عبد الله بن الزبير ومنهم الصائل بالحق، القائل بالصدق، المحنك بريق النبوة، المبجل لشرف الأمومة والأبوة، المشاهد في القيام، والمواصل للصيام، ذو السيف الصارم، والرأي الحازم، مبارز الشجعان، وحافظ القرآن، التزق بالنبي لزوقا، والتصق بالصديق لصوقا، سبط عمة النبي صفية، وابن أخت زوجته الصديقة الوفية، عبد الله بن الزبير، منابذ الغوير، ومحارب الشقير. وقيل: «إن التصوف التظاهر بالحق، على المتكاثر بالخلق»
حدثنا سليمان بن أحمد، ثنا دران بن سفيان البصري، ثنا موسى بن [ص:330] إسماعيل، ثنا الهنيد بن القاسم بن عبد الرحمن بن ماعز، قال سمعت عامر بن عبد الله بن الزبير، يحدث أن أباه حدثه أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يحتجم، فلما فرغ قال: «يا عبد الله، اذهب بهذا الدم فأهرقه حيث لا يراك أحد»، فلما برزت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عمدت إلى الدم فحسوته، فلما رجعت إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما صنعت يا عبد الله؟»، قلت: جعلته في مكان ظننت أنه خاف على الناس، قال: «فلعلك شربته؟»، قلت: نعم، قال: «ومن أمرك أن تشرب الدم، ويل لك من الناس، وويل الناس منك»
حدثنا محمد بن علي بن حبيش، ثنا أحمد بن حماد بن سفيان، ثنا محمد بن موسى الحرشي، ثنا سعد أبو عاصم، مولى سليمان بن علي، قال: زعم لي كيسان مولى عبد الله بن الزبير قال: " دخل سلمان على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإذا عبد الله بن الزبير معه طست يشرب ما فيها، فدخل عبد الله على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له: «فرغت؟»، قال: نعم، قال: سلمان: ما ذاك يا رسول الله؟ قال: «أعطيته غسالة محاجمي يهريق ما فيها»، قال سلمان: ذاك شربه والذي بعثك بالحق، قال: «شربته؟»، قال: نعم، قال: «لم؟»، قال: أحببت أن يكون دم رسول الله صلى الله عليه وسلم في جوفي، فقال بيده على رأس ابن الزبير وقال: «ويل لك من الناس، وويل للناس منك، لا تمسك النار إلا قسم اليمين»
حدثنا محمد بن علي، ثنا الحسين بن مودود، ثنا سليمان بن يوسف، ثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد، ثنا أبي، عن صالح بن كيسان، عن ابن شهاب، قال: أخبرني القاسم بن محمد بن أبي بكر، أن معاوية، أخبر " أن عبد الله بن عمر وعبد الرحمن بن أبي بكر وعبد الله بن الزبير خرجوا من المدينة عائذين بالكعبة من بيعة يزيد بن معاوية، قال: فلما قدم معاوية مكة تلقاه عبد الله بن الزبير بالتنعيم فضاحكه معاوية وسأله عن الأموال، ولم يعرض بشيء من الأمر الذي بلغه، ثم لقي عبد الله بن عمر وعبد الرحمن بن أبي بكر فتفاوضا معه في أمر يزيد، ثم دعا معاوية ابن الزبير فقال له: هذا صنيعك أنت،
استزللت هذين الرجلين، وسننت هذا الأمر، وإنما أنت ثعلب رواغ لا تخرج من جحر إلا دخلت في آخر، فقال ابن الزبير: «ليس بي شقاق، ولكن أكره أن أبايع رجلين، أيكما أطيع بعد أن أعطيكما العهود والمواثيق؟ فإن كنت مللت الإمارة فبايع ليزيد، فنحن نبايعه معك» فقام معاوية حين أبوا عليه فقال: ألا إن حديث الناس ذات غور، وقد كان بلغني عن هؤلاء الرهط أحاديث وجدتها كذبا، وقد سمعوا وأطاعوا ودخلوا في صلح ما دخلت فيه الأمة "
حدثنا عبد الله بن محمد، ثنا أبو بكر بن أبي عاصم، ثنا الحوطي، وعمرو بن عثمان، قالا: ثنا شعيب بن إسحاق، عن هشام بن عروة، عن أبيه، أن يزيد بن معاوية، كتب إلى عبد الله بن الزبير: إني قد بعثت بسلسلة من فضة وقيدين من ذهب وجامعة من فضة، وحلفت بالله لتأتيني في ذلك، فألقى عبد الله بن الزبير الكتاب وقال: «
[البحر البسيط]
ولا ألين لغير الحق أسأله ... حتى يلين لضرس الماضغ الحجر»
حدثنا سليمان بن أحمد، ثنا علي بن المبارك الصنعاني، ثنا يزيد بن المبارك، ثنا عبد الملك بن عبد الرحمن الذماري، ثنا القاسم بن معن، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: " لما مات معاوية تثاقل عبد الله بن الزبير عن طاعة يزيد بن معاوية، وأشهر شتمه، فبلغ ذلك يزيد فأقسم لا يؤتى به إلا مغلولا، وإلا أرسل إليه، فقيل لابن الزبير: ألا نصنع لك غلا من فضة تلبس عليه الثوب وتبر قسمه، فالصلح أجمل بك؟ قال: لا أبر الله قسمه، ثم قال: "
[البحر البسيط]
ولا ألين لغير الله أسأله ... حتى يلين لضرس الماضغ الحجر
ثم قال: " والله لضربة بسيف في عز أحب إلي من ضربة بسوط في ذل، ثم دعا إلى نفسه وأظهر الخلاف ليزيد بن معاوية، فبعث إليه يزيد حصين بن نمير الكندي، وقال له: يا ابن برذعة الحمار، احذر خدائع قريش، ولا تعاملهم إلا بالثقاف ثم القطاف، فورد حصين مكة فقاتل بها ابن الزبير وأحرق الكعبة، ثم بلغه موت يزيد فهرب، فلما مات يزيد دعا مروان بن الحكم إلى نفسه، ثم [ص:332] مات مروان فدعا عبد الملك إلى نفسه، فعقد للحجاج في جيش إلى مكة، فورد مكة وظهر على ابن قبيس ونصب عليه المنجنيق يرمي به ابن الزبير ومن معه في المسجد، فلما كان الغداة التي قتل فيها ابن الزبير دخل ابن الزبير على أمه أسماء بنت أبي بكر، وهي يومئذ ابنة مائة سنة، لم يسقط لها سن، ولم يفسد لها بصر، فقالت: يا عبد الله ما فعلت في حربك؟ قال: بلغوا مكان كذا وكذا، وضحك وقال: إن في الموت لراحة، فقالت أسماء: يا بني، لعلك تتمناه لي، ما أحب أن أموت حتى آتي على أحد طرفيك إما أن تملك فتقر بذلك عيني، وإما أن تقتل فأحتسبك، ثم ودعها فقالت: يا بني، إياك أن تعطي خصلة من دينك مخافة القتل، وخرج عنها فدخل المسجد، فقيل له: ألا تكلمهم في الصلح؟ فقال: أوحين صلح هذا؟ والله لو وجدوكم في جوف الكعبة لذبحوكم، ثم أنشأ يقول:
[البحر الطويل]
ولست بمبتاع الحياة بذلة ... ولا مرتق من خشية الموت سلما
ثم أقبل على آل الزبير يعظهم ويقول: ليكن أحدكم سيفه كما يكن وجهه، ولا ينكسر سيفه فيدفع عن نفسه بيده كأنه امرأة، والله ما لقيت زحفا قط إلا في الرعيل الأول، وما ألمت جرحا قط إلا أن يكون ألم الدواء، ثم حمل عليهم ومعه سيفان، فأول من لقيه الأسود فضربه بسيفه حتى أطن رجله، فقال الأسود: أخ يا ابن الزانية، فقال له ابن الزبير: اخسأ يا ابن حام، أسماء زانية ثم أخرجهم من المسجد فما زال يحمل عليهم ويخرجهم من المسجد ويقول: لو كان قرني واحدا كفيته، قال: وعلى ظهر المسجد من أعوانه من يرمي عدوه بالآجر، فأصابته آجرة في مفرقه حتى فلقت رأسه، فوقف قائما وهو يقول:
ولسنا على الأعقاب تدمى كلومنا ولكن على أقدامنا تقطر الدما قال: ثم وقع فأكب عليه موليان وهما يقولان: العبد يحمي ربه ويحتمي، قال: ثم سير إليه فجز رأسه "
حدثنا سليمان بن أحمد، ثنا علي بن المبارك، ثنا زيد بن المبارك، أخبرنا [ص:333] صاحب لنا أخبرني إبراهيم بن إسحاق، قال: سمعت أبي إسحاق، يقول: أنا حاضر قتل ابن الزبير يوم قتل في المسجد الحرام، جعلت الجيوش تدخل من أبواب المسجد، فكلما دخل قوم من باب حمل عليهم وحده حتى يخرجهم، فبينا هو على تلك الحالة إذ جاءت شرفة من شرفات المسجد فوقعت على رأسه فصرعته، وهو يتمثل بهذه الأبيات يقول:
[البحر الرجز]
أسماء إن قتلت لا تبكيني ... لم يبق إلا حسبي وديني
وصارم لانت به يميني "
حدثنا فاروق بن عبد الكبير الخطابي، ثنا عبد العزيز بن معاوية العتابي، ثنا جعفر بن عون، ثنا هشام بن عروة، عن أبيه، قال: كان عبد الله بن الزبير يحمل عليهم حتى يخرجهم من الأبواب وهو يرتجز ويقول: "
[البحر الرجز]
لو كان قرني واحدا كفيته
ويقول:
[البحر الطويل]
ولسنا على الأعقاب تدمى كلومنا ... ولكن على أقدامنا تقطر الدما "
حدثنا جعفر بن محمد بن عمرو الأحمسي، ثنا أبو حصين الوادعي، ثنا يحيى بن عبد الحميد، ثنا علي بن مسهر، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن أسماء بنت أبي بكر، وحدثنا عبد الله بن محمد، ثنا أبو بكر بن أبي عاصم، ثنا دحيم، ثنا شعيب بن إسحاق، عن هشام بن عروة، وفاطمة بنت المنذر، قالا: «خرجت أسماء بنت أبي بكر مهاجرة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهي حبلى بعبد الله بن الزبير، فوضعته فلم ترضعه حتى أتت به النبي صلى الله عليه وسلم، فأخذه فوضعه في حجره، فطلبوا تمرة يحنكه بها حتى وجدوا، فكان أول شيء دخل بطنه ريق رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسماه عبد الله» قال شعيب في حديثه: فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بتمرة، فقالت عائشة: فمكثنا ساعة نلتمسها قبل أن نجدها فمضغها ثم وضعها في فيه
حدثنا أبو بكر الطلحي، ثنا أبو حصين الوادعي، ثنا أحمد بن يونس، ثنا أبو المحياة يحيى بن يعلى التيمي، عن أبيه، قال: " [ص:334] دخلت مكة بعدما قتل ابن الزبير بثلاثة أيام، وهو حينئذ مصلوب، قال: فجاءت أمه عجوز طويلة مكفوفة البصر فقالت للحجاج: أما آن لهذا الراكب أن ينزل؟ فقال الحجاج: المنافق، فقالت: والله ما كان منافقا، إن كان لصواما قواما برا، قال: انصرفي يا عجوز، فإنك قد خرفت، قالت: لا والله ما خرفت منذ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «يخرج من ثقيف كذاب ومبير»، فأما الكذاب فقد رأيناه، وأما المبير فأنت "
حدثنا علي بن حميد الواسطي، ثنا أسلم بن سهل الواسطي، ثنا محمد بن حسان، ثنا عبد الوهاب بن عطاء، ثنا زياد الجصاص، عن علي بن زيد بن جدعان، عن مجاهد، قال: " كنت مع ابن عمر، فمر على ابن الزبير رضي الله عنهما فوقف عليه فقال: رحمك الله، فإنك ما علمت صواما قواما وصولا للرحم، وإني لأرجو أن لا يعذبك الله عز وجل، ثم التفت إلي فقال: أخبرني أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " {من يعمل سوءا يجز به} [النساء: 123] "
حدثنا أبو بكر الطلحي، ثنا أبو حصين الوادعي، ثنا أحمد بن يونس، ثنا مندل، عن سيف أبي الهذيل، عن نافع، قال: " أدنيت عبد الله بن عمر من جذع ابن الزبير رضي الله تعالى عنهما فقال: «يرحمك الله، فوالله إن كنت لصواما قواما»
حدثنا أبو حامد بن جبلة، ثنا محمد بن إسحاق الثقفي، ثنا أحمد بن سعيد الدارمي، ثنا أبو عاصم، عن عمرو بن قيس، قال: " كان لابن الزبير مائة غلام يتكلم كل غلام منهم بلغة أخرى، فكان ابن الزبير يكلم كل واحد منهم بلغته، فكنت إذا نظرت إليه في أمر دنياه قلت: هذا رجل لم يرد الله طرفة عين، وإذا نظرت إليه في أمر آخرته قلت: هذا رجل لم يرد الدنيا طرفة عين "
حدثنا أحمد بن محمد بن سنان، ثنا أبو العباس السراج، ثنا محمد بن الصباح، ومحمد بن ميمون، قالا: ثنا سفيان، عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، قال: ذكرت ابن الزبير عند ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، فقال: كان عفيفا في الإسلام، قارئا للقرآن، أبوه الزبير، وأمه أسماء، وجده أبو بكر، وعمته خديجة، وجدته صفية، وخالته عائشة، والله لأحاسبن له في نفسي محاسبة لم [ص:335] أحاسبها لأبي بكر ولا لعمر "
حدثنا أبو بكر بن مالك، ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثني العباس بن الوليد النرسي، ثنا مسلم بن خالد الزنجي، قال: سمعت عمرو بن دينار، يقول: «ما رأيت مصليا قط أحسن صلاة من عبد الله بن الزبير»
حدثنا أبو بكر بن مالك، ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، ثنا محمد بن عباد، ثنا سفيان، قال: سمعت هشام بن عروة، يقول: قال لي ابن المنكدر: لو رأيت ابن الزبير وهو يصلي لقلت: غصن شجرة يصفقها الريح، وإن المنجنيق ليقع ههنا وههنا ما يبالي "
حدثنا أبو بكر الطلحي، ثنا أبو حصين الوادعي، ثنا أحمد بن يونس، ثنا زائدة، عن منصور، عن مجاهد، قال: " كان عبد الله بن الزبير إذا قام في الصلاة كأنه عود، وكان يقول: ذلك من الخشوع في الصلاة "
حدثنا سليمان بن أحمد، ثنا إسحاق بن إبراهيم، عن عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن عطاء، قال: «كان ابن الزبير إذا صلى كأنه كعب راتب»
حدثنا محمد بن علي بن عاصم، ثنا الحسين بن محمد الحراني، ثنا عبد الوارث بن عبد الصمد، حدثتني أمي، قالت: حدثتنا ماطرة المهدية، قالت: حدثتني خالتي أم جعفر بنت النعمان، " أنها سلمت على أسماء بنت أبي بكر، وذكر عندها عبد الله بن الزبير، فقالت: كان ابن الزبير قوام الليل، صوام النهار، وكان يسمى: حمام المسجد "
حدثنا أبو حامد بن جبلة، ثنا محمد بن إسحاق، ثنا أحمد بن سعيد، ثنا علي بن الحسن بن شقيق، ثنا نافع بن عمر، عن ابن أبي مليكة، قال: قال لي عمر بن عبد العزيز: " إن في قلبك من ابن الزبير، قال: قلت: لو رأيته ما رأيت مناجيا مثله، ولا مصليا مثله
حدثنا محمد بن علي، ثنا الحسين بن محمد الحراني، ثنا محمد بن بشار، عن روح بن عبادة، عن حبيب بن الشهيد، عن ابن مليكة، قال: «كان ابن الزبير يواصل سبعة أيام، ويصبح يوم السابع وهو أليثنا»
حدثنا سليمان، ثنا زكريا الساجي، ثنا حوثرة بن محمد، ثنا أبو أسامة، ثنا سعيد بن المرزبان أبو سعد العبسي، ثنا محمد بن عبد الله الثقفي، قال: " شهدت
خطبة ابن الزبير بالموسم، خرج علينا قبل التروية بيوم، وهو محرم، فلبى بأحسن تلبية سمعتها قط، ثم حمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «أما بعد، فإنكم جئتم من آفاق شتى وفودا إلى الله عز وجل، فحق على الله أن يكرم وفده، فمن كان جاء يطلب ما عند الله فإن طالب الله لا يخيب، فصدقوا قولكم بفعل فإن ملاك القول الفعل، والنية النية، القلوب القلوب، الله الله في أيامكم هذه، فإنها أيام تغفر فيها الذنوب، جئتم من آفاق شتى في غير تجارة ولا طلب مال ولا دنيا، ترجون ما هنا» ثم لبى ولبى الناس، فما رأيت يوما قط كان أكثر باكيا من يومئذ "
حدثنا أبو عمرو بن حمدان، ثنا الحسين بن سفيان، ثنا حبيب بن موسى، ثنا عبد الله بن المبارك، ثنا مالك بن أنس، عن وهب بن كيسان، قال: كتب إلي عبد الله بن الزبير بموعظة: «أما بعد، فإن لأهل التقوى علامات يعرفون بها، ويعرفونها من أنفسهم، من صبر على البلاء، ورضى بالقضاء، وشكر النعماء، وذل لحكم القرآن، وإنما الإمام كالسوق ما نفق فيها حمل إليها، إن نفق الحق عنده حمل إليه وجاءه أهل الحق، وإن نفق الباطل عنده جاءه أهل الباطل ونفق عنده»
حدثنا أبو بكر الطلحي، قال: حدثني محمد بن الحسين الوادعي، قال: ثنا أحمد بن عبد الله بن يونس، قال: ثنا أبو معاوية، عن هشام بن عروة، عن وهب بن كيسان، قال: ما رأيت عبد الله بن الزبير يعطي سلمة رجلا قط لرغبة ولا لرهبة، سلطانا ولا غيره "
حدثنا أبو بكر الطلحي، قال: حدثني محمد بن الحسين الوادعي، قال: ثنا أحمد بن عبد الله بن يونس، قال: ثنا أبو معاوية، عن هشام بن عروة، عن وهب بن كيسان، قال: كان أهل الشام يعيرون ابن الزبير يقولون له: يا ابن ذات النطاقين، قالت له أسماء: «يا بني إنهم ليعيرونك بالنطاقين، وإنما كان نطاق شققته بنصفين، فجعلت في سفرة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدهما، وأوكيت قربته بالآخر» قال: فكانوا بعد إذا عيروه بالنطاقين يقول: إنها ورب الكعبة:
[البحر الطويل]
وتلك شكاة ظاهر عنك عارها "
حدثنا فاروق بن عبد الكبير الخطابي، ثنا أبو مسلم الكشي، ثنا إبراهيم [ص:337] بن بشار، ثنا سفيان بن عيينة، ثنا محمد بن عمرو، عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، عن ابن الزبير، قال: لما نزلت هذه الآية: {ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون} [الزمر: 31] قال: قال الزبير: يا رسول الله، أيكرر علينا ما كان بيننا في الدنيا مع خواص الذنوب؟ قال: «نعم، حتى يؤدى إلى كل ذي حق حقه»
حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن، ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثني أبي، ثنا سفيان، عن محمد بن عمرو، عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، عن ابن الزبير، قال: لما نزلت: {ثم لتسألن يومئذ عن النعيم} [التكاثر: 8] قال الزبير: يا رسول الله، أي نعيم نسأل عنه؟ وإنما هما الأسودان: الماء والتمر، قال: «أما إن ذلك سيكون»
حدثنا سليمان، حدثنا فضيل بن محمد الملطي، وأبو زرعة الدمشقي، قالا: ثنا أبو نعيم، ثنا عبد الرحمن بن الغسيل، عن العباس بن سهل بن سعد الساعدي الأنصاري، قال: سمعت ابن الزبير، يقول في خطبته على منبر مكة: يا أيها الناس، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: «لو أن ابن آدم أعطي واديا من ذهب أحب إليه ثانيا، ولو أعطي ثانيا أحب إليه ثالثا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب»
ذكر أهل الصفة قال الشيخ: قد ذكرنا بعض أحوال فريق من نساك الصحابة وعبادهم، وأقوال جماعة من أئمة الصحابة وأعلامهم من المشتهرين بالمعبود وذكره، المشغوفين بالفرد ووده، الذين جعلوا للعارفين والعاملين قدوة، وعلى المفتونين بالدنيا والمقبلين عليها حجة. ونذكر الآن، مستعينين بالله، شأن أهل الصفة وأخلاقهم وأحوالهم، وتسمية من سمي لنا اسمه بالأسانيد المشهورة، والشواهد المذكورة. وهم قوم أخلاهم الحق من الركون إلى شيء من العروض، وعصمهم من الافتتان بها عن الفروض، وجعلهم قدوة للمتجردين من الفقراء، كما جعل من تقدم ذكرهم أسوة للعارفين من الحكماء، لا يأوون إلى أهل ولا مال،
ولا يلهيهم عن ذكر الله تجارة ولا حال، لم يحزنوا على ما فاتهم من الدنيا، ولا يفرحون إلا بما أيدوا به من العقبى، كانت أفراحهم بمعبودهم ومليكهم، وأحزانهم على فوت الاغتنام من أوقاتهم وأورادهم، هم الرجال الذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله، ولم يأسوا على ما فاتهم، ولم يفرحوا بما آتاهم، حماهم مليكهم عن التمتع بالدنيا والتبسط فيها لكيلا يبغوا ولا يطغوا، رفضوا الحزن على ما فات من ذهاب وشتات، والفرح بصاحب نسب إلى بلى ورفات
حدثنا أبي، ثنا إبراهيم بن محمد بن الحسن، ثنا أحمد بن سعيد، ثنا عبد الله بن وهب، أخبرني أبو هانئ، قال: سمعت عمرو بن حريث، وغيره، يقولون: إنما نزلت هذه الآية في أصحاب الصفة: {ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض} [الشورى: 27]، ذلك بأنهم قالوا: لو أن لنا فتمنوا الدنيا " رواه حيوة، عن أبي هانئ
حدثنا سليمان بن أحمد، ثنا أحمد بن يحيى الحلواني، ثنا سعيد بن سليمان، عن عبد الله بن المبارك، عن حيوة بن شريح، عن أبي هانئ، قال: سمعت عمرو بن حريث، يقول: " نزلت هذه الآية في أهل الصفة: {ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض} [الشورى: 27]، قال: لأنهم تمنوا الدنيا " قال الشيخ: زوى الله عز وجل عنهم الدنيا وقبضها إبقاء عليهم وصونا لهم لئلا يطغوا، فصاروا في حماه محفوظين من الأثقال، ومحروسين من الأشغال، لا تذهلهم الأموال، ولا تتغير عليهم الأحوال
حدثنا أبو عمرو بن حمدان، ثنا الحسين بن سفيان، ثنا عبيد الله بن معاذ، ثنا معتمر بن سليمان، قال: قال أبي: ثنا أبو عثمان النهدي، أنه حدثه عبد الرحمن بن أبي بكر، " أن أصحاب الصفة، كانوا أناسا فقراء، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من كان عنده طعام اثنين فليذهب بثالث، ومن كان عنده طعام أربعة فليذهب بخامس، بسادس» أو كما قال، وأن أبا بكر جاء بثلاثة، وانطلق نبي الله صلى الله عليه وسلم بعشرة " هذا حديث صحيح متفق عليه
حدثنا سليمان، ثنا علي بن عبد العزيز، ثنا أبو نعيم، ثنا عمر بن ذر، ثنا مجاهد، أن أبا هريرة، قال: " مر بي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «أبا هر» [ص:339] فقلت: لبيك يا رسول الله، قال: «الحق أهل الصفة فادعهم»، قال: وأهل الصفة أضياف الإسلام لا يأوون على أهل ولا مال، إذا أتته صدقة بعث بها إليهم، ولم يتناول منها شيئا، وإذا أتته هدية أرسل إليهم وأصاب منها وأشركهم فيها " صحيح متفق عليه
حدثنا أبو عمرو بن حمدان، ثنا الحسين بن سفيان، ثنا وهب بن بقية، ثنا خالد بن عبد الله، عن داود بن أبي هند، عن أبي حرب بن أبي الأسود الدؤلي، عن طلحة بن عمرو، قال: " كان الرجل إذا قدم على النبي صلى الله عليه وسلم وكان له بالمدينة عريف نزل عليه، وإذا لم يكن له عريف نزل مع أصحاب الصفة، قال: وكنت فيمن نزل الصفة فوافقت رجلا، وكان يجرى علينا من رسول الله صلى الله عليه وسلم كل يوم مد من تمر بين رجلين "
حدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا محمد بن النضر الأزدي، حدثنا موسى بن داود، ثنا شريك، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن علي بن حسين، عن أبي رافع، قال: " لما ولدت فاطمة حسينا قالت: يا رسول الله، ألا أعق عن ابني؟ قال: «لا، ولكن احلقي رأسه، وتصدقي بوزن شعره ورقا أو فضة على الأوفاض والمساكين»، يعني بالأفاوض: أهل الصفة "
حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن، ثنا بشر بن موسى، ثنا أبو عبد الرحمن المقرئ، ثنا حيوة، أخبرني أبو هانئ، أن أبا علي الجنبي، حدثه، أنه سمع فضالة بن عبيد، يقول: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى بالناس يخر رجال من قامتهم في صلاتهم لما بهم من الخصاصة، وهم أصحاب الصفة، حتى يقول الأعراب»: إن هؤلاء مجانين. رواه ابن وهب، عن ابن هانئ
حدثنا محمد بن محمد بن إسحاق، ثنا زكريا الساجي، ثنا أحمد بن عبد الرحمن، ثنا عمي عبد الله بن وهب، عن فضيل بن غزوان، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، قال: «كان من أهل الصفة سبعون رجلا ليس لواحد منهم رداء»
حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر، ثنا محمد بن عبد الله بن رسته، ثنا أبو أيوب المقرئ، ثنا جرير، عن عطاء، عن الشعبي، عن أبي هريرة، قال: " كنت في الصفة فبعث إلينا النبي صلى الله عليه وسلم [ص:340] عجوة، فكنا نقرن الثنتين من الجوع، ويقول لأصحابه: إني قد قرنت فاقرنوا "
حدثنا أبو محمد بن حيان، ثنا عبد الرحمن بن محمد بن سلم، ثنا هناد بن السري، ثنا أبو معاوية، عن هشام، عن الحسن، قال: جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهل الصفة فقال: «كيف أصبحتم؟» قالوا: بخير، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنتم اليوم خير، وإذا غدي أحدكم بجفنة، وريح بأخرى، وستر أحدكم بيته كما تستر الكعبة»، فقالوا: يا رسول الله، نصيب ذلك ونحن على ديننا؟ قال: «نعم»، قالوا: فنحن يومئذ خير، نتصدق ونعتق، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا، بل أنتم اليوم خير، إنكم إذا أصبتموها تحاسدتم وتقاطعتم وتباغضتم» كذا رواه أبو معاوية مرسلا
حدثنا عبد الله بن محمد، ثنا أبو يحيى الرازي، ثنا هناد بن السري، ثنا يونس بن بكير، ثنا سنان بن سيسن الحنفي، حدثني الحسن، قال: بنيت صفة لضعفاء المسلمين، فجعل المسلمون يوغلون إليها ما استطاعوا من خير، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتيهم فيقول: «السلام عليكم يا أهل الصفة»، فيقولون: وعليك السلام يا رسول الله، فيقول: «كيف أصبحتم؟» فيقولون: بخير يا رسول الله، فيقول: «أنتم اليوم خير من يوم يغدى على أحدكم بجفنة ويراح عليه بأخرى، ويغدو في حلة ويروح في أخرى، وتسترون بيوتكم كما تستر الكعبة»، فقالوا: نحن يومئذ خير، يعطينا الله تعالى فنشكر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بل أنتم اليوم خير» قال الشيخ رحمه الله: وكان عدد قاطني الصفة يختلف على حسب اختلاف الأوقات والأحوال، فربما تفرق عنها، وانتقص طارقوها من الغرباء والقادمين فيقل عددهم، وربما يجتمع فيها واردوها من الوراد والوفود فينضم إليهم فيكثرون، غير أن الظاهر من أحوالهم، والمشهور من أخبارهم، غلبة الفقر عليهم، وإيثارهم القلة، واختيارهم لها، فلم يجتمع لهم ثوبان، ولا حضرهم من الأطعمة لونان، يدل على ذلك ما
حدثناه أبو بكر بن مالك، ثنا عبد الله بن أحمد [ص:341] بن حنبل، حدثني أبي ثنا وكيع، حدثني فضيل بن غزوان، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، قال: رأيت سبعين من أهل الصفة يصلون في ثوب، فمنهم من يبلغ ركبتيه، ومنهم من هو أسفل من ذلك، فإذا ركع أحدهم قبض عليه مخافة أن تبدو عورته "
حدثنا عبد الله بن جعفر بن أحمد، ثنا إسماعيل بن عبد الله، ثنا هشام بن عمار، ثنا صدقة بن خالد، ثنا زيد بن واقد، حدثني بسر بن عبيد الله الحضرمي، عن واثلة بن الأسقع، قال: كنت من أصحاب الصفة، وما منا أحد عليه ثوب تام، قد اتخذ العرق في جلودنا طرقا من الوسخ والغبار "
حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر، ثنا عبد الرحمن بن محمد بن سلم، ثنا هناد بن السري، ثنا أبو أسامة، عن جرير بن حازم، عن محمد بن سيرين، قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمسى قسم ناسا من أهل الصفة بين ناس من أصحابه، فكان الرجل يذهب بالرجل، والرجل يذهب بالرجلين، والرجل يذهب بالثلاثة، حتى ذكر عشرة، فكان سعد بن عبادة يرجع كل ليلة إلى أهله بثمانين منهم يعشيهم»
حدثنا عبد الله بن محمد أبو بكر، ثنا عبد الله بن محمد بن النعمان، ثنا أبو نعيم،. وحدثنا أبو بكر الطلحي، ثنا عبيد بن غنام، - واللفظ له - ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا أبو نعيم، عن موسى بن علي، قال: سمعت أبي، يحدث، عن عقبة بن عامر، قال: " خرج إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونحن في الصفة، فقال: «أيكم يحب أن يغدو كل يوم إلى بطحاء والعقيق فيأتي منه بناقتين كوماوين في غير إثم ولا قطيعة رحم؟» فقلنا: يا رسول الله، كلنا نحب ذلك، قال: «أولا يغدو أحدكم إلى المسجد فيتعلم أو يقرأ آيتين من كتاب الله تعالى خير له من ناقتين، وثلاث، وأربع خير له من أربع، ومن أعدادهن من الإبل؟» قال الشيخ رحمه الله: فحديث عقبة يصرح بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يردهم عند العوارض الداعية إلى تمني الدنيا والإقبال عليها إلى ما هو أليق بحالهم، وأصلح لبالهم، من الاشتغال بالأذكار، وما يعود عليهم من منافع [ص:342] البيان والأنوار، ويعصمون به من المهالك والأخطار، ويستروحون إليه مما يرد من الأماني على الأسرار
حدثنا محمد بن أحمد بن مخلد، ثنا أبو إسماعيل الترمذي، ثنا يحيى بن بكير، ثنا ابن لهيعة، عن عمارة بن غزية، أن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، أخبره أنه سمع أنس بن مالك، يقول: «أقبل أبو طلحة يوما فإذا النبي صلى الله عليه وسلم قائم يقرئ أصحاب الصفة على بطنه فصيل من حجر يقيم به صلبه من الجوع» كان شغلهم تفهم الكتاب وتعلمه، ونهمتهم الترنم بالخطاب وتردده، شاهد ذلك ما حدثناه
حدثنا جعفر بن محمد بن عمرو، ثنا أبو حصين الوادعي، ثنا يحيى بن عبد الحميد، ثنا حماد بن زيد، عن المعلى بن زياد، عن العلاء بن بشير، عن أبي الصديق الناجي، عن أبي سعيد الخدري، رضي الله تعالى عنه قال: " أتى علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونحن أناس من ضعفة المسلمين، ورجل يقرأ علينا القرآن ويدعو لنا، ما أظن رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرف أحدا منهم، وإن بعضهم ليتوارى من بعض من العري، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده - فأدارها شبه الحلقة - فاستدارت له الحلقة، فقال: «بم كنتم تراجعون؟» قالوا: هذا رجل يقرأ علينا القرآن ويدعو لنا، قال: «فعودوا لما كنتم فيه»
ثم قال: «الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرت أن أصبر نفسي معهم»
ثم قال: «ليبشر فقراء المؤمنين بالفوز يوم القيامة قبل الأغنياء بمقدار خمسمائة عام، هؤلاء في الجنة ينعمون، وهؤلاء يحاسبون». رواه جعفر بن سليمان، عن المعلى بن زياد بإسناده مثله. ورواه جعفر أيضا، عن ثابت البناني، عن سلمان مرسلا
حدثنا أبو بكر بن مالك، ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثني أبي، ثنا يسار، ثنا جعفر يعني ابن سليمان، ثنا ثابت البناني، قال: " كان سلمان في عصابة يذكرون الله عز وجل، قال: فمر النبي صلى الله عليه وسلم فكفوا، فقال: «ما كنتم تقولون؟» فقلنا: نذكر الله يا رسول الله، قال: «قولوا، فإني رأيت الرحمة تنزل عليكم، فأحببت أن أشارككم فيها»، ثم
قال: «الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرت أن أصبر نفسي معهم» رواه مسلمة بن عبد الله، عن عمه، عن سلمان مطولا في قصة المؤلفة، ذكرناه في نظائره في كتاب شرف الفقر قال الشيخ رحمه الله: والمتحققون بالفقر من الصحابة وتابعيهم إلى قيام الساعة أمارة، وأعلام الصدق لهم شاهرة، وبواطنهم بمشاهدة الحق عامرة، إذ الحق شاهدهم وسائسهم، والرسول صلى الله عليه وسلم سفيرهم ومؤدبهم، وحق لمن أعرض عن الدنيا وغرورها، وأقبل على العقبى وحبورها، فعزفت نفسه عن الزائل الواهي، ونابذ الزخارف والملاهي، وشاهد صنع الواحد الباقي، واستروح روائح المقبل الآتي، من دوام الآخرة ونضرتها، وخلود المجاورة وبهجتها، وحضور الزيارة وزهرتها، ومعاينة المعبود ولذتها، أن يكون بما اختار له المعبود من الفقر راضيا، وعما اقتطعه منه ساليا، ولما ندبه إليه ساعيا، ولخواطر قلبه راعيا، ليصير في جملة المطهرين، ويحشر في زمرة الضعفاء والمساكين، ويقرب مما خص به الأبرار من المقربين، فيغتنم ساعاته عن مخالطة المخلطين، ويصون أوقاته عن مسألة المبطلين، ويجتهد في معاملة رب العالمين، مقتديا في جميع أحواله بسيد السفراء والمرسلين
كذا حدثناه سليمان بن أحمد، ثنا الحسين بن إسحاق التستري، ثنا محمد بن أبي خلف، ثنا يحيى بن عباد، ثنا محمد بن عثمان الواسطي، عن ثابت، عن أنس، قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أعجبه نحو الرجل أمره بالصلاة» قال الشيخ رحمه الله: استوطنوا الصفة، فصفوا من الأكدار، ونقوا من الأغيار، وعصموا من حظوظ النفوس والأبشار، وأثبتوا في جملة المصطنع لهم من الأبرار، فأنزلوا في رياض النعيم، وسقوا من خالص التسنيم
حدثنا أحمد بن جعفر بن حمدان، ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، ثنا محمد بن عبد الله بن نمير، ثنا عمران بن عيينة، عن إسماعيل، عن أبي صالح، " {ومزاجه من تسنيم} [المطففين: 27]، قال: «هو أشرف شراب أهل الجنة للمقربين صرفا، وللناس مزاجا» [ص:344] قال الشيخ رحمه الله: وأهل الصفة هم أخيار القبائل والأقطار، ألبسوا الأنوار، فاستطابوا الأذكار، واستراحت لهم الأعضاء والأطوار، واستنارت منهم البواطن والأسرار، بما قدح فيها المعبود من الرضا والأخبار، فأعرضوا عن المشغوفين بما غرهم، ولهوا عن الجامعين لما ضرهم من الحطام الزائل البائد، ومسالمة العدو الحاسد معتصمين بما حماهم به الواقي الذائد، فاجتزوا من الدنيا بالفلق، ومن ملبوسها بالخرق، لم يعدلوا إلى أحد سواه، ولم يعولوا إلا على محبته ورضاه، رغبت الملائكة في زيارتهم وخلتهم، وأمر الرسول صلى الله عليه وسلم بالصبر على محادثتهم ومجالستهم "
حدثنا أبو بكر الطلحي، ثنا عبيد بن عثام، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا أحمد بن المفضل، ثنا أسباط بن نصر، عن السدي، عن أبي سعيد الأزدي، عن أبي الكنود، عن خباب بن الأرت: {ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة} [الأنعام: 52] والعشي يريدون وجهه قال: جاء الأقرع بن حابس التميمي وعيينة بن حصين الفزاري فوجدا النبي صلى الله عليه وسلم قاعدا مع بلال وعمار وصهيب وخباب في أناس من الضعفاء المؤمنين، فلما رأوهم حقروهم فخلوا به فقالوا: إنا نحب أن تجعل لنا منك مجلسا تعرف لنا به العرب فضلا، فإن وفود العرب تأتيك فنستحي أن ترانا العرب قعودا مع هذه الأعبد، فإذا نحن جئناك فأقمهم عنا، فإذا نحن فرغنا فأقعدهم إن شئت، قال: «نعم»، قالوا: فاكتب لنا عليك كتابا، فدعا بالصحيفة ليكتب لهم، ودعا عليا عليه السلام ليكتب، فلما أراد ذلك ونحن قعود في ناحية إذ نزل جبريل عليه السلام فقال: {ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه} [الأنعام: 52] إلى قوله: {فتكون من الظالمين} [الأنعام: 52]، ثم ذكر الأقرع وصاحبه فقال: {وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا، أليس الله بأعلم بالشاكرين} [الأنعام: 53]، ثم ذكر فقال تعالى: {وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة} [الأنعام: 54]، فرمى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصحيفة ودعانا، فأتيناه وهو يقول: «سلام عليكم»، فدنونا منه حتى وضعنا ركبنا على ركبتيه، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم [ص:345] يجلس معنا فإذا أراد أن يقوم قام وتركنا، فأنزل الله عز وجل: {واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه، ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا} [الكهف: 28]، يقول: لا تعد عيناك عنهم تجالس الأشراف، {ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا} [الكهف: 28]، أما الذي أغفل قلبه فهو عيينة بن حصين والأقرع، وأما فرطا فهلاكا، ثم ضرب لهم مثل الرجلين ومثل الحياة الدنيا، قال: فكنا بعد ذلك نقعد مع النبي صلى الله عليه وسلم فإذا بلغنا الساعة التي كان يقوم فيها قمنا وتركناه حتى يقوم وإلا صبر أبدا حتى نقوم " رواه عمرو بن محمد العنقزي، عن أسباط مثله
حدثنا أبو عمرو بن حمدان، ثنا الحسن بن سفيان، ثنا أبو وهب الحراني، ثنا سليمان بن عطاء، عن مسلمة بن عبد الله، عن عمه، عن سلمان الفارسي، قال: " جاءت المؤلفة قلوبهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عيينة بن حصين والأقرع بن حابس وذووهم فقالوا: يا رسول الله، إنك لو جلست في صدر المسجد ونحيت عنا هؤلاء وأرواحهم جبابهم - يعنون أبا ذر وسلمان وفقراء المسلمين، وكان عليهم جباب الصوف لم يكن عندهم غيرها - جلسنا إليك وخالصناك وأخذنا عنك، فأنزل الله عز وجل: {واتل ما أوحي إليك من كتاب ربك لا مبدل لكلماته ولن تجد من دونه ملتحدا، واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه} [الكهف: 28] حتى بلغ: {نارا أحاط بهم سرادقها} [الكهف: 29]، يتهددهم بالنار، فقام نبي الله يلتمسهم حتى أصابهم في مؤخر المسجد يذكرون الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الحمد الله الذي لم يمتني حتى أمرني أن أصبر نفسي مع قوم من أمتي، معكم المحيا ومعكم الممات»
حدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا علي بن عبد العزيز، حدثنا أبو حذيفة، حدثنا سفيان الثوري، عن المقدام بن شريح، عن أبيه، عن سعد بن أبي وقاص، قال: نزلت هذه الآية في ستة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، منهم ابن مسعود، قال: " كنا نستبق إلى النبي ندنو إليه، فقالت قريش: تدني هؤلاء دوننا، فكأن النبي صلى الله عليه وسلم هم بشيء فنزلت: {ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي [ص:346] يريدون وجهه} [الأنعام: 52] الآية " رواه إسرائيل، عن المقدام بن شريح، نحوه
حدثنا أبو أحمد محمد بن أحمد، ثنا عبد الله بن شيرويه، ثنا إسحاق بن راهويه، أخبرنا عبيد الله بن موسى، ثنا إسرائيل، عن المقدام بن شريح الحارثي، عن أبيه، عن سعد بن أبي وقاص، قال: " كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونحن ستة نفر، فقال المشركون: اطرد هؤلاء عنك، فإنهم وإنهم، قال: فكنت أنا وابن مسعود ورجل من هذيل وبلال ورجلان نسيت اسمهما، قال: فوقع في نفس النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك ما شاء الله فحدث به نفسه، فأنزل الله عز وجل: {ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه} [الأنعام: 52] "
حدثنا محمد بن أحمد، ثنا عبد الله بن شيرويه، ثنا إسحاق بن راهويه، أخبرنا جرير، عن أشعب بن سوار، عن كردوس، عن عبد الله بن مسعود، قال: مر الملأ من قريش على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعنده صهيب وبلال وخباب وعمار ونحوهم وناس من ضعفاء المسلمين، فقالوا: يا رسول الله، أرضيت بهؤلاء من قومك؟ أفنحن نكون تبعا لهؤلاء؟ أهؤلاء الذين من الله عليهم؟ اطردهم عنك فلعلك إن طردتهم اتبعناك، قال: فأنزل الله عز وجل: {وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم} [الأنعام: 51] إلى قوله: {فتكون من الظالمين} [الأنعام: 52] "
حدثنا عمر بن محمد بن حاتم، ثنا محمد بن عبيد الله بن مرزوق، ثنا عفان، ثنا حماد بن سلمة، ثنا ثابت، عن معاوية بن قرة، عن عائذ بن عمرو، أن أبا سفيان، مر بسلمان وصهيب وبلال فقالوا: ما أخذت السيوف من عنق عدو الله مأخذها، فقال لهم أبو بكر: تقولون هذا لشيخ قريش وسيدها، ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره بالذي قالوا، فقال: «يا أبا بكر، لعلك أغضبتهم، والذي نفسي بيده لئن كنت أغضبتهم لقد أغضبت ربك»، فرجع إليهم فقال: يا إخواني لعلي أغضبتكم؟ فقالوا: لا يا أبا بكر، يغفر الله لك "
حدثنا محمد بن محمد بن عبد الله، ثنا عبد المؤمن بن أحمد الجرجاني، ثنا الحسين بن علي السمسار، ثنا أبو عبد الرحمن المكتب، ثنا المسيب بن شريك، عن حميد، عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يرفع الله بهذا العلم [ص:347] أقواما فيجعلهم قادة يقتدى بهم في الخير، وتقتص آثارهم، وترمق أعمالهم، وترغب الملائكة في خلتهم، وبأجنحتها تمسحهم»
حدثنا سليمان بن أحمد، ثنا هارون بن ملول، ثنا أبو عبد الرحمن المقرئ، ثنا سعيد بن أبي أيوب، ثنا معروف بن سويد الجذامي، أن أبا عشانة المعافري، حدثه، أنه، سمع عبد الله بن عمرو بن العاص، يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هل تدرون أول من يدخل الجنة؟» قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: فقراء المهاجرين الذين تتقى بهم المكاره، يموت أحدهم وحاجته في صدره لا يستطيع لها قضاء، فتقول الملائكة: ربنا نحن ملائكتك وخزنتك وسكان سمواتك، لا تدخلهم الجنة قبلنا، فيقول: عبادي لا يشركون بي شيئا، تتقى بهم المكاره، يموت أحدهم وحاجته في صدره لم يستطع لها قضاء، فعند ذلك تدخل عليهم الملائكة من كل باب: سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار "
حدثنا أبو محمد بن حيان، ثنا عبد الله بن محمد بن سوار، ثنا أبو هلال الأشعري، ثنا محمد بن مروان، عن ثابت الثمالي أبي حمزة، عن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام، {أولئك يجزون الغرفة بما صبروا} [الفرقان: 75]، قال: «الغرفة الجنة بما صبروا على الفقر في دار الدنيا» قال الشيخ رحمه الله: فأما أسامي أهل الصفة فقد رأيت لبعض المتأخرين تتبعا على ذكرهم وجمعهم على حروف المعجم، وضم إلى ذكرهم فقراء المهاجرين الذين قدمنا ذكرهم، وسألني بعض أصحابنا الاحتذاء على كتابه، وفي كتابه أسامي جماعة موهوم فيها، لأن جماعة عرفوا من أهل القبة نسبوا إلى أهل الصفة، وهو تصحيف من بعض النقلة، وسنبين ذلك إذا انتهينا إليه إن شاء الله تعالى فممن بدأنا بذكره
دار الكتاب العربي - بيروت-ط 0( 1985) , ج: 1- ص: 329
السعادة -ط 1( 1974) , ج: 1- ص: 329