يوسف محيي الدين ابن زبلاق يوسف بن يوسف بن يوسف بن سلامة بن إبراهيم بن الحسن بن إبراهيم بن موسى بن جعفر بن سليمان بن محمد الفأفاء الزينبي بن إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن المطلب الصدر، محيي الدين بن زبلاق العباسي الهاشمي الموصلي الكاتب الشاعر.
عاش سبعا وخمسين سنة، وتوفي في حدود الستين وست مائة. وكان مشهورا سائر القول، قتله التتار حين ملكوا الموصل رحمه الله تعالى. وروى عنه الدمياطي وغيره. قال بهاء الدين علي بن عيسى الإربلي في وصفه: الصاحب محيي الدين يضرب به المثل في العدالة، وله الرتبة العليا في الشرف والأصالة، فارس مبارز في حلبات الأدب وعالم مبرز في لغة العرب، بطبع أخذ لطافة الهواء ورقة الماء، كأنما ظهرت له أسرار القلوب فهو يتقرب إليها بكل محبوب، شعره أحسن من الروض جاءه الغمام، وأزهى من اللؤلؤ الرطب زانه النظام، وكلامه يشفي السقام، ويطفي الأوام وبديهته أسرع من مر الطرف، وأحلى من ثمار المنى دانية القطف، حسن العشرة، كريم النفس، جامع بين أدبها وأدب الدرس، انتهى.
قلت: ومن شعر ابن زبلاق:
أمحل صبوتنا تحية مغرم | يهدي السلام على العباد برغمه |
أثرى ثرى ذاك الجناب من الحياة الـ | ـغادي ومن لي لو ظفرت بلثمه |
فبشعب ذاك الحي مثل غزاله | في غنجه وهلاله في تمه |
دمعي ومبسمه لكل منهما | معنى غنيت بنثره عن نظمه |
والخصر منه والجفون وعهده | كل كسا جسمي النحول بسقمه |
متلون أصلى بحمرة خده | طورا وطورا أستريح بسلمه |
فيسيء بن ظلما ويحسن ثغره | لثما فيشفع ظلمه في ظلمه |
هل أنت يا وفد الصبي مخبري | مربع أحبابي متى روضا |
وهل أقام الحي من بعدنا | مخيما بالجزع أم قوضا |
وأنت يا بارق نجد إذا | أضاء جيرانا بذات الأضا |
فقل لهم ذاك الغريب الذي | أمرضمتوه بجفاكم قضى |
حاشا لذاك الوجد أن ينقضي | وعهدنا بالخيف أن ينقضا |
ويا شفاء النفس لو أنه | كان طبيب الداء من أمرضا |
أحبابنا منذ وداع اللوى | لم أر عيشا بعدكم يرتضى |
ولا رأت عيني مذ غبتم | يوما كأيامي بكم أبيضا |
يا نديمي بالرياض قفا | فهي لي مذهب |
وأديرا سلافة قرقفا | لونها مذهب |
خلت فيها الحباب حين طغا | أنجما تغرب |
حجبت بالبهاء والحسن | عن عيون البشر |
وبدت في الخفاء كالوهم | تجتنى بالفكر |
لا تخالف يا منيتي أمري | وادع لي بالرحيق |
ما ترى صحبتي من السكر | ليس فيهم مفيق |
نحن قوم من شيعة الخمر | ونحب العتيق |
قد رفضنا عنا به الحزن | بسماع الوتر |
وحمانا عن ناصب الهم | وعدك المنتظر |
صاح لا تستمع من اللاحي | واطرح ما يقول |
فمن الغبن أن تبت صاحي | من كؤوس الشمول |
فاكس راح النديم بالراح | واعصى قول العذول |
ما ترى العذل في الصبا يغني | عن سماع الوتر |
بنت خدر تشفي من السقم | فاقض منها وطر |
حث شمس الكؤوس يا بدري | فالندامى نجوم |
واسقينها كأنها تبر | من بنات الكروم |
ضحكت في ثغورها الزهر | ببكاء الغيوم |
وتغنت بأطيب اللحن | صادحات الشجر |
ناطقات بألسن عجم | طاب شرب السحر |
حثها بيننا رشأ وسنان | نلت منه الأمان |
ناعس الطرف نابل الأجفان | باسم عن جمان |
قد سكرنا من لحظه الفتان | قبل خمر الدنان |
رب خمر شربت من جفن | واجتنيت الزهر |
من خدود تحمى عن اللثم | بسيوف الحور |
لولا انتظار خيال منكم سار | لكان نومك يا جفني من العار |
وما تنبه عذالي على كمدي | إلا بما شاهدوا من دمعي الجاري |
الله جاز لأحبابي وإن نقضوا | عهدي ولم يحفظوا لي حرمة الجار |
ناموا خليين من وجدي وأرقني | شوق يطول به شجوي وتذكاري |
يا نار أسود قلبي | ونور أسود عيني |
وكن راحما لمح | أباحك الأسودين |
يا مانحي طول السقام ومانعي | بجفاه ورد رضابه المعسول |
ما صار وجهك للمحاسن جامعا | إلا وثغرك قبلة التقبيل |
بعثت لنا من سحر مقلتك الوسنى | سهادا يذود الجفن أن يألف الجفنا |
وأبرزت وجها أخجل الصبح طالعا | وملت بقد علم الهيف الغصنا |
حكيت أخاك البدر في حال تمه سنا | وسناء إذ تشابهتما سنا |
خذوا خبر الأشجان عن جفني السمح | فمجمل حالي فيه يغني عن الشرح |
وإن سفحت عيناي دمعي أحمرا | فلا عجب سيل العقيق من السفح |
أيجعله الواشي على الوجد شاهدا | وحمرته في الخد تؤذن بالجرح |
وبي رشأ تمت محاسن وجهه | فأشبه بدر التم في الأفق المصحي |
ترينا ضلالا طرة منه كالدجى | وترشد منه غرة كسنا الصبح |
دار فرانز شتاينر، فيسبادن، ألمانيا / دار إحياء التراث - بيروت-ط 1( 2000) , ج: 29- ص: 0