أبو عثمان الحيري الشيخ الإمام المحدث الواعظ القدوة، شيخ الإسلام، الأستاذ، أبو عثمان سعيد بن إسماعيل بن سعيد بن منصور النيسابوري، الحيري، الصوفي.
مولده سنة ثلاثين ومائتين بالري، فسمع بها من: محمد بن مقاتل الرازي، وموسى بن نصر. وبالعراق من: حميد بن الربيع، ومحمد بن إسماعيل الأحمسي، وعدة، ولم يزل يطلب الحديث ويكتبه إلى آخر شيء.
حدث عنه: الرئيس أبو عمرو أحمد بن نصر، وابناه؛ أبو بكر وأبو الحسن، وأبو عمرو ابن مطر، وإسماعيل بن نجيد، وعدة.
قال الحاكم: قدم نيسابور لصحبة الأستاذ أبي حفص النيسابوري، ولم يختلف مشايخنا أن أبا عثمان كان مجاب الدعوة، وكان مجمع العباد والزهاد. ولم يزل يسمع ويجل العلماء ويعظمهم.
سمع من: أبي جعفر بن حمدان ’’صحيحه’’ المخرج على مسلم بلفظه، وكان إذا بلغ سنة لم يستعملها، وقف عندها حتى يستعملها.
قلت: هو للخراسانيين نظير الجنيد للعراقيين.
ومن كلامه: سرورك بالدنيا أذهب سرورك بالله عن قلبك.
قال ابن نجيد: سمعته يقول: لا تثقن بمودة من لا يحبك إلا معصوما.
قال أبو عمرو بن حمدان: سمعته يقول: من أمر السنة على نفسه قولا وفعلا، نطق بالحكمة، ومن أمر الهوى على نفسه، نطق بالبدعة، قال تعالى: {وإن تطيعوه تهتدوا}.
قلت: وقال تعالى: {ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله}.
وعن أبي عثمان الحيري، قال: لا يكمل الرجل حتى يستوي قلبه في المنع والعطاء، وفي العز والذل.
وعن أبي عثمان أنه قال لأبي جعفر بن حمدان: ألستم تروون أن عند ذكر الصالحين تنزل الرحمة؟ قال: بلى. قال: فرسول الله -صلى الله عليه وسلم- سيد الصالحين.
قال الحاكم: أخبرني سعيد بن عثمان السمرقندي العابد، سمع أبا عثمان يقول -يعني: عن الله: من طلب جواري ولم يوطن نفسه على ثلاث، أولها: إلقاء العز وحمل الذل، الثاني: سكون قلبه على جوع ثلاثة أيام، الثالث: لا يغتم ولا يهتم إلا لدينه أو طلب إصلاح دينه.
الحاكم: سمعت محمد بن صالح بن هانئ يقول: لما قتل يحيى بن الذهلي، منع الناس من حضور مجالس الحديث من جهة أحمد الخجستاني، فلم يجسر أحد يحمل محبرة، إلى أن ورد السري بن خزيمة، فقام الزاهد أبو عثمان الحيري، وجمع المحدثين في مسجده، وعلق بيده محبرة، وتقدمهم، إلى أن جاء إلى خان محمش، فأخرج السري، وأجلس المستملي، فحزرنا مجلسه زيادة على ألف محبرة، فلما فرغ، قاموا، وقبلوا رأس أبي عثمان، ونثر الناس عليهم الدراهم والسكر سنة ثلاث وسبعين ومائتين.
قلت: ذكر الحاكم أخبار أبي عثمان أبي عثمان في خمس وعشرين ورقة، وفي غضون ذلك من كلامه في التوكل واليقين والرضى، قال الحاكم: وسمعت أبي يقول: لما قتل أحمد بن عبد الله الخجستاني -الذي استولى على البلاد- الإمام حيكان بن الذهلي، أخذ في الظلم والعسف، وأمر بحربة ركزت على رأس المربعة، وجمع الأعيان، وحلف: إن لم يصبوا الدراهم حتى يغيب رأس الحربة، فقد أحلوا دماءهم. فكانوا يقتسمون الغرامة بينهم، فخص تاجر بثلاثين ألف درهم، فلم يكن يقدر إلا على ثلاثة آلاف درهم، فحملها إلى أبي عثمان، وقال: أيها الشيخ! قد حلف هذا كما بلغك، ووالله لا أهتدي إلا إلى هذه. قال: تأذن لي أن أفعل فيها ما ينفعك؟ قال: نعم. ففرقها أبو عثمان، وقال للتاجر: امكث عندي. وما زال أبو عثمان يتردد بين السكة والمسجد ليلته حتى أصبح، وأذن المؤذن، ثم قال لخادمه: اذهب إلى السوق، وانظر ماذا تسمع. فذهب، ورجع، فقال: لم أر شيئا. قال: اذهب مرة أخرى، وهو في مناجاته يقول: وحقك لا أقمت ما لم تفرج عن المكروبين. قال: فأتى خادمه الفرغاني يقول: وكفى الله المؤمنين القتال، شق بطن أحمد بن عبد الله. فأخذ أبو عثمان في الإقامة.
قلت: بمثل هذا يعظم مشايخ الوقت.
قال أبو الحسين أحمد بن أبي عثمان: توفي أبي لعشر بقين من ربيع الآخر، سنة ثمان وتسعين ومائتين، وصلى عليه الأمير أبو صالح.
وفيها في شوالها مات الأستاذ العارف أبو القاسم.

  • دار الحديث- القاهرة-ط 0( 2006) , ج: 11- ص: 41

سعيد بن إسماعيل ومنهم العارف الفاصح والعابد الناصح، كان بالحكم منطقيا فصيحا وللمريدين شفيقا نصيحا علمهم الآداب الرفيعة ونبههم على ملازمة الشريعة، كان إلى موافقة الحق مجذوبا وعن حظوظ النفس مطهرا مسلوبا أبو عثمان سعيد بن إسماعيل بن سعيد الحيري، رازي المولد خرج زائرا إلى أبي حفص النيسابوري مع شيخه شاه الكرماني فقبله أبو حفص وحبسه عنده وصار له سكنا وعلى ابنته ختنا، كان حميد الأخلاق مديد الأرفاق بقيت بركته وآثاره على أهل نيسابور، وتوفي بها سنة ثمان وتسعين ومائتين فيما ذكره لي أبو عمرو بن حمدان وأنه حضر الصلاة عليه ودفن بمقبرة الحيرة عند قبر أستاذه أبي حفص النيسابوري وزرت قبريهما سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة
سمعت أبا عمرو بن حمدان، يقول: سمعت أبا عثمان الحيري، يقول: ’’من أمر السنة على نفسه قولا وفعلا نطق بالحكمة ومن أمر الهوى على نفسه نطق بالبدعة لقوله تعالى: {وإن تطيعوه تهتدوا} [النور: 54]’’
سمعت عبد الله بن محمد المعلم، صاحب الخان يقول: سمعت أبا عمر بن نجيد، يقول: قال محمد بن الفضل البلخي: «إن الله تعالى زين أبا عثمان بفنون عبوديته وأبرزه للناس ليعلمهم آداب العبودية»
سمعت محمد بن الحسين بن موسى، يقول: سمعت جدي أبا عمر بن نجيد، يقول: سمعت أبا عثمان، يقول: «منذ أربعين سنة ما أقامني الله في حال فكرهته ولا نقلني إلى غيره فسخطته»
سمعت محمد بن أحمد بن عثمان، يقول: سمعت أبا عثمان، يقول: «موافقة الإخوان خير من الشفقة عليهم»
سمعت أبا عمرو بن حمدان، يقول: قرأت بخط أبي أحمد بن حمدان: سمعت أبا عثمان، يقول: ’’صلاح القلب من أربع خصال: التواضع لله والفقر إلى الله والخوف من الله والرجاء لله’’
قال: وسمعت أبا عثمان، يقول: ’’لا يكمل الرجل حتى يستوي قلبه في أربعة أشياء: في المنع والعطاء والعز والذل’’
قال: وسمعت أبا عثمان، يقول: ’’أصل العداوة من ثلاثة أشياء: من الطمع في المال والطمع في إكرام الناس والطمع في قبول الناس’’
قال: وسمعت أبا عثمان، يقول: «الخوف من الله يوصلك إلى الله والكبر والعجب في نفسك يقطعك عن الله، واحتقار الناس في نفسك مرض لا يداوى»
وقال أبو عثمان: «سرورك بالدنيا أذهب سرورك بالله عن قلبك، وخوفك من غير الله أذهب خوفك من الله عن قلبك، ورجاؤك ممن دونه أذهب رجاءك له عن قلبك»
وقال أبو عثمان: «حق لمن أعزه الله بالمعرفة أن لا يذل نفسه بالمعصية»
وقال أبو عثمان: «أصل التعلق بالخيرات قصور الأمل»
وقال أبو عثمان: «أنت مسجون ما تبعت مرادك وشهوتك، فإذا فوضت وسلمت استرحت»
سمعت محمد بن الحسين، يقول: سمعت عبد الله الرازي، يقول: لما تغير الحال على أبي عثمان وقت وفاته مزق ابنه أبو بكر قميصا كان عليه، ففتح أبو عثمان عينيه وقال: «يا بني خلاف السنة في الظاهر رياء باطن في القلب»
سمعت محمد بن الحسين، يقول: سمعت محمد بن أحمد الملامتي، يقول: سمعت الحسين الوراق، يقول: سألت أبا عثمان عن الصحبة، فقال: «الصحبة مع الله عز وجل بحسن الأدب ودوام الهيبة والمراقبة، والصحبة مع الرسول صلى الله عليه وسلم باتباع سنته ولزوم ظاهر العلم، والصحبة مع أولياء الله بالاحترام والحرمة، والصحبة مع الأهل والولد بحسن الخلق، والصحبة مع الإخوان بدوام البشر والانبساط ما لم يكن إثما، والصحبة مع الجهال بالدعاء لهم والرحمة عليهم، ورؤية نعمة الله عليك أن عافاك مما ابتلاهم به»
سمعت محمد بن الحسين، يقول: سمعت أبا الحسين الفارسي، يقول: سمعت محمد بن أحمد بن يوسف، يقول: سمعت أبا عثمان، يقول: «تعززوا بعز الله كي لا تذلوا»
وقال أبو عثمان: «العاقل من تأهب للمخاوف قبل وقوعها، والتفويض بما جهلت علمه إلى عالمه، والتفويض مقدمة للرضا، والرضا باب الله الأعظم، والذكر الكثير أن تذكره في ذكرك له أنك لم تصل إلى ذكره إلا به وبفضله»
سمعت محمد بن الحسين، يقول: سمعت محمد بن أحمد بن إبراهيم، يقول: سمعت أبا الحسين الوراق، يقول: سئل أبو عثمان: كيف يستجيز للعاقل أن يزيل للأئمة عمن يظلمه؟ قال: «ليعلم أن الله سلطه عليه»
وقال محفوظ: سئل أبو عثمان: ما علامة السعادة والشقاوة؟ فقال: «علامة السعادة أن تطيع الله وتخاف أن تكون مردودا، وعلامة الشقاوة أن تعصي الله وترجو أن تكون مقبولا»
أسند الحديث فمن مسانيد حديثه: أخبرنا محمد بن الحسين، ثنا سعيد بن عبد الله بن سعيد بن إسماعيل قال: وجدت في كتاب جدي أبي عثمان بخطه: حدثني أبو صالح حمدون القصار صاحب أبي محمد بن يحيى النيسابوري، ثنا قتيبة بن سعيد، ثنا عبثر، عن أشعث، عن محمد، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من مات وعليه صوم شهر رمضان أطعم عنه وليه كل يوم مسكينا»
حدثنا سليمان بن أحمد، ثنا عبدان بن محمد المروزي، ثنا قتيبة بن سعيد، ثنا عبثر بن القاسم، عن أشعث بن سوار، عن محمد، عن نافع، عن ابن عمر، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أفطر يوما من رمضان فمات قبل أن يقضيه فعليه بكل يوم مد لمسكين» قال سليمان: لم يروه عن أشعث، إلا عبثر، ومحمد الذي يروي عنه أشعث هذا الحديث: محمد بن سيرين، وقيل: محمد بن أبي ليلى

  • دار الكتاب العربي - بيروت-ط 0( 1985) , ج: 10- ص: 244

  • السعادة -ط 1( 1974) , ج: 10- ص: 244