الوليد بن عبيد الله بن يحيى بن عبيد بن شملال بن جابر بن مسلمة بن مسهر بن الحارث بن جشم بن أبي حارثة بن جدي بن بدول بن بحتر، أبو عبادة وأبو الحسن، والأول أشهر، البحتري الطائي الشاعر المشهور: كان فاضلا أديبا فصيحا بليغا شاعرا مجيدا، وكان بعض أهل عصره يقدمونه على أبي تمام بادئ الرأي ويختمون به الشعراء، وروى عنه شعره أبو العباس المبرد وابن المرزبان محمد بن خلف وأبو بكر الصولي والمحاملي أبو عبد الله.
ولد بمنبج من أعمال حلب وبها نشأ وتنبل وقال الشعر، ثم صار إلى أبي تمام وهو بحمص فعرض عليه شعره، وكان يجلس للشعراء فيعرضون عليه أشعارهم، فلما سمع أبو تمام شعره أقبل عليه وقال له: أنت أشعر من أنشدني.
وللبحتري تصرف حسن في ضروب الشعر سوى الهجاء فإنه لم يحسنه، وأجود شعره ما كان في الأوصاف. وكان يتشبه بأبي تمام في شعره ويحذو حذوه وينحو نحوه في البديع الذي كان أبو تمام يستعمله ويراه إماما ويقدمه على نفسه ويقول في الفرق
بينهما قول منصف: إن جيد أبي تمام خير من جيدي ورديئي خير من رديئه.
وقال له الحسين بن إسحاق يوما: إن الناس يزعمون أنك أشعر من أبي تمام، فقال: والله ما ينفعني هذا القول ولا يضر أبا تمام، والله ما أكلت الخبز إلا به، ولوددت أن الأمر كما قالوا، ولكني والله تابع له لائذ به، نسيمي يركد عند هوائه، وأرضي تنخفض عند سمائه.
وحدث محمد بن علي الأنباري قال: سمعت البحتري يقول: أنشدني أبو تمام يوما لنفسه:
وسابح هطل التعداء هتان | على الجراء أمين غير خوان |
فلو تراه مشيحا والحصى زيم | بين السنابك من مثنى ووحدان |
أيقنت إن تتثبت أن حافره | من صخر تدمر أو من وجه عثمان |
ما إن يعاف قذى ولو أوردته | يوما خلائق حمدويه الأحول |
الله مكن للخليفة جعفر | ملكا يجمله الخليفة جعفر |
نعمى من الله اصطفاه بفضلها | والله يرزق من يشاء ويقدر |
بالبر صمت وأنت أفضل صائم | وبسنة الله الرضية تفطر |
فانعم بيوم الفطر عينا إنه | يوم أغر من الزمان مشهر |
أظهرت عز الملك فيه بجحفل | لجب يحاط الدين فيه وينصر |
خلنا الجبال تسير فيه وقد غدت | عددا يسير به العديد الأكثر |
والخيل تصهل والفوارس تدعي | والبيض تلمع والأسنة تزهر |
حتى طلعت بضوء وجهك فانجلى | ذاك الدجى وانجاب ذاك العثير |
وافتن فيك الناظرون فاصبع | يومى إليك بها وعين تنظر |
يجدون رؤيتك التي فازوا بها | من أنعم الله التي لا تكفر |
ذكروا بطلعتك النبي فهللوا | لما طلعت من الصفوف وكبروا |
حتى انتهيت إلى المصلى لابسا | نور الهدى يبدو عليك ويظهر |
ومشيت مشية خاشع متواضع | لله لا يزهو ولا يتكبر |
فلو ان مشتاقا تكلف فوق ما | في وسعه لسعى إليك المنبر |
لم يبق من جل هذا الناس باقية | ينالها الفهم إلا هذه الصور |
جهل وبخل وحسب المرء واحدة | من تين حتى يعفى خلفه الأثر |
إذا محاسني اللاتي أدل بها | كانت ذنوبي فقل لي كيف أعتذر |
أهز بالشعر أقواما ذوي وسن | في الجهل لو ضربوا بالسيف ما شعروا |
علي نحت القوافي من مقاطعها | وما علي إذا لم تفهم البقر |
لولا علي بن مر لاستمر بنا | خلف من العيش فيه الصاب والصبر |
عذنا بأروع أقصى نيله كثب | على العفاة وأدنى سعيه سفر |
ألح جودا ولم تضرر سحائبه | وربما ضر في إلحاحه المطر |
مواهب ما تجشمنا السؤال لها | إن الغمام قليب ليس يحتفر |
حضرت رحلي الهموم فوجه | ت إلى أبيض المدائن عنسي |
أتسلى عن الحظوظ وآسى | لمحل من آل ساسان درس |
ذكرتنيهم الخطوب التوالي | ولقد تذكر الخطوب وتنسي |
وهم خافضون في ظل عال | مشرف يحسر العيون ويخسي |
مغلق بابه على جبل القب | ق إلى دارتي خلاط ومكس |
نقل الدهر عهدهن عن الج | دة حتى غدون أنضاء لبس |
فكأن الجرماز من عدم الإن | س واخلاله بنية رمس |
لو تراه علمت أن الليالي | جعلت فيه مأتما بعد عرس |
وهو ينبيك عن عجائب قوم | لا يشاب البيان فيهم بلبس |
فإذا ما رأيت صورة أنطا | كية ارتعت بين روم وفرس |
والمنايا مواثل وأنوشر | وان يزجي الصفوف تحت الدرفس |
في اخضرار من اللباس على أص | فر يختال في صبيغة ورس |
وعراك الرجال بين يديه | في خفوت منهم وإغماض جرس |
من مشيح يهوي بعامل رمح | ومليح من السنان بترس |
تصف العين أنهم جد أحيا | ء لهم بينهم إشارة خرس |
يغتلي فيهم ارتيابي حتى | تتقراهم يداي بلمس |
قد سقاني ولم يصرد أبو الغو | ث على العسكرين شربة خلس |
من مدام تخالها ضوء نجم | نور الليل أو مجاجة شمس |
وتراها إذا أجدت سرورا | وارتياحا للشارب المتحسي |
أفرغت في الزجاج من كل قلب | فهي محبوبة إلى كل نفس |
حلم مطبق على الشك عيني | أم أمان غيرن ظني وحدسي |
وكأن الإيوان من عجب الصن | عة جون في جنب أرعن جلس |
يتظنى من الكآبة إذ يب | دو لعيني مصبح أو ممسي |
مزعجا بالفراق عن أنس إلف | عز أو مرهقا بتطليق عرس |
عكست حظه الليالي وبات ال | مشتري فيه وهو كوكب نحس |
فهو يبدي تجلدا وعليه | كلكل من كلاكل الدهر مرسي |
لم يعبه أن بز من بسط الدي | باج واستل من ستور الدمقس |
مشمخر تعلو له شرفات | رفعت في رؤوس رضوى وقدس |
لابسات من البياض فما تب | صر منها إلا غلائل برس |
ليس يدرى أصنع إنس لجن | صنعوه أم صنع جن لإنس |
غير أني أراه يشهد أن لم | يك بانيه في الملوك بنكس |
وكأني أرى المواكب والقو | م إذا ما بلغت آخر حسي |
وكأن الوفود ضاحين حسرى | من وقوف خلف الزحام وجلس |
وكأن القيان وسط المقاصي | ر يرجعن بين حور ولعس |
وكأن اللقاء أول من أم | س ووشك الفراق أول أمس |
وكأن الذي يريد اتباعا | طامع في لقائهم بعد خمس |
عمرت للسرور دهرا فصارت | للتعزي ربوعهم والتأسي |
فلها أن أعينها بدموع | موقفات على الصبابة حبس |
ذاك عندي وليست الدار داري | باقترابي منها ولا الجنس جنسي |
غير نعمى لأهلها عند أهلي | غرسوا من رطابها خير غرس |
أيدوا ملكنا وشدوا قواه | بكماة تحت السنور حمس |
وأعانوا على كتائب أريا | ط بطعن على النحور ودعس |
وأراني من بعد أكلف بالأشرا | ف طرا من كل سنخ وأس |
دار الغرب الإسلامي - بيروت-ط 0( 1993) , ج: 6- ص: 2796