إبراهيم بن محمد بن أبي حصن الحارث بن أسماء بن خارجة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري أبو إسحاق: كوفي الأصل نزل ثغر المصيصة حتى مات به في عدة روايات ذكرها ابن عساكر في «تاريخ دمشق» أصحها أنه مات سنة ثمان وثمانين
ومائة، وقد روي أنه مات سنة ست وقيل سنة خمس وثمانين. وكان خيرا فاضلا ورعا صاحب سنة وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر، وله فضائل جمة نذكر منها في هذا الكتاب ما انتخبناه من كتاب دمشق، وكان أبو إسحاق مع ما اشتهر من فضله كثير الغلط وله «كتاب السير» في الأخبار والأحداث، رواه عنه أبو عمرو ومعاوية بن عمرو الرومي، وتوفي أبو عمرو هذا ببغداد سنة خمس عشرة وثلاثمائة.
قال ابن عساكر: أبو إسحاق أحد أئمة المسلمين وأعلام الدين روى عن الأعمش وسليمان البتي وأبي إسحاق سليمان بن فيروز الشيباني وعبد الملك بن عمير وعطاء بن السائب ويحيى بن سعيد الأنصاري وموسى بن عقبة وهشام بن عروة وحميد الطويل وسفيان الثوري، وذكر خلقا كثيرا. وروى عنه سفيان الثوري وأبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي وهما أكبر منه، وذكر خلقا رووا عنه. وحدث فيما رفعه إلى رباح بن الفرج الدمشقي قال، سمعت أبا مسهر يقول: قدم علينا إبراهيم بن الفزاري فاجتمع الناس يسمعون منه، فقال لي: اخرج إلى الناس فقل لهم من كان يرى رأي القدرية فلا يحضر مجلسنا، ومن كان يأتي السلطان فلا يحضر مجلسنا، قال: فخرجت فأخبرت الناس.
قال وقال عبد الرحمن النسائي: أبو إسحاق الفزاري ثقة مأمون أحد الأئمة، وكان يكون بالشام، روى عنه ابن المبارك. وحدث الاوزاعي بحديث فقال رجل: من حدثك يا أبا عمرو؟ فقال: حدثني الصادق المصدق أبو إسحاق إبراهيم الفزاري. وحدث فيما رفعه إلى أبي صالح محبوب بن موسى الفراء قال: سألت ابن عيينة قلت: حديث سمعت أبا إسحاق رواه عنك أحببت أن أسمعه منك، فغضب علي فانتهرني وقال: لا يقنعك أن تسمعه من أبي إسحاق؟ والله ما رأيت أحدا أقدمه على أبي إسحاق. وقال أبو صالح أيضا: ولقيت الفضيل بن عياض فعزاني بأبي
إسحاق وقال لي: والله لربما اشتقت إلى المصيصة ما بي فضل الرباط إلا لأرى أبا إسحاق. وحدث فيما رفعه إلى أبي مسلم صالح بن أحمد العجلي عن أبيه قال: أبو إسحاق الفزاري كوفي اسمه إبراهيم بن محمد نزل الثغر بالمصيصة، وكان ثقة رجلا صالحا صاحب سنة، وهو الذي أدب أهل الثغر وعلمهم السنة، وكان يأمر وينهى، وإذا دخل الثغر رجل مبتدع أخرجه، وكان كثير الحديث، وكان له فقه، أمر سلطانا يوما ونهاه فضربه مائتي سوط، وتكلم فيه. وسئل عنه يحيى بن معين فقال: ثقة ثقة. قال أبو صالح الحسين بن محمد بن موسى الفراء، سمعت علي بن بكار يقول لقيت الرجال الذين لقيهم أبو إسحاق ابن عون وغيرهم والله ما رأيت فيهم أفقه منه. قال أبو صالح، قال عطاء الخفاف: كنت عند الأوزاعي فأراد أن يكتب إلى أبي إسحاق، فقال للكاتب: اكتب إليه وابدأ به فإنه والله خير مني، قال: وكنت عند الثوري فأراد أن يكتب إلى أبي إسحاق فقال للكاتب: أكتب إليه فابدأ به فإنه والله خير مني. وحدث فيما رفعه إلى إسماعيل بن إبراهيم قال: أخذ الرشيد زنديقا فأمر بضرب عنقه، فقال له الزنديق: لم تضرب عنقي يا أمير المؤمنين؟ قال: أريح الناس منك، قال: فأين أنت من ألف حديث وضعتها على رسول الله صلى الله عليه وسلم ما فيها حرف نطق به رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فأين أنت يا عدو الله من أبي إسحاق الفزاري وعبد الله بن المبارك ينخلانها نخلا فيخرجانها حرفا حرفا.
وحدث فيما رفعه إلى عبد الرحمن بن مهدي قال: كان الأوزاعي والفزاري إمامين في السنة، إذا رأيت الشامي يذكر الأوزاعي والفزاري فاطمئن إليه، كان هؤلاء الأئمة في السنة.
وحدث أبو علي الروذباري: كان أربعة في زمانهم: واحد كان لا يقبل من السلطان ولا من الإخوان، يوسف بن أسباط، ورث سبعين ألف درهم لم يأخذ منها شيئا وكان يعمل الخوص بيده. وآخر كان يقبل من الإخوان والسلطان جميعا أبو إسحاق الفزاري، فكان ما يأخذه من الإخوان ينفقه في المستورين الذين لا يتحركون، والذي يأخذه من السلطان ينفقه في أهل طرسوس. والثالث كان يأخذ من الاخوان ولا يأخذ من السلطان وهو عبد الله بن المبارك يأخذ من الإخوان ويكافئ عليه. والرابع كان يأخذ من السلطان ولا يأخذ من الاخوان وهو مخلد بن الحسين، كان يقول: السلطان لا يمن والاخوان يمنون.
وحدث ابن عساكر فيما رفعه إلى الأصمعي قال: كنت جالسا بين يدي هارون الرشيد أنشده شعرا، وأبو يوسف القاضي جالس على يساره، فدخل الفضل بن الربيع فقال: بالباب أبو إسحاق الفزاري، فقال: أدخله، فلما دخل قال: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، فقال له الرشيد: لا سلم الله عليك ولا قرب دارك ولا حيا مزارك، قال: لم يا أمير المؤمنين؟ قال: أنت الذي تحرم السواد؟ فقال: يا أمير المؤمنين من أخبرك بهذا؟ لعل هذا أخبرك- وأشار إلى أبي يوسف وذكر كلمة- والله يا أمير المؤمنين لقد خرج إبراهيم على جدك المنصور فخرج أخي معه، وعزمت على الغزو فأتيت أبا حنيفة فذكرت له ذلك فقال لي: مخرج أخيك أحب إلي مما عزمت عليه من الغزو، وو الله ما حرمت السواد، فقال الرشيد: فسلم الله عليك وقرب دارك وحيا مزارك، اجلس أبا إسحاق، يا مسرور ثلاثة آلاف دينار لأبي إسحاق، فأتي بها فوضعت في يده وانصرف بها، فلقيه ابن المبارك فقال له: من أين أقبلت؟ قال: من عند أمير المؤمنين وقد أعطاني هذه الدنانير وأنا عنها غني، قال: فإن كان في نفسك منها شيء تصدق بها، فما خرج من سوق الرافقة حتى تصدق بها كلها.
وفضائل أبي إسحاق كثيرة اختصرت منها حسب ما شرطت من الإيجاز من «تاريخ دمشق» لابن عساكر.
دار الغرب الإسلامي - بيروت-ط 0( 1993) , ج: 1- ص: 93