عبد الرحيم بن القاضي الأشرف بهاء الدين أبي المجد ابن القاضي السعيد أبي محمد الحسن بن الحسن، المعروف بالقاضي الفاضل الملقب مجير الدين:
كان أوحد دهره وفريد عصره عقلا ونبلا وفصاحة وبيانا، لم يكن أحد يضاهيه في صناعة الانشاء، وكان هيوبا وقورا نزه المجلس على شراسة كانت في خلقه وتقلل في ملبسه، فإنه كان لا يزيد لباسه على النصفية البغدادية، والدنيا تدبر برأيه وصلاح الدين سلطان البلاد لا يرد له أمرا. وكان يترفع عن التسمية بالوزارة ويعمل عملها سرا.
وتوفي في سابع عشر ربيع الآخر سنة ست وتسعين وخمسمائة، ومولده وأصله بعسقلان في جمادى الآخرة سنة تسع وعشرين وخمسمائة، وذكروا أن الكتب التي
خلفها مائة ألف وعشرون ألف مجلدة، وزادت سيرته على عدة مجلدات .
مولده وأصله بعسقلان، وإنما قيل له البيساني لأن والده ولي القضاء ببيسان. قيل لما ولد أخذ طالعه القاضي ابن قريش، وكان خبيرا بعلم النجوم، فقال: هذه والله سعادة لا تسعها الدنيا فضلا عن عسقلان. كان السبب في تقدمه أن أباه كان يتولى بعسقلان بعد القضاء ببيسان، وكاتبه السلطان بمصر بالأخبار، فاتفق أن والي عسقلان أطلق أسيرا له قيمة فتعلل عليه المصريون كونه لم يخبر بخبره، فاستحضر إلى القاهرة وصودر حتى استصفي ماله ولم يبق له شيء، فأصابته فجعة فمات، وبقي الفاضل وأخت له وأخ على غاية من الاختلال وسوء الحال والفقر، فألجأه الحال إلى أن مشى راجلا إلى الإسكندرية، وقصد بها القاضي ابن حديد فالتجأ إليه وعرفه بنفسه وشكا إليه فاقته، فتوجع له وفرض له في كل شهر ثلاثة دنانير واستنابه في الكتابة عنه.
وفتحت الفرنج عسقلان وخرج أخوه وأخته حتى لحقا به وأقاما عنده، فاختبره القاضي فوجده على غاية من الفصاحة والبلاغة وحسن المقاصد، وكان إذا أراد مكاتبة ديوان مصر أمره بالكتابة عنه، وكانت كتبه ترد كالدر النظيم، فحسده الكتاب الذين ترد كتبه عليه وخافوا منه على منزلتهم، فسعوا به إلى الظافر بن الحافظ، فحدث محمد بن محمد بن محمد بن بنان الأنباري كاتب الإنشاء يومئذ، قال: فأحضرني الظافر وأمرني أن أكتب إلى الوالي بالإسكندرية أن يتسلم ابن البيساني من القاضي ابن حديد ويقطع يده ويسيرها إلينا، قال: فما علمت السبب ولا عرفت ابن البيساني، ووددت لو كان هذا الكتاب بخط غيري، فأخذت الدواة والقلم والدرج وكتبت:
«بسم الله الرحمن الرحيم، وبطلت الكتابة، فنظر إلي وقال: ما تنظر؟ قلت: عفو مولانا، قال: تعرف هذا الرجل؟ قلت: لا والله، قال: هذه رقعة وردت من
الديوان تخبر بسوء أدبه واستخفافه، وذاك أنه كتب كتابا وجعل بين السطر والسطر شبرا وهذا لا يكون إلا من الفاضل إلى المفضول. وبلغني أيضا أنه يرى انتقاضنا وذهاب دولتنا دينا، فقلت: إن رأى استحضار المكتوب والوقوف عليه، فأحضر فرأيت أبلغ كتاب وأحسن عبارة فقلت: هذا كتاب معدوم المثال وكاتبه أوحد عصره، وما كتبوا في أمره بما كتبوا إلا حسدا له، فإن رأى إحضار كاتبه وسماع لفظه والعمل بموجب المشاهدة رجوت أن يكون ثوابا وصوابا. فكتبت بتسييره مكرما، فما كان إلا مسافة الطريق حتى أحضر إلى مجلس الظافر وأنا حاضر، فرأيت شابا ظريفا بثياب قصار وأكمام لطيفة وطيلسان، فوقف بين يدي الظافر، فقال الظافر: اختبره في شيء من الرسائل، فقلت له: مولانا يأمرك أن تكتب منشورا لأحد أولياء دولته يتضمن توليته ما وراء بابه، فقال: السمع والطاعة، فقربت منه دواة فأخذ يكتب وهو قائم، وكان إذا أراد أن يستمد انكب إلى الدواة ثم وقف فكتب، فلما أن رأى الظافر جريان قلمه وثبات جنانه، أمر خادما أن يحمل له الدواة، ثم فرغ من الكتابة وهو قائم على رجله، فتناوله الخادم وعرضه على الظافر، فاستحسن خطه وكان خطا مليحا رائقا على طريقة ابن مقلة، وقال لي: اقرأه، فقلت: يا مولانا اسمعه من منشئه فهو أحسن، فقرأه بلسان حاد وبيان صادق، فلما استتم قراءته أمر الظافر بقلع طيلسانه وأخذ عذبة عمامته وفتلها وتحنيكه بها، ففعل به ذلك. ولم يزل في الديوان مدة أيام الظافر والفائز والعاضد.
فلما استعلى الضرغام على شاور وتولى الوزارة، وهرب شاور إلى الشام وقبض على ولده الكامل وأودعه السجن خدمه الفاضل ومت إليه بخدمة قديمه. ثم إن الضرغام تنكر على الفاضل فمضى من فوره إلى ملهم أخي ضرغام واستجار به، وكان ملهم هو الكبير وكان ترفع عن الولاية، فأمره بملازمة داره حتى يصلح أمره، فاتفق أن قرن بالكامل بن شاور في محبسه وحبس معه وحصل له بذلك يد بيضاء عنده. ورجع شاور إلى الديار المصرية بصحبة شيركوه، وقتل الضرغام وأخوه ملهم وبنوه، وعادت الوزارة إلى شاور. وركب ابنه الكامل من دار ملهم ومعه القاضي الفاضل حتى دخلا على شاور وعرف الكامل أباه شاور حقوق الفاضل عليه وحسن ولائه.
واختص الفاضل بالكامل اختصاصا كليا، وكان أولا يدعى بالأسعد فغيره ولقبه بالفاضل، ولم يزل معهما على أحسن حال إلى أن عاد أسد الدين إلى مصر في المرة الأخرى واستولى على الديار المصرية وتولى الوزارة وقتل شاور وابنه الكامل وطلب الفاضل. وكان في نفسه منه أشياء نقمها عليه في مكاتباته عن شاور، وكان يغلظ القول فيها. ولجأ القاضي إلى القصر مستجيرا ومستخفيا، وطلبه شيركوه من العاضد فشفع فيه فلم يقبل الشفاعة وألح في طلبه، فاتفق أن العاضد أهدى إلى شيركوه هدايا نفيسة وقعت منه موقعا لطيفا، وسأله مع قبولها أمان الفاضل فأمنه، فلما حضر أكرمه شيركوه وأمره بالجلوس في حضرته وقال: اكتب كتابا إلى نور الدين محمود بن زنكي عرفه ما فعل الله بهذا الطاغية الفاسق، يعني شاورا، فكتب ولم يذكره إلا بالخير فغضب أسد الدين وقال: ما لك لا تكتب بما آمرك به؟ فقال: ما يسعني ذلك أيها الوزير لحقوق له علي، فأغلظ له وتهدده إن لم يكتب وحلف ليوقعن به، فوثب حتى صار بين يديه وقال: قد انبسط الآن عذري فيما كنت أكاتب به المولى فإنما أنا آلة أكتب حسبما أومر، فبسط عذره وأعجبه مخرجه من الحجة وأنس به أنسا تاما.
فلما مات أسد الدين شيركوه ترشح أكابر الدولة لمكانه وطمع فيها من هو أهل لذلك، ولم يكن صلاح الدين ممن تطمع نفسه في تلك الرتبة، واتفق أنه اجتمع بالفاضل في دار السلطان وجرى حديث من ترشح للولاية، وبسط صلاح الدين الحديث في ذكرهم ولم يذكر نفسه، فجذبه الفاضل إليه وقال له سرا: هل عندك قوة لأن تلي هذا الأمر؟ فقال صلاح الدين: وأنى لي بذلك وهنا مثل فلان وفلان وعدد الأكابر، فقال له: لا عليك فإني أدبر أمرك فاستعد لذلك. فبينا هما في الحديث، استدعي الفاضل إلى مجلس العاضد واستشير فيمن يولى، ولم يكن شيركوه دفن بعد، لأن من عادتهم أن الذي يتولى يلبس في الجنازة أخضر دون كل من فيها وهي إمارة الولاية، فقال الفاضل: رأي أمير المؤمنين أعلى وهو أعرف، فقال العاضد: ما تقول في فلان فوهى أمره وذكر شيئا صدفه عنه، إلى أن ذكر جماعة كلهم كذلك، فقال للفاضل: فمن ترى أنت؟ قال: ما رأيت في الجماعة أحسن طريقة من يوسف ابن أيوب ابن أخي الميت، فإني اختبرته ورأيته يرجع إلى دين وأمانة، فقال العاضد:
إني أخاف أن لا يرضى به القوم، فقال الفاضل: يا أمير المؤمنين أنت ألبسه وأجلسه وهو يبذل الأموال ويصلح حال الرجال، ففعل ذلك. وخرج الناس وعلى صلاح الدين الأخضر من دون الجماعة فعرفوا أنه صاحب الأمر، وساعدته السعادة فلم يقل أحد كلمة، وفرق خزائن شيركوه، وعامل الناس بالإحسان، وبذل المال فأحبوه، وتم أمره وصار القبض والبسط إلى الفاضل. وفوض صلاح الدين إليه أمور دولته وصار لا يصدر إلا عن رأيه، واستنابه في جميع أموره، ورعى له تلك الحال، فجرى في تصاريفه على أحسن قانون، وأحسن إلى أرباب البيوت، وجمع كتبا مشهورة بلغني أنها تكون سبعين ألف مجلد في فنون العلم وأنواعه. وأما ابن بنان الذي كان السبب فى خلاصه وعلو منزله فإنه اطرح في دولة بني شادي حتى احتاج إلى الناس، فدخل يوما إلى الفاضل وقد انقادت الدولة لأمره ونهيه، فعدد إحسانه إليه واشتماله في الدولة الذاهبة عليه، فاعترف الفاضل بذلك واستخلص له رزقا كان يقوم عليه إلى أن مات.
وكان القاضي الفاضل شابا مليحا من أظرف الرجال، فلما كانت وقعة الباب بين شيركوه وشاور بالصعيد، نفرت به فرسه فوقع على ظهره على قربوس السرج فأوهنه، فلما رجع إلى القاهرة عمل عليه وكان يمرضه ويداويه وقد مد وانتفخ، فلما كان يوم جلوسه بين يدي أسد الدين وهو يكتب انفجرت عليه وهو بين يديه فما راعه إلا والمدة والدم يسيلان بين يدي أسد الدين، فارتاع من ذلك وقال: احملوه ورق له وعولج وانفسدت إحدى خرزات ظهره ثم اندملت وكانت له حدبة، وفي ذلك يقول ابن عنين:
قد أصبح الملك ما له سبب | في الناس إلا البغاء والحدب |
سلطاننا أعرج وكاتبه | ذو عمش والوزير منحدب |
معايب كلها لو اجتمعت | في فلك لم تحله الشهب |
دار الغرب الإسلامي - بيروت-ط 0( 1993) , ج: 4- ص: 1562