محمد بن هانئ أبو القاسم الأزدي الأندلسي
محمد بن هانئ أبو القاسم الأزدي الأندلسي
ومن غرر شعره قصيدته الرائية المشهورة التي مدح بها المعز المذكور وهي:
فتقت لكم ريح الجلاد بعنبر | وأمدكم فلق الصباح المسفر |
وجنيتم ثمر الوقائع يانعا | بالنصر من ورق الحديد الأخضر |
وضربتم هام الكماة ورعتم | بيض الخدور بكل ليث مخدر |
أبني العوالي السمهرية والسيو | ف المشرفية والعديد الأكثر |
من منكم الملك المطاع كأنه | تحت السوابغ تبع في حمير |
القائدي الخيل العتاق شوازبا | خزرا الى لحظ السنان الأخزر |
شعث النواصي حشرة آذانها | قب الأياطل داميات الأنسر |
تنبو سنابكهن عن عفر الثرى | فيطأن في خد العزيز الأصعر |
جيش تقدمه الليوث وفوقه | كالغيل من قصب الوشيج الأسمر |
وكأنما سلب القشاعم ريشها | مما يشق من العجاج الأكدر |
وكأنما شملت قناه ببارق | متألق أو عارض مثعنجر |
تمتد ألسنة الصواعق فوقه | عن ظلتي مزن عليه كنهور |
ويقوده الليث الغضنفر معلما | من كل شثن اللبدتين غضنفر |
نحر القبول من الدبور وسار في | جيش الهرقل وعزمة الإسكندر |
في فتية صدأ الدروع عبيرهم | وخلوقهم علق النجيع الأحمر |
لا يأكل السرحان شلو طعينهم | مما عليه من القنا المتكسر |
أنسوا بهجران الأنيس كأنهم | في عبقري البيد جنة عبقر |
قوم يبيت على الحشايا غيرهم | ومبيتهم فوق الجياد الضمر |
وتظل تسبح في الدماء قبابهم | فكأنهن سفائن في أبحر |
من كل أهرت كالح ذي لبدة | أو كل أبيض واضح ذي مغفر |
لي منهم سيف إذا جردته | يوما ضربت به رقاب الأعصر |
وفتكت بالزمن المدجج فتكة ال | براض يوم هجائن ابن المنذر |
صعب إذا نوب الزمان استصعبت | متنمر للحادث المتنمر |
فإذا عفا لم تلق غير مملك | واذا سطا لم تلق غير مظفر |
وكفاك من حب السماحة أنها | منه بموضع مقلة من محجر |
فغمامه من رحمة وعراصه | من جنة ويمينه من كوثر |
ألؤلؤ دمع هذا الغيث أم نقط | ما كان أحسنه لو كان يلتقط |
بين السحاب وبين الريح ملحمة | معامع وظبا في الجو تخترط |
كأنه ساخط يرضى على عجل | فما يدوم رضى منه ولا سخط |
أهدى الربيع إلينا روضة أنفا | كما تنفس عن كافوره السفط |
والريح تبعث أنفاسا معطرة | مثل العبير بماء الورد يختلط |
كأنما هي أنفاس المعز سرت | لا شبهة للندى فيها ولا غلط |
تالله لو كانت الأنواء تشبهه | ما مر بؤس على الدنيا ولا قنط |
أبدى الزمان لنا من نور طلعته | عن دولة ما بها وهن ولا سقط |
حتى تسلط منه في الورى ملك | زينت بدولته الأملاك والسلط |
إمام عدل وفى في كل ناحية | كما قضوا في الإمام العدل واشترطوا |
قد بان بالفضل عن ماض ومؤتنف | كالعقد عن طرفيه يفضل الوسط |
أليلتنا إذ أرسلت واردا وحفا | وبتنا نرى الجوزاء في أذنها شنفا |
وبات لنا ساق يقوم على الدجى | بشمعة نجم لا تقط ولا تطفا |
ولم يبق إرعاش المدام له يدا | ولم يبق إعنات التثني له عطفا |
نزيف ثناه السكر الا ارتجاجة | إذا كل عنها الخصر حملها الردفا |
يقولون حقف فوقه خيزرانة | أما يعرفون الخيزرانة والحقفا |
جعلنا حشايانا ثياب مدامنا | وقدت لنا الظلماء من جلدها لحفا |
فمن كبد تدني إلى كبد هوى | ومن شفة توحي إلى شفة رشفا |
بعيشك نبه كأسه وجفونه | فقد نبه الابريق من بعد ما أغفى |
وقد فكت الظلماء بعض قيودها | وقد قام جيش الليل للفجر واصطفا |
كأن لواء الشمس غرة جعفر | رأى القرن فازدادت طلاقته ضعفا |
وقد جاشت الدأماء بيضا صوارما | ومارنة سمرا وفضفاضة زغفا |
وجاءت عتاق الخيل تجري كأنما | تخط له أقلام آذانها صحفا |
هنالك تلقى جعفرا غير جعفر | وقد بدلت يمناه من رفقها عنفا |
وكائن تراه في الكريهة جاعلا | عزيمته برقا وصولته خطفا |
وكائن تراه في المقامة جاعلا | مشاهده فصلا وخطبته حرفا |
وقال يصف سيفا ليحيى أخي جعفر المذكور:
لله أي شهاب حرب واقد | صحب ابن ذي يزن وأدرك تبعا |
في كف يحيى منه أبيض مرهف | عرف المعز بآله فتشيعا |
وجرى الفرند بصفحتيه كأنما | ذكر القتيل بكربلاء فدمعا |
يكفيك مما شئت في الهيجاء أن | تلقى العدى فتسل منه إصبعا |
هل من أعقة عالج يبرين | أم منهما بقر الحدوج العين |
ولمن ليال ما ذممنا عهدها | مذ كن إلا أنهن شجون |
المشرقات كأنهن كواكب | والناعمات كأنهن غصون |
بيض وما ضحك الصباح وإنها | بالمسك من طرر الحسان لجون |
أدمى لها المرجان صفحة خده | وبكى عليها اللؤلؤ المكنون |
لأعطشن الروض بعدهم ولا | يرويه لي دمع عليه هتون |
أأعير لحظ العين بهجة منظر | وأخونهم إني إذن لخؤون |
لا الجو جو مشرق ولو اكتسى | زهرا ولا الماء المعين معين |
عهدي بذاك الجو وهو أسنة | وكناس ذاك الخشف وهو عرين |
هل يدنيني منه أجرد سابح | مرح وجائلة النسوع أمون |
الروض ما قد قيل في أيامه | لا أنه ورد ولا نسرين |
والمسك ما لثم الثرى من ذكره | لا أن كل قرارة دارين |
ملك كما حدثت عنه رأفة | فالخمر ماء والشراسة لين |
شيم لو ان اليم أعطي رفقها | لم يلتقم ذا النون فيه النون |
تالله لا ظلل الغمام معاقل | تأبى عليه ولا النجوم حصون |
ووراء حق ابن الرسول ضراغم | أسد وشهباء السلاح منون |
الطالبان المشرفية والقنا | والمدركان النصر والتمكين |
وصواهل لا الهضب يوم مغارها | هضب ولا البيد الحزون حزون |
حيث الحمام وما لهن قوادم | وعلى الريود وما لهن وكون |
فكأنها تحت الغبار كواكب | وكأنها تحت الحديد دجون |
عرفت بساعة سبقها لا أنها | علقت بها يوم الرهان عيون |
وأجل علم البرق فيها أنها | مرت بجانحتيه وهي ظنون |
انظر إلى الدنيا باشفاق فقد | أرخصت هذا العلق وهو ثمين |
لو يستطيع البحر لاستعدى على | جدوى يديك وإنه لقمين |
امدده أو فاصفح له عن نيله | فلقد تخوف أن يقال ضنين |
واعذر أمية أن تغص بريقها | فالمهل ما سقيته والغسلين |
ألقت بأيدي الذل ملقى عمرها | بالثوب إذ فغرت له صفين |
وقال أيضا في مجلس أنس حضره عند الأمير جعفر:
وثلاثة لم تجتمع في مجلس | إلا لمثلك والأديب أريب |
الورد في رامشنة من نرجس | والياسمين وكلهن عجيب |
فاصفر ذا واحمر ذا وابيض ذا | فأتت بدائع أمرهن عجيب |
فكأن هذا عاشق وكأن ذا | ك معشق وكأن ذاك رقيب |
لقد أشبهتني شمعة في صبابتي | وفي هول ما ألقى وما أتوقع |
نحول وحزن في فناء ووحدة | وتسهيد عين واصفرار وأدمع |
وليل بت أسقاها سلافا | معتقة كلون الجلنار |
كأن حبابها خرزات در | علت ذهبا بأقداح النضار |
بكف مقرطق يزهى بردف | يضيق بحمله وسع الازار |
أقمت لشربها عبثا وعندي | بنات اللهو تعبث بالعقار |
ونجم الليل يركض في الدياجي | كأن الصبح يطلبه بثار |
دار الغرب الإسلامي - بيروت-ط 0( 1993) , ج: 6- ص: 2667