الحسن بن محمد بن الحسن بن محمد بن حمدون أبو سعد بن أبي المعالي بن أبي سعد الكاتب: قد تقدم ذكر أبيه صاحب الديوان بهاء الدين أبي المعالي وذكر عمه أبي نصر محمد بن الحسن كاتب الإنشاء. وكان أبو سعد هذا يلقب تاج الدين. مات أبو سعد هذا في حادي عشر محرم سنة ثمان وستمائة كما نذكره فيما بعد، ومولده في صفر سنة سبع وأربعين وخمسمائة. وكان رحمه الله من الأدباء العلماء الذين شاهدناهم، زكي النفس، طاهر الأخلاق، عالي الهمة، حسن الصورة، مليح الشبية، ضخم الجثة، كث اللحية طويلها، طويل القامة، نظيف اللبسة، ظريف الشكل. وهو ممن صحبته فحمدت صحبته وشكرت أخلاقه، وكان قد ولي عدة ولايات عاينت منها النظر في البيمارستان العضدي، وكانت هيبته فيه ومكانته منه أعظم من مكانة أرباب الولايات الكبار، لأن الناس يرونه بعين العلم
والبيت القديم في الرئاسة. ثم ولي عند الضرورة كتابة السكة بالديوان العزيز ببغداد، يرزق برزق مقداره عشرة دنانير في الشهر، وسألته فقلت: من هو حمدون الذي تنسبون إليه؟ أهو حمدون نديم المتوكل ومن بعده من الخلفاء؟ فقال: لا نحن من آل سيف الدولة بن حمدان بن حمدون من بني تغلب، هذا صورة لفظه.
وكان من المحبين للكتب واقتنائها، والمبالغين في تحصيلها وشرائها، وحصل له من أصولها المتقنة وأمهاتها المعينة ما لم يحصل لكثير أحد، ثم تقاعد به الزمان وبطل عن العمل، فرأيته يخرجها ويبيعها وعيناه تذرفان الدموع عليها كالمفارق لأهله الاعزاء، والمفجوع بأحبابه الأوداء، فقلت له: هون عليك- أدام الله أيامك- فإن الدهر ذو دول، وقد يصحب الزمان ويساعد، وترجع دولة العز وتعاود، فتستخلف ما هو أحسن منها وأجود؛ فقال: حسبك يا بني هذه نتيجة خمسين سنة من العمر أنفقتها في تحصيلها، وهب أن المال يتيسر والعمر يتأخر، وهيهات، فحينئذ لا أحصل من جمعها بعد ذلك إلا على الفراق الذي ليس بعده تلاق، وأنشد بلسان الحال:
هب الدهر أرضاني وأعتب صرفه | وأعقب بالحسنى وفك من الأسر |
فمن لي بأيام الشباب التي مضت | ومن لي بما قد مر في البؤس من عمري |
دار الغرب الإسلامي - بيروت-ط 0( 1993) , ج: 3- ص: 1012