التصنيفات

الحسين بن محمد بن الحسين بن سهلويه الكاتب الأصبهاني أبو العلاء أحد أصحاب الصاحب بن عباد، مات ... ذكر في كتابه الذي صنفه، وسماه «أجناس الجواهر» عن نفسه قال: حدثني أبو الفرج الببغاء الشاعر قال: أمرني سيف الدولة ممتحنا أن أكتب رقعة إلى رجل تزوجت أمه أحسن ذلك، ورسم أن أكتبها بحضرته ارتجالا، فكتبت: من سلك إليك، أعزك الله، سبيل الانبساط لم يستوعر مسلكا من المخاطبة فيما يحسن الانقباض عن ذكر مثله؛ واتصل بي ما كان من أمر واجبة الحق عليك، المنسوبة بعد نسبتك إليها إليك، أقر الله صيانتها في اختيارها ولو أن ... يتناكره وشرع المروة يحظره، لكنت في مثله بالرضا أولى، وبالاعتذار مما جدده الله من صيانتها أحرى. فلا يسخطنك، أعزك الله من ذلك، ما رضيه واجب الشرع وحسنه أدب الديانة، فمباح الله أحق أن يتبع، وإياك أن تكون ممن إذا حرم اختياره تسخط اختيار القدر له، والسلام.
قال ابن سهلويه: فلما عدت من مدينة السلام إلى الري عرضتها على الصاحب، كافي الكفاة، فاستحسن المغزى، وقال: قد أصاب غرة الهدف في المرمى، وقرطس ثغرة الغرض في المعنى، ولكن في ألفاظه لينا، وفي عبارته ضعفا، ثم قال لي ولجماعة من كتابه على سبيل الامتحان: اكتبوا رقعة إلى رجل آخر دعته الضرورة إلى تزويج أمه، فلما قرر الأمر، وأمضى العقد ندم وتذمم، وهم بأن يهيم على وجهه، ولف رأسه حياء من فعله. فتفادت الجماعة من ذلك، وضمنت إنشاءها، وعملت الرسالة على ما اقترحه علي، وبكرت إليه والشمس لم تجلل الأرض بضيائها، ولم تخلع عليها صفرة ردائها، فلما قرأها أعجب بها جدا، وقرظني بما لا أرى وجها في إعادة ذكره فأكون كمن يزهى بما يصدر عن صدره، فيقال:
فلان كالمفتون بابنه وبشعره؛ والرسالة: قد عرفت، أعزك الله، ما شكوته مما اتفق عليك من حادثة الزمن الصماء، ونائبة الغير الشنعاء، ووقعت على ما قلت من أن أم طبق طرقت إليك ببكرها، وبنت الدهر برزت إليك من خدرها، فسعرت جوانبك لهيبا، وملأت جوانحك ندوبا، حين أحوجتك إلى تزويج كبيرتك على طريق الاقتار، وأوجبت عليك ضمها إلى كفء كريم من بني الأحرار، وإنك رأيت ذلك عارا تجلل لباسه، وشنارا أعيا عليك مراسه، وإنك تحسب ان دون محو هذه الغضاضة شيب المفارق، وأن وصمتها لا ترحض عنك بأشنان بارق، حتى خف عليك أن تضع كفك في يد الدهر، وطاب لك التفصي من العمر، وتصورت أن العيش مع الذام عدل الموت الزؤام، فهممت أن تنفض يدك مما أنت فيه من عيش ندي ناعم الأطراف، وعمر هنيء سائغ القطاف، ووددت بأن تلحق بمنقطع التراب، فلا تأتي أهلك إلا بعد شمط الغراب، راضيا بأن تتقلب في الأبارق على الرمضاء، وتدور في الأجارع مع الشمس كالحرباء، وأن تحصل بحيث لا تحس بنبأة من إنسان، ولا تأنس إلا بعزيف الجنان، وتقتصر من طعامك على كشى الضباب، بل على سف التراب. وتجعل كفك قيعة للأبوال، فتتجرعها عوضا عن الماء الزلال، كل ذلك لكيلا يقع طرفك على معير شامت، ومستهزئ متهافت. وهذا الذي استشعرته مما لا أرتضيه من عقلك
الرصين، ورأيك الوثيق، فإن فيما أتيته ضروبا من المصالح وفنونا من المرافق، فمنها أنك سترت عورة واستفدت طهرا وعصمة، وقضيت لمن ارتكضت في حشاها ذماما وحرمة، ومنها أنك نزهت نفسك عن التوسم بالعقوق للذهاب مع الأنفة، وصنتها عن أن تتبع فيها المقالة للائمة، لا سيما وفيها علالة من الشباب تنطلق معها ألسنة الاغتياب، فلا تملكنك دواعي الهم والحسرة، فقد جدع الحلال أنف الغيرة.
وإن ساءتك هذه الحال من جانب إنها لتسر من جوانب، وكذاك رياح الأيام تختلف فتارة تهب شمائل وأخرى جنائب. جعل الله عز وجل نعمه عليك مصفاة من سوء يكدرها، ومواهبه لديك مبرأة من شائبة ترنقها، وجعل ما يوليك بعدها جامعا للعز الأشد والنظر الأشوس، وحرسه عما يغري القذى بطرفك، ويوكل الأذى بلبك، بمنه وسعة طوله.
ولما مات الصاحب قال أبو العلاء ابن سهلويه يرثيه:

  • دار الغرب الإسلامي - بيروت-ط 0( 1993) , ج: 3- ص: 1153