التصنيفات

علي بن الحسن بن عنتر بن ثابت المعروف بشميم الحلي، أبو الحسن النحوي اللغوي الشاعر: مات في ربيع الآخر سنة إحدى وستمائة، أخبرني به العماد بن الحدوس العدل، وبمنزله مات بالموصل عن سن عالية، وهو من أهل الحلة المزيدية، قدم بغداد وبها تأدب، ثم توجه تلقاء الموصل والشام وديار بكر، وأظنه قرأ على أبي نزار ملك النحاة.
قال مؤلف الكتاب: وكنت قد وردت إلى آمد في شهور سنة أربع وتسعين وخمسمائة فرأيت أهلها مطبقين على وصف هذا الشيخ، فقصدته إلى مسجد الخضر
ودخلت عليه فوجدته شيخا كبيرا قضيف الجسم في حجرة من المسجد، وبين يديه جامدان مملوء كتبا من تصانيفه فحسب، فسلمت عليه وجلست بين يديه، فأقبل علي وقال: من أين أنت؟ قلت: من بغداد. فهش بي وأقبل يسائلني عنها وأخبره، ثم قلت له: إنما جئت لأقتبس من علوم المولى شيئا، فقال لي: وأي علم تحب؟ قلت له: أحب علوم الأدب، فقال: إن تصانيفي في الأدب كثيرة، وذاك أن الأوائل جمعوا أقوال غيرهم وأشعارهم وبوبوها، وأنا فكل ما عندي من نتائج أفكاري، وكنت كلما رأيت الناس مجمعين على استحسان كتاب في نوع من الآداب استعملت فكري وأنشأت من جنسه ما أدحض به المتقدم، فمن ذلك أن أبا تمام جمع أشعار العرب في حماسته وأنا فعملت حماسة من أشعاري وبنات أفكاري (ثم سبع أبا تمام وشتمه)، ثم رأيت الناس مجمعين على تفضيل أبي نواس في وصف الخمر، فعملت كتاب الخمريات من شعري، لو عاش أبو نواس لاستحيى أن يذكر شعر نفسه لو سمعها.
ورأيت الناس مجمعين على تفضيل خطب ابن نباتة، فصنفت كتاب الخطب فليس للناس اليوم اشتغال إلا بخطبي. وجعل يزري على المتقدمين ويصف ويجهل الأوائل ويخاطبهم بالكلب، فعجبت منه وقلت له: فأنشدني شيئا مما قلت، فابتدأ وقرأ علي خطبة كتاب الخمريات، فعلق بخاطري من الخطبة قوله: «ولما رأيت الحكمي قد أبدع ولم يدع لأحد في اتباعه مطمعا، وسلك في إفشاء سر صفات الخمرة مهيعا آثرت أن أجعل لها نصيبا من عنايتي مع ما أنني علم الله لم ألمم لها بلثم ثغر إثم، مذ رضعت ثدي أم» أو كما قال. ثم أنشدني من هذا الكتاب.

كون اتفاق الضرتين
فاستحسنت ذلك، فغضب وقال لي: ويلك ما عندك غير الاستحسان؟! قلت له: فما أصنع يا مولانا؟ فقال لي: تصنع هكذا، ثم قام يرقص ويصفق إلى أن تعب، ثم جلس وهو يقول: ما أصنع وقد ابتليت ببهائم لا يفرقون بين الدر والبعر، والياقوت والحجر؟! فاعتذرت إليه وسألته أن ينشدني شيئا آخر، فقال لي: قد صنفت كتابا في التجنيس (سماه: أنيس الجليس في التجنيس) في مدح صلاح الدين لما رأيت استحسان الناس لقول البستي، فأنا أنشدك منه، ثم أنشدني لنفسه:
ثم أنشدني لنفسه في وصف ساق:
وأنشدني غير ذلك مما ضاع مني أصله.
ثم سألته عمن تقدم من العلماء فلم يحسن الثناء على أحد منهم، فلما ذكرت له المعري نهرني وقال لي: ويلك كم تسيء الأدب بين يدي؟! من ذلك الكلب الأعمى حتى يذكر بين يدي في مجلسي؟! فقلت: يا مولانا ما أراك ترضى عن أحد ممن تقدم، فقال: كيف أرضى عنهم وليس لهم ما يرضيني؟ قلت: فما فيهم قط أحد جاء بما يرضيك؟ فقال: لا أعلمه إلا أن يكون المتنبي في مديحه خاصة، وابن نباتة في
خطبه، وابن الحريري في مقاماته، فهؤلاء لم يقصروا. قلت له: يا مولانا قد عجبت إذ لم تصنف مقامات تدحض بها مقامات الحريري، فقال لي: يا بني اعلم أن الرجوع إلى الحق خير من التمادي على الباطل، عملت مقامات مرتين فلم ترضني فغسلتها، وما أعلم أن الله خلقني إلا لأظهر فضل ابن الحريري. ثم شطح في الكلام وقال: ليس في الوجود إلا خالقان: واحد في السماء وواحد في الأرض، فالذي في السماء هو الله، والذي في الأرض أنا، ثم التفت إلي وقال: هذا كلام لا يحتمله العامة لكونهم لا يفهمونه، أنا لا أقدر على خلق شيء إلا خلق الكلام، فأنا أخلقه، ثم ذكر اشتقاق هذه اللفظة. فقلت له: أيا مولانا أنا رجل محدث، وإن لم يكن في المحدث جرأة مات بغصته، وأحب أن أسأل مولانا عن شيء إن أذن لي، فتبسم وقال: ما أراك تسأل إلا عن معضلة، هات ما عندك. قلت: لم سميت بالشميم؟
فشتمني ثم ضحك وقال: اعلم أنني بقيت مدة من عمري- ذكرها هو وأنسيتها أنا- لا آكل في تلك المدة إلا الطين فحسب قصدا لتنشيف الرطوبة وحدة الحفظ، وكنت أبقى أياما لا يجيئني الغائط فإذا جاء كان شبه البندقة من الطين، وكنت آخذه وأقول لمن أنبسط إليه: شمه فإنه لا رائحة له، فكثر ذلك حتى لقبت به، أرضيت يا ابن الفاعلة؟ هذا آخر ما جرى بيني وبينه.
ثم أنشدت له من حماسته:
وأنشدني تقي الدين أبو عبد الله محمد بن علي بن أبي النجم المعروف بابن الحجاج، وأبو محمد هو الحجاج، من شرقي واسط قال، أنشدني أبو الحسن علي بن عنتر بن ثابت الحلي المعروف بشميم. وكان أن قلت: إني لا أراك تذم أحدا من أهل العصر، فقال لي: ليس لأحد منهم عندي قيمة فإنه لا يصلح للذم إلا من يصلح للمدح، أما سمعت قولي في الحماسة:
وأنشدني أيضا له:
حدثني ابن الحجاج تقي الدين قال: اجتمع جماعة من التجار الواسطيين بالموصل على زيارة شميم، وتوافقوا على أن لا يتكلموا بين يديه خوفا من زلل يكون منهم، فلما حصلوا بين يديه قال أحدهم: أدام الله أيامك، فالتفت إلي وقال: أيش هؤلاء؟ فإني أرى عمائم كبارا ظننتها على آدميين، فسكتوا، فلما قاموا قال له آخر
منهم: يا سيدي ادعو لنا بشمل الجمع، فغضب وقال: ايش هؤلاء وكيف خلقهم الله؟ ثم حلف بمحلوفه وقال: لو قدرت على خلقة مثل هؤلاء أنفت من خلق مثلهم.
قال المؤلف: حدثني محمد بن حامد بن محمد بن جبريل بن محمد بن منعة بن مالك الموصلي الفقيه فخر الدين بمرو في سنة خمس عشرة وستمائة في ربيع الأول منها قال: لما ورد شميم الحلي إلى الموصل بلغني فضله فقصدته لأقتبس من علومه، فدخلت عليه فجرى أمري معه على ما هو معروف به من قلة الاحتفال بكل أحد، وجرت خطوب ومذاكرات إلى أن قال: ومن العجائب استحسان الناس قول عمرو بن كلثوم:
- كذا قال تهكما-، ألا قال كما قلت:
ثم أخرج رقعة من تحت مصلاه وقال لي ما معنى قولي «قلب شطر أعاديك حظ من كفر أياديك» فقلت: أكتبها وأفسرها، فقال: اكتب، فكتبتها وقلت: نعم شطر «أعاديك» «ديك» وقلبه «كيد» أردت أن الكيد حظ من كفر أياديك، فقال:
أحسنت، وكان ذلك سبب إقباله علي بعد ما تقدم من إهماله إياي.
وأنشدني أبو حامد المذكور قال: أنشدني أبو الحسن علي بن الحسن بن عنتر الحلي لنفسه:
حدثني الآمدي الفقيه قال: بلغني أنه لما قدم الحلي إلى الموصل انثال إليه الناس يزورونه، وأراد نقيب الموصل- وهو ذو الجلالة المشهورة بحيث لا يخفى أمره على أحد- زيارته، فقيل له: إنه لا يعبأ بأحد ولا يقوم من مجلسه لزائر أبدا، فجاءه رجل وعرفه ما يجب من احترام النقيب لحسبه ونسبه وعلو منزلته من الملوك فلم يرد
جوابا، وجاءه النقيب ودخل وجرى على عادته من ترك الاحتفال له ولم يقم عن مجلسه، فجلس النقيب ساعة ثم انصرف مغضبا، فعاتبه ذلك الرجل الذي كان أشار عليه باكرامه فلم يرد عليه جوابا، فلما كان من الغد جاءه وفي يد الحلي كسرة خبز يابسة وهو يعض من جنبها ويأكل، فلما دخل الرجل عليه قال له: بسم الله، فقال له: وأي شيء هاهنا حتى آكل؟ فقال له: يا رقيع من يقنع من الدنيا بهذه الكسرة اليابسة لأي معنى يذل للناس مع غناه عنهم واحتياجهم إليه؟! وحدثني الفقيه قال: بلغني أن الحلي قدم إلى أسعرت فتسامع به أهلها فقصدوه من كل فوج، وكان فيهم رجل شاعر، فأنشده الرجل شعرا استجاده الحلي فقال لقائله، إني أرفع هذا الشعر عن طبقتك، فإن كنت في دعواك صادقا فقل في معناه الآن شيئا آخر، ففكر ساعة فقال:
فقال له الحلي: ويحك اسجد، ويلك اسجد، فإن هذا موضع من مواضع سجدات الشعر، وأنا أعرف الناس بها.
ومما سمعته من فلق فيه وهو من إنشاء خطبة له هي: الحمد لله فالق قمم حب الحصيد بحسام سح السحب، صابغ خد الأرض بقاني رشيق يانع العشب، نافخ روح الحياة في صور تصاويرها بسائح القراح العذب، محيي ميت الأرض باماتة كالح الجدب، لابتسام ثغر نسيم أنفاح الخصب، محيل جسم طبيعة الماء المبارك في أشكال الحب، والعنب والزيتون والقضب، جاعله للانام والأنعام ذات الحمل والحلب، محلي جيد الأفلاك بقلائد دراري النجوم الشهب، ومخلي جند الأملاك عن مباشرة التصرف والكسب، وللقيام بواجب واصل التسبيح والتقديس للرب، قابل التوبة من المذنب المنيب وغافر الذنب، الواحد المتفرد بوحدانيته عن ملاءمة أعداد قسمه الحساب والضرب، المستغني بصمديته عن مسيس الحاجة إلى دواعي الأكل والشرب، الشاهد على خلقه بما يفيضون فيه لا لاتصاف بعد ولا قرب، المهيمن على
سر اجتراح كل جارحة وخاطر خاطر وتقلب قلب. أحمده على ما منح من موضح بيان بما الب في سويداء لب، وأشكره على ما جلا من مظلم ظلم جهل وكشف من كثيف ركام كرب، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة سالمة من شوائب النفاق والخب، مؤمنة قائلها يوم الفزع الأكبر من إيحاش الرهب والرعب، وأشهد أن محمدا عبده المحبو بعقد حبا خاتم الأنبياء من جميع أصحاب الصحف والكتب، وصفيه المنتجب لنصر الدين وإقامة دعوة الاسلام بالبيض القضب والجرد القب والأسد الغلب، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ما سنحت الغزالة بأفق شرق وحجبت بغارب غرب، صلاة يفني تكرار عديدها صم الحصا الصلب، ويبيد أربد الترب.
عباد الله من اختلف عليه الآباد باد، ومن تمكنت يد المنون من عنقه انقاد، ومن تزود التقوى استفاد خير الزاد، ومن بدأ ببره وعاد للمعاد فاز بالإحماد {يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا ويحذركم الله نفسه والله رؤف بالعباد} اللهم نول آمالنا مناها، وكفل أعمالنا تقاها، وخول أطماعنا رضاها، ولا تشرب قلوبنا هوى دنياها، فإن المعاطب في حبها، وشين المعايب مزر بها، فلا تجعل اللهم مهامنا فيها المنى، وأمنا بأمننا من كيد أمنا الدنا، برحمتك يا أرحم الراحمين، أستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين ولوالدي ولمن علمني.
أسماء تصانيف الشيخ علي بن الحسن الشميم الحلي: كتاب النكت المعجمات في شرح المقامات. وكتاب أري المشتار في القريض المختار. وكتاب الحماسة من نظمه مجلد. وكتاب مناح المنى في إيضاح الكنى أربع كراريس. وكتاب نزه التأميل في عيون المجالس والفصول مجلدان. وكتاب نتائج الاخلاص في الخطب مجلد. وكتاب أنيس الجليس في التجنيس مجلد. وكتاب أنواع الرقاع في الأسجاع. وكتاب التعازي والمرازي مجلد. وكتاب خطب نسق حروف المعجم كراسان. كتاب الأماني في التهاني مجلد. وكتاب المفاتيح في الوعظ كراسان. وكتاب معاياة العقل في معاناة النقل مجلد. كتاب الاشارات المعربة مجلد. وكتاب المرتجلات في المساجلات أربع كراريس. كتاب المخترع في شرح اللمع مجلد. وكتاب المحتسب في شرح الخطب مجلد. كتاب المهتصر في شرح المختصر، مجلد. وكتاب التحميض في التغميض، كراسان. كتاب بدائه الفكر في بدائع النظم والنثر، مجلدان. كتاب خلق الآدمي كراسان. وكتاب رسائل لزوم ما لا يلزم، كراسان. كتاب اللزوم مجلدان. وكتاب لهنة الضيف المصحر في الليل المسحر، كراسان. كتاب متنزه القلوب في التصحيف، كراس. وكتاب المنائح في المدائح، مجلدان. كتاب نزهة الراح في صفات الافراح، كراسان. كتاب الخطب المستضية. كتاب حرز النافث من عيث العائث. كتاب الخطب الناصرية. كتاب الرحوبات، مجلدان. كتاب شعر الصبا، مجلد. كتاب القام الالحام في تفسير الأحلام. كتاب سمط الملك المفضل في مدح المليك الأفضل. كتاب مناقب الحكم في مثالب الأمم مجلدان. كتاب اللماسة في شرح الحماسة. كتاب الفصول الموكبية، يشتمل على أربعين فصلا. وكتاب مجتنى ريحانة الهم في استئناف المدح والذم. كتاب المناجاة.

  • دار الغرب الإسلامي - بيروت-ط 0( 1993) , ج: 4- ص: 1689