعذلني فكلما تلحاني | زادت حرقي |
يستأهل من يقول بالسلوان | ضرب العنق |
الفقه فقه أبي حنيفة وحده | والدين دين محمد بن كرام |
إن الذين بجهلهم لم يقتدوا | في الدين بابن كرام غير كرام |
رجعت لا أدري الطريق من البكا | رجعت عداك المغضبون كمرجعي |
مجلس دائرة المعارف العثمانية - صيدر اباد/ الهند-ط 2( 1972) , ج: 2- ص: 0
محمد بن عمر بن مكي بن عبد الصمد الشيخ الإمام صدر الدين بن المرحل تفقه على والده وعلى الشيخ شرف الدين المقدسي
وسمع الحديث من القاسم الإربلي والمسلم بن علان وطائفة
وقعت لنا عنه أناشيد من نظمه ولم يقع لنا حديثه
كان إماما كبيرا بارعا في المذهب والأصلين يضرب المثل باسمه فارسا في البحث نظارا مفرط الذكاء عجيب الحافظة كثير الاشتغال حسن العقيدة في الفقراء مليح النظم جيد المحاضرة
ولد بدمشق ونشأ بها وانتقل إلى القاهرة وبها توفي وتنقلت به الأحوال
وله مع ابن تيمية المناظرات الحسنة وبها حصل عليه التعصب من أتباع ابن تيمية وقيل فيه ما هو بعيد عنه وكثر القائل فارتاب العاقل
كان الوالد رحمه الله يعظم الشيخ صدر الدين ويحبه ويثني عليه بالعلم وحسن العقيدة ومعرفة الكلام على مذهب الأشعري
درس بدمشق بالشاميتين والعذراوية
وولي مشيخة دار الحديث الأشرفية وباشرها مدة ثم درس في آخر عمره بالقاهرة بزاوية الشافعي والمشهد الحسيني وهو أول من درس بالمدرسة الناصرية بها
ذكره القاضي شهاب الدين بن فضل الله في تاريخه فقال إمام له نسب في قريش أعرق وحسب في بني عبد شمس مثل الشمس أشرق وعلم لو أن البحر شطأ شبهه لأغرق وفهم لو أن الفجر سطع نظيره لأحرق
وثبت طنب على المجرة ومد رواقه فتلألأ بالمسرة ونشر رايته البيضاء الأموية وحولها ثغور الكواكب المنيرة وارتفع أن يقاس بنظير واتضع والثريا تاج فوق مفرقه والجوزاء تحته سرير
وهمة دون السما لا يقصرها وحكمة عن سبق القدما لا يؤخرها
مع جبين وضاح ويمين منها الكرم يستماح وأدب أشهى من رشف الرضاب وأحلى من رضا الحبائب الغضاب وخلق شرح الله صدره ومنح فضله أندت الرياض المخضرة انتهى
وللشيخ صدر الدين كتاب الأشباه والنظائر ومات ولم يحرره فلذلك ربما وقعت فيه مواضع على وجه الغلط مثل حكايته عن بعض الأئمة وجهين فيما إذا كشف عورته في الخلاء زائدا على القدر المحتاج هل يأثم على كشف الجميع أو على القدر الزائد وهذا لم أره في كتاب
وذكره شيخ الأدباء القاضي صرح الدين الصفدي فقال أما التفسير فابن عطية عنده مبخل والواحدي شارك العي لفظه فتخيل
وأما الحديث فلو رآه ابن عساكر لانهزم وانضم في زوايا تاريخه وانحزم
وأما الفقه فلو أبصره المحاملي ما تحمل من غرائب قاضي النقل عنه وما نصب ورجع عما قال به من استحباب الوضوء من الغيبة وعند الغضب
وأما الأصول فلو رآه ابن فورك لفرك عن طريقته وقال بعدم المجاز إلى حقيقته
وأما النحو فلو عاصره عنبسة الفيل لكان مثل ابن عصفور أو أبو الأسود لكان ظالما وذنبه غير مغفور
وأما الأدب فلو عاينه الجاحظ لأمسى لهذا الفن وهو جاحد أو الثعالبي لراغ عن تصانيفه وما اعترف منها بواحد
وأما الطب فهو شاهده ابن سينا لما أطرب قانونه أو ابن النفيس لعاد نفيسا قد ذهبت نونه
وأما الحكمة فالنصير الطوسي عنده مخذول والكاتبي دبيران أدبر عنه وحده مفلول
وأما الشعر فلو حاذاه ابن سناء الملك فنيت ذخيرة مجازاته وحقائقه أو ابن الساعاتي ما وصل إلى درجته ولا انتهى إلى دقائقه
وأما الموشحات فلو وصل خبره إلى الموصلي لأصبح مقطوع الذنب أو ابن زهر لما رأى له السماء نجما إلا هوى ولا برجا إلا انقلب
وأما البلاليق فابن كلفة عنده يتكلف وابن مدغليس يغلس للسعي في ركابه وما يتخلف
انتهى قليل مما ذكره القاضي صلاح الدين بلفظه
وكانت للشيخ صدر الدين صدقات دارة ومكارم حاتمية ما أشك أنها كانت دافعة لكثير من السوء عنه فلطالما دخل في مضايق ونجا منها
ومن أحسن ما بلغني عنه من صدقاته ما حكاه صاحبه الحافظ شهاب الدين العسجدي قال كنت معه ليلة عيد فوقف له فقير استجداه فقال لي أيش معك فقلت مائتا درهم فقال ادفعها إلى هذا الفقير فقلت له يا سيدي الليلة العيد وما معنا ما ننفقه غدا فقال لي امض إلى القاضي كريم الدين الكبير وقل له الشيخ يهنئك بهذا العيد
فلما رآني كريم الدين قلت له ما قاله لي الشيخ قال كأن الشيخ يعوز نفقة في هذا العيد ودفع إلي ألفي درهم وقال هذه للشيخ ولك أنت ثلاثمائة درهم
فلما حضرت بالدراهم إلى الشيخ قال صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم (الحسنة بعشر أمثالها) هذه مائتان بألفين
ولد الشيخ صدر الدين سنة خمس وستين وستمائة
وتوفي بالقاهرة في سنة ست عشرة وسبعمائة
أنشدنا الحافظ أبو العباس أحمد بن محمد بن عبد الرحمن بن إبراهيم بن عبد المحسن العسجدي بقراءتي عليه قال أنشدنا الشيخ صدر الدين بن المرحل لنفسه من لفظه
ليذهبوا في ملامي أية ذهبوا | في الخمر لا فضة تبقى ولا ذهب |
والمال أجمل وجه فيه تنفقه | وجه جميل وراح في الدجا لهب |
لا تأسفن على مال تمزقه | أيدي سقاة الطلا والخرد العرب |
فما كسوا راحتي من راحها حللا | إلا وعروا الهم واستلبوا |
راح بها راحتي في راحتي حصلت | فتم عجبي بها وازداد لي العجب |
وليست الكيميا في غيرها وجدت | وكل ما قيل في أبوابها كذب |
قيراط خمر على القنطار من حزن | يعيد ذلك أفراحا وينقلب |
عناصر أربع في الكأس قد جمعت | وفوقها الفلك السيار والشهب |
ماء ونار هواء أرضها قدح | وطوقها فلك والأنجم الحبب |
ما الكأس عندي بأطراف الأنامل بل | بالخمس تقبض لا يحلو بها الهرب |
شججت بالماء منها الرأس موضحة | فحين أعقلها بالخمس لا عجب |
صفراء فاقعة في الكأس ساطعة | كالتبر لامعة كاساتها سحب |
وإن أقطب وجهي حين تبسم لي | فعند بسط الموالي يحفظ الأدب |
يا مطلبا ليس لي في غيره أرب | إليك آل التقضي وانتهى الطلب |
وما طمحت لمرأى أو لمستمع | إلا لمعنى إلى علياك ينتسب |
وما أراني أهلا أن تواصلني | حسبي علوا بأني فيك مكتئب |
لكن ينازع شوقي تارة أدبي | فأطلب الوصل لما يضعف الأدب |
ولست أبرح في الحالين ذا قلق | باد وشوق له في أضلعي لهب |
ومدمع كلما كفكفت أدمعه | صونا لذكرك يعصيني وينسكب |
ويدعي في الهوى دمعي مقاسمتي | وجدي وحزني ويجري وهو مختضب |
كالطرف يزعم توحيد الحبيب ولا | يزال في ليله للنجم يرتقب |
يا رب جفني قد جفاه هجوعه | والوجد يعصي مهجتي ويطيعه |
يا رب قلبي قد تصدع بالنوى | فإلى متى هذا البعاد يروعه |
يا رب بدر الحي غاب عن الحمى | فمتى يكون على الخيام طلوعه |
يا رب في الأظعان سار فؤاده | وبوده لو كان سار جميعه |
يا رب لا أدع البكا في حبهم | من بعدهم جهد المقل دموعه |
يا رب هب قلب الكئيب تجلدا | عمن يحب فقد دنا توديعه |
يا رب هذا بينه وبعاده | فمتى يكون إيابه ورجوعه |
يا رب أهلا ما قضيت وإنما | أدعو بعودهم وأنت سميعه |
دمعي روى مسلسلا بالسند | عن بصري أحزاني |
لما جفا من قد بلا | بالرمد والسهر أجفاني |
غزال أنس نافر | نيطت به التمائم |
وغصن بان ناضر | أزهاره المباسم |
قلبي عليه طائر | تبكي له الحمائم |
وإن غاب فهو حاضر | بالفكر لي ملازم |
كم قد لوى على الولا من موعد | لم يفكر في عاني |
وقد كفى ما قد بلا بالكمد | والفكر ذا الجاني |
أزرى بغزلان النقا | وبانه وحقفه |
كم حل من عقد تقى | بطرفه وظرفه |
لم أنسه لما سقا | من ثغره الإلفه |
سلاف ريق روقا | في ثغره لرشفه |
قد احتوى على طلا وسهد | ودرر مرجان |
ورصعا وكللا بالبرد | والزهر للحان |
أماله سكر الصبا | ميل الصبا بقده |
وفك أزرار القبا | وحل عقد بنده |
وسدنه زهر الربا | وساعدي لسعده |
وبت أرعى زغبا | من فوق ورد خده |
مثل الهوى هب على روض ند | من طرر ريحاني |
قد لطفا حتى علا مورد | مزهر نعماني |
خد به خد البكا | في صحن خدي عذرا |
ورد لما أن شكا | سائل جمعي نهرا |
كم مغرم قد تركا | بين البرايا عبرا |
يا من إليه المشتكى | الحال يغني النظرا |
وإذا الهوى فانهملا دمعي الصدي | كالمطر هتاني |
وما انطفا واشتعلا في كبدي | كالشرر نيراني |
يا فرحة المحزون | وقرحه لمن يرى |
إن صلت بالجفون | وصدت من جفني الكرا |
فليس من يحمين | سوى الذي فاق الورى |
شمس العلا والدين | أبي سعيد سنقرا |
مولى حوى كل العلا | وسؤدد من معشر فرسان |
وقد صفا ثم حلا في المورد | للمعصر والعاني |
غدا منادينا محكما فينا | يقضي علينا الأسى لولا تأسينا |
بحر الهوى يغرق | من فيه جهلا عام |
وناره تحرق | من هم أوقد هام |
وربما يقلق | فتى عليه نام |
قد غير الأجسام وصير الأيام | سودا وكانت بكم بيضا ليالينا |
يا صاحب النجوى | قف واستمع مني |
إياك أن تهوى | إن الهوى يضني |
لا تقرب البلوى | اسمع وقل عني |
بحاره مره خضنا على غره | حينا فقام بها للنعي ناعينا |
من هام بالغيد | لاقى بهم هما |
بذلت مجهودي | لأحور ألمى |
فهم بالجود | ورد ما هما |
وعندما قد جاد بالوصل أو قد كاد | أضحى التنائي بديلا من تدانينا |
بحق ما بيني | وبينكم إلا |
أقررتم عيني | فتجمعوا الشملا |
فالعيش بالبين | بفقدكم أبلى |
جديد ما قد كان بالأهل والإخوان | ومورد اللهو صاف من تصافينا |
يا جيرة بانت | عن مغرم صب |
لعهده خانت | من غير ما ذنب |
ما هكذا كانت | عوائد العرب |
لا تحسبوا البعدا يغير العهدا | إذ طالما غير النأي المحبينا |
يا نازلا بالبان | بالشفع والوتر |
والنمل والفرقان | والليل إذا يسري |
وسورة الرحمن | والنحل والحجر |
هل حل في الأديان أن يقتل الظمآن | من كان صرف الهوى والود يسقينا |
يا سائل القطر | عرج على الوادي |
من ساكني بدر | وقف بهم نادي |
عسى صبا تسري | لمغرم صادي |
إن شئت تحيينا بلغ تحايينا | من لو على البعد حيا كان يحيينا |
وافت لنا أيام | كأنها أعوام |
وكان لي أعوام | كأنها أيام |
تمر كالأحلام | بالوصل لي لو دام |
والكأس مترعة حثت مشعشعة | فينا الشمول وغنانا مغنينا |
ما أخجل قده غصون البان | بين الورق |
إلا سلب المها مع الغزلان | سود الحدق |
الحب جماله مدى الأزمان | معناه بقي |
وازداد سنا وخص بالنقصان | بدر الأفق |
هذا وأبيك فر من رضوان | تحت الغسق |
للأرض يعيذه من الشيطان | رب الفلق |
قد زين حسنه مع الإحسان | حسن الخلق |
لو رمت لحسنه مليحا ثان | لم يتفق |
فالورد حواه ناعم الريحان | بالطل سقي |
والقد يميل ميلة الأغصان | للمعتنق |
لا تعذلني فكلما تلحاني | زادت حرقي |
يستأهل من يهم بالسلوان | ضرب العنق |
والدر منظم مع المرجان | في فيه نقي |
قد رصع فوقه عقيق قان | نظم النسق |
قالوا سلا واسترد مضناه | قلبا أخذا |
لا والذي لا إله إلا هو | ما كان كذا |
عشقته كوكبا من الصغر | أأترك الوجد وهو كالقمر |
دبج ديباجته بالشعر | بدت طرازا كالرقم بالإبر |
لا والذي زانه فأعطاه | حسنا وشذا |
على البرايا إنه الله | ما كان كذا |
ولو تقاس الكئوس بالثغر | وبالثنايا الحباب كالدرر |
لفضل الثغر صحة النظر | والصرف في مطعم وفي عطر |
لو قيس ما فاق من حمياه | أو ما نبذا |
إلى رضاب حوته عيناه | ما كان كذا |
كل دم الناس فوق وجنته | قد سفكتها سهام مقلته |
العفو من نبلها وحدته | لو صب بهرام كل جعبته |
واختار من نبلها ونقاه | سهما نفذا |
في الأرض من حرقة رماياه | ما كان كذا |
وسودها يا حليم خذ بيدي | أمضي من البيض مع بني أسد |
لو قيس ما فك محكم الزرد | من كل ماضي القرون غير صد |
إلى حسام نضته عيناه | ماض شحذا |
على مسن أبدته صدغاه | ما كان كذا |
قد سبى الظبي حسن لفتته | كما سبى الغصن حسن خطرته |
والشمس خجلى من حسن طلعته | والبدر في حسنه وبهجته |
لو قيس أيضا إلى محياه | في الحسن إذا |
حفت به هالة عذاراه | ما كان كذا |
دار هجر - القاهرة-ط 2( 1992) , ج: 9- ص: 253
محمد بن عمر بن مكي، الشيخ العلامة ذو الفنون صدر الدين ابن الخطيب المفتي زين الدين العثماني الشافعي ابن وكيل بيت المال ولد سنة خمس وستين وست مائة.
وسمع من القاسم الإربلي، والفخر علي، وجماعة، واشتغل على والده، وعلى الشيخ شرف الدين المقدسي، وصفي الدين الهندي، وحفظ كتبا كبارا، وأفتى وناظر وبرع في العلم، وكان من أفراد الأذكياء.
جلست إليه، وأول ما سمعت كلامه في سنة ثلاث وثمانين وست مائة، وسمعت منه في صحيح مسلم بدار الحديث.
توفي بمصر في ذي الحجة سنة ست عشرة وسبع مائة، سامحه الله.
سمعت محمد بن عمر العثماني يقول في سنة اثنتين وتسعين وست مائة في درسه بالقوصية، الجيم والقاف لا يجتمعان في كلمة عربية كالجرموق والجولق.
مكتبة الصديق، الطائف - المملكة العربية السعودية-ط 1( 1988) , ج: 2- ص: 259
محمد بن عمر بن مكي بن عبد الصمد الشيخ صدر الدين ابن المرَّحل.
تفقه على والده وعلي الشيخ شرف الدين المقدسى، وسمع الحديث من القاسم الإربلى وغيره، وبرع في المذهب والأصلين، وضرب المثل باسمه، وكان إماماً نظاراً مفرط الذكاء، درس بدار الحديث الأشرفية والشامية والعزراوية وغير ذلك، وبالقاهرة بزاوية الإمام الشافعي وبالمشهد الحسينى والناصرية، وهو أول من درس بها وحصلت له وجاهة زائدة، وجمع كتاب ’’الأشباه والنظائر’’ ولم يحرره، وقد شرعت في تهذيبه وترتيبه
على أبواب الفقه، وقد كمل وللَّه الحمد، ومن غرائبه أن صحح حكاية وجهين عن بعض الأئمة فيما إذا كشف عورته في الخلاء زائداً على القدر المحتاج هل يأثم على كشف الجميع أو على القدر الزائد، ولد سنة خمس وستين وستمائة بدمياط، ومات بالقاهرة سنة ست عشرة وسبعمائة، ومن شعره:
يا رب جفنى قد جفاهُ هُجُوعه | والوجْدُ يعصى مُهجتى ويطيعه |
يا رب قلبى قد تصدَّع بالنوى | فإلى متى هذا البعاد يَرُوعُهُ |
يا رب بدرُ الحىِّ غاب عن الحمَى | فمتى يكون على الخيام طُلوعُهُ |
يا رب في الأظعان سار فؤادُهُ | وبوده لو كان سار جميعهُ |
يا رب لا أدع البكاء في حُبِّهم | من بعدهم جُهْدَا لِمُقلِّ دُمُوعهُ |
يا رب هَبْ قلب الكئيب تَجَلُّداً | عَمّن يحبُّ قد دنا توديعُه |
يا رب هذا بينُه وبعاده | فمتى يكون إيابُه ورجوعهُ |
يا رب أهلاً ما قضيت وإنَّما | أدعو بِعَوْدهم وأنت سميعُهُ’’. |
بكيت على فقد الشباب المودع | دماً بعدما أفنيت دمعى ومدمعى |
وبذلت من شكر الشبيبة صحوة | من الشيب قالت للمسرة ودعى |
فطلَّقت لذاتى ثلاثاً ولم يكن | لها رجعة منّى إلى يوم مرجعى’’. |
دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان-ط 1( 1997) , ج: 1- ص: 1