محمد بن أحمد أبو الندى الغندجاني اللغوي: رجل واسع العلم راجح المعرفة باللغة وأخبار العرب وأشعارها، وما عرفت له شيخا ينسب إليه ولا تلميذا يعول عليه غير الحسن بن أحمد الأعرابي المعروف بالأسود صاحب التصانيف المشهورة التي تصدى فيها للأخذ على أعيان العلماء، فإن روايته في كتبه كلها عن أبي الندى هذا.
وأنا أرى أن هذا الرجل خرج إلى البادية واقتبس علومه من العرب الذين يسكنون الخيم، وقد وقع لي شيء من خبره في ذلك أنا أورده هاهنا ليستدل به على ما ذهبت إليه كما استدللت أنا به.
وجدت بخط صديقنا كمال الدين أبي القاسم عمر بن أحمد بن هبة الله بن أبي جرادة الحلبي الفقيه المدرس الكاتب الأديب ما أسنده إلى ليث الطويل قال: سألت أبا الندى، وكان من أعلم من شاهدت بأخبار العرب: هل تعرف من شعر الذلفاء بنت الأبيض في ابن عمها نجدة بن الأسود؟ قال: نعم، كنت فيمن حضر جنازة نجدة حتى وضعناه في قبره وأهلنا عليه التراب، وصدرنا عنه غير بعيد، فأقبلن نسوة يتهادين فيهن امرأة قد فاقتهن طولا، كالغصن الرطب، وإذا هي الذلفاء، فأقبلت حتى أكبت على القبر وبكت بكاء محرقا وأظهرت من وجدها ما خفن معه على نفسها، فقلن لها:
يا ذلفاء إنه قد مات السادات من قومك قبل نجدة، فهل رأيت نساءهم قتلن أنفسهن
عليهم؟ فلم يزلن بها حتى قامت فانصرفت عن القبر، فلما صارت منه غير بعيد عطفت بوجهها عليه وقالت:
سئمت حياتي حين فارقت قبره | ورحت وماء العين ينهل هامله |
وقالت نساء الحي قد مات قبله | شريف فلم تهلك عليه حلائله |
صدقن لقد مات الرجال ولم يمت | كنجدة من إخوانه من يعادله |
فتى لم يصق عن جسمه لحد قبره | وقد وسع الأرض الفضاء فضائله |
يا قبر نجدة لم أهجرك مقلية | ولا جفوتك من صبري ولا جلدي |
لكن بكيتك حتى لم أجد مددا | من الدموع ولا عونا من الكمد |
وايستني جفوني من مدامعها | فقلت للعين فيضي من دم الكبد |
فلم أزل بدمي أبكيك جاهدة | حتى بقيت بلا عين ولا جسد |
ولله يعلم لولا الله ما رضيت | نفسي عليك سوى قتل لها بيدي |
صدقتم إنكم لنجوم قومي | ليوث عند مختلف العوالي |
ولكن كان نجدة بدر قومي | وكهفهم المنيف على الجبال |
فما حسن السماء بلا نجوم | وما حسن النجوم بلا هلال |
وما معزل بالعور غور تهامة | بأودية صابت عليها عهودها |
ترود الضحى افنان ضال وتتفي | ويخرج من بين الأراكة جيدها |
بأحسن من سلمى ولا ضوء درة | تسمى إليها غائص يستجيدها |
دار الغرب الإسلامي - بيروت-ط 0( 1993) , ج: 5- ص: 2319