التصنيفات

علي بن الهيثم الكاتب المعروف بجونقا: كان من الكتاب المستخدمين في ديوان المأمون وغيره من الخلفاء، وكان فاضلا أديبا كثير الاستعمال للتقعير والقصد لعويص اللغة حتى قال المأمون فيما حدث به الفضل بن محمد اليزيدي عن أبيه قال:
قال المأمون أنا أتكلم مع الناس أجمعين على سجيتي إلا علي بن الهيثم فإني أتحفظ إذا كلمته لأنه يغرق في الإعراب.
ونقلت من خط الصولي في «أخبار شعراء مصر» قال: وممن دخل مصر خالد بن أبان الكاتب الأنباري أخو عبد الملك بن أبان، حدثني الحسين بن علي الباقطائي أنه شخص إلى مصر فبلغه اتساع حال علي بن الهيثم، وكانت بينهما حرمة وكيدة، فكتب إليه من مصر بشعر طويل منه وكتب بماء الذهب:

ويذكر فيه خبره مع غرمائه والقاضي، فبعث إليه بسفتجة بألف دينار، وكتب إلى عامل مصر في استعماله فحسنت حاله.
وقال الجهشياري: كان لخالد بن أبان الكاتب الأنباري الشاعر حرمة بعلي بن الهيثم وبأبيه أيام مقامهم بالأنبار، ثم شخص خالد بن أبان إلى مصر وتزوج بها وولد له، وأضاق واختلت حاله فاستدان من التجار ما أنفقه، فكثر غرماؤه وقدموه إلى القاضي فحبسه ثم فلسه وأطلقه، وأقام بمصر وساءت حاله، وبلغه أن عليا قد عظم قدره وتقلد ديوان الخراج للفضل بن الربيع لما استوزره الرشيد بعد البرامكة، وارتفع مع المأمون بعد ذلك، فكتب إليه قصيدة نحوا من سبعين بيتا في رق بالذهب وبعث بها إليه أولها: «على الخالق الباري» الأبيات المذكورة فوجه إليه بألف دينار.
قال أبو بكر محمد بن خلف بن المرزبان حدثنا أبو علي الحسن بن بشر حدثني أبي قال: دخل علي بن الهيثم إلى سوق الدواب فلقيه نخاس فقال له: هل من حاجة؟ قال: نعم الحاجة أناختنا بعقوتك، أردت فرسا قد انتهى صدره، وتقلقلت عروقه، يشير بأذنيه، ويتعاهدني بطرف عينيه، ويتشوف برأسه، ويعقد عنقه، ويخطر بذنبه، ويناقل برجليه، حسن القميص جيد الفصوص، وثيق القصب، تام العصب، كأنه موج لجة أو سيل حدور، فقال له النخاس: هكذا كان صلى الله عليه وسلم.
وقال المرزباني في «المعجم»: علي بن الهيثم التغلبي كاتب الفضل بن الربيع: كان لسنا فصيحا شاعرا، عاتبه الفضل يوما على تأخره عنه وزاد عليه فقال:
أعد منه ألف بد عدا
وانصرف فلم يعمل للسلطان عملا.
حدثنا محمد اليزيدي قال: شهدت المأمون وهو جالس على دكة الشماسية وعنده أحمد بن الجنيد الاسكافي وجماعة من الخاصة إذ دخل عليه علي بن الهيثم المعروف بجونقا فلما قرب منه قال: يا عدو الله يا فاسق يا لص يا خبيث، سرقت الأموال وانتهبتها، والله لأفرقن بين لحمك وعظمك ولأفعلن ولأفعلن، ثم سكن غضبه قليلا فقال أحمد بن الجنيد: نعم والله يا أمير المؤمنين إنه وإنه، ولم يدع شيئا من المكروه إلا قاله فيه، فقال له المأمون وقد هدأ غضبه: يا أحمد ومتى اجترأت علي هذه الجرأة؟ رأيتني وقد غضبت فأردت أن تزيد في غضبي؟! أما إني سأؤدبك وأؤدب بك غيرك، يا علي بن الهيثم قد صفحت عنك ووهبت لك كل ما كنت أقدر أن أطالبك به، ثم رفع رأسه إلى الحاجب وقال: لا يبرح ابن الجنيد الدار حتى يحمل إلى علي بن الهيثم مائة ألف درهم ليكون له بذلك عقل، فلم يبرح حتى حملها.
الجهشياري: أمر المأمون أن يؤذن للناس إذنا عاما وأن يجلسوا على مراتبهم كانت قديما إلى أن تعرض عليه فيأمر فيها بأمره، ففعلوا ذلك، ودخل علي بن الهيثم فجلس في مجلس العرب وتغامز الكتاب عليه، وأقبل عبيد الله بن الحسن العلوي فقال إبراهيم بن إسماعيل بن داود الكاتب للكتاب: أطيعوني وقوموا معي، فمضوا بأجمعهم مستقبلين لعبيد الله بن الحسن، فسلموا عليه فرد عليهم فقالوا: لنا حاجة، فقال: مقضية، قالوا: تجلس في مجلسنا فقال: سبحان الله ينكر ذلك أمير المؤمنين، قالوا: هي حاجة تقضيها لنا ونحتمل ما ينالك فيها، قال: أفعل لعلمي بموقع الكتاب من قلوب السلاطين وقدرتهم على إصلاح قلوبهم إذا فسدت وإفسادها إذا صلحت، ومال إلى ناحيتهم فجلس معهم، وكتب صاحب المراتب إلى المأمون، فلما وقف على الموضع الذي جلس فيه عبيد الله أنكره وبعث اليه: ما هذا المجلس الذي جلست فيه؟ فقال إبراهيم بن إسماعيل للرسول: تبلغ أمير المؤمنين عنا السلام
وتقول له خدمك وعبيدك الكتاب يقولون: العدل والانصاف موجودان عندك وعند أهلك، أخذتم منا رجلا من وجوه النبط فأخذنا مكانه وجها من وجوه أهلك، ذلك علي بن الهيثم جالس مع العرب، فردوا علينا رجلنا وخذوا رجلكم، فضحك جميع من في داره وتشور علي بن الهيثم، وضحك المأمون وقال: لقد مني علي بن الهيثم من إبراهيم بن إسماعيل ببلاء عظيم.
وكان أبو يعقوب إسحاق بن حسان الخريمي قد أغري بهجاء علي بن الهيثم الأنباري الكاتب، وكان السبب في ذلك أنه وقع لأبي يعقوب عنده ميراث فدافعه فهجاه، وكان علي بن الهيثم متشدقا متفيهقا يدعي العربية ويقول إنه تغلبي، وكان من قرية يقال لها أنقوريا، ففي ذلك يقول الخريمي:
محمد بن علي العباسي عن أبيه: قال شهدت علي بن الهيثم جونقا وقد حضره منارة صاحب الرشيد فقال له: يا منارة استلبت لوطي، فقال: أصلحك الله ما ظننتك تتلقاني بمثل هذا، شيخ مثلي يلعب بالصبيان، فضحك جميع من في المجلس (اللوط الازار، كأنه أراد أنك لم تحسن عشرتي وأنك أخذت ثيابي) .
وذكر حماد بن إسحاق عن بشر المريسي قال: حضرت المأمون أنا وثمامة ومحمد بن أبي العباس الطوسي وعلي بن الهيثم فتناظروا في التشيع، فنصر محمد بن أبي العباس مذهب الامامية، ونصر علي بن الهيثم مذهب الزيدية، وشرق الأمر بينهما إلى أن قال محمد بن أبي العباس لعلي بن الهيثم: يا نبطي ما أنت والكلام؟! فقال المأمون، وكان متكئا فجلس: الشتم عي والبذاء لؤم، وقد أبحنا الكلام وأظهرنا المقالات فمن قال بالحق حمدناه، ومن جهل وقفناه، ومن ذهب عن الأمر حكمنا فيه بما يجب، فاجعلا بينكما أصلا فإن الكلام الذي أنتم فيه من الفروع، فإذا افترعتما شيئا رجعتما إلى الأصول. ثم عادا إلى المناظرة فأعاد محمد بن أبي العباس لعلي بن الهيثم مثل مقالته الأولى فقال له علي: والله لولا جلالة المجلس وما وهب الله من
رأفة أمير المؤمنين وأنه قد نهانا لأعرقت جبينك، وحسبنا من جهلك غسلك المنبر بالمدينة، فاستشاط المأمون غضبا على محمد، وأمر باخراجه فعاذ بطاهر حتى شفع فيه فرضي عنه.
ميمون بن هارون بن مخلد بن أبان: حدثني أبي قال أدخلني أبي مخلد بن أبان مع القاسم بن أحمد بن الجنيد، وكان مخلد وأحمد متواخيين في شراء غلات السواد، فأشرفنا على ربح عشرة آلاف ألف درهم، ثم اتضع السعر فحصل علينا وضيعة ستة آلاف ألف درهم، فطولبنا بها أشد مطالبة، واشتد كتاب المأمون علينا فيها، وكان المأمون يستاك في كل يوم ساعتين كاملتين، فدعاني المأمون يوما وهو يستاك وكلمني بشيء ثم قال لي ما معنى قول الخريمي في علي بن الهيثم.
فدبنقا لذا الحديث دبنقا
فقلت له: أنا أتكلم بالنبطية ولا أعلم ما معنى هذا، وأحمد بن الجنيد أرطن بها مني، فأومأ إلي بمسواكه أن انصرف، فانصرفت فما بلغت الستر حتى لقيني أحمد بن الجنيد داخلا، وكان إذا خرج من الدار قبلي انتظرني وإذا خرجت قبله انتظرته، فوقفت منتظرا له فإذا به قد خرج فقلت له: ما كان خبرك؟ فأخرج إلي توقيع المأمون بخطه بترك ما كنا نطالب به من الستة الآلاف ألف عن ابني وابنه وقال: قال لي ما معنى قول الخريمي: فدبنقا لذا الحديث دبنقا. فقلت: ضرطا لذا الحديث ضرطا فضحك وقال لي: إني سألت مخلدا عنها فلم يعرفها فاسأل حاجة فقلت: ابتاع ابني وابن مخلد غلات السواد وقدرنا الربح فخسرنا ستة آلاف ألف درهم ولا حيلة لنا فيها، وضيعتي بجلولا تساوي ثلاثة آلاف ألف درهم، فيأمر أمير المؤمنين بأخذها عن ابن مخلد وتسبيب ما على ابني على الاحالة أو الاقالة فقال: ويحك تبذل نفسك وضيعتك عن ابن مخلد، فقلت: نعم أنا غررته وأملت الربح ومنعته أن يعقده على التجار ويتعجل فضله، وقد كانوا بذلوا لنا فيه ربحا كبيرا فقال، لي: أي نبطي أنت؟! هات الدواة فقدمتها إليه، فوقع بابرائنا جميعا من المال وترك ضيعتي علي.
وقال المأمون يوما: ببابي رجلان أحدهما أريد أن أضعه وهو يرفع نفسه، وهو علي بن الهيثم، والآخر أريد أن أرفعه وهو يضع نفسه، وهو الفضل بن جعفر بن يحيى بن خالد بن برمك.

  • دار الغرب الإسلامي - بيروت-ط 0( 1993) , ج: 5- ص: 2003