يوسف الناصر صاحب الشام يوسف بن محمد بن غازي بن يوسف بن أيوب بن شاذي بن مروان، السلطان الملك الناصر صلاح الدين ابن السلطان الملك العزيز ابن السلطان الملك الظاهر ابن السلطان الملك الناصر صلاح الدين الكبير، هو صاحب حلب ثم صاحب الشام. ولد بقلعة حلب في رمضان سنة سبع وعشرين وست مائة، وتوفي سنة تسع وخمسين وست مائة. تولى الملك عند موت والده العزيز سنة أربع وثلاثين وست مائة، وقام بتدبير دولته الأمير شمس الدين لؤلؤ الأميني، وعز الدين ابن المجلي، والوزير أكرم ابن القفطي، والطواشي جمال الدولة إقبال الخاتوني، والأمر كله لجديه الصاحبة صفية خاتون بنت العادل. ولما توجه القاضي بهاء الدين ابن شداد إلى الكامل بعدة العزيز، وكان قد مات وعمره أربع وعشرون سنة، فلما رآها الكامل حزن وحلف للناصر لأجل أخته، فلما توفيت سنة أربعين اشتد الناصر وأمر ونهى، فلما كان سنة ست وأربعين سار من جهته نائبه شمس الدين لؤلؤ وحاصر حمص وطلب النجدة من الصالح نجم الدين أيوب فلم ينجده وغضب، ثم جرت أمور واستمرت حمص في ملك الناصر، وفي شهر ربيع الآخر سنة ثمان وأربعين وست مائة قدم إلى دمشق وأخذها بلا كلفة، وفي أثناء السنة قصد الديار المصرية فما تم له ذلك، وفي سنة اثنتين وخمسين دخل على بنت السلطان علاء الدين فولدت له علاء الدين في سنة ثلاث، وأم هذه هي أخت الصاحبة. وكان الناصر، رحمه الله تعالى، سمحا جوادا حليما حسن الأخلاق، محببا إلى الرعية، فيه عدلا وصفح، ومحبة للفضلاء والأدباء، وكان سوق الشعر نافقة في أيامه؛ وكان يذبح في مطبخه كل يوم أربع مائة رأس غنم، سوى الدجاج والطيور والأجدية، وكان يبيع الغلمان من سماطه شيئا كثيرا عند باب القلعة بدمشق بأرخص ثمن من المآكل الفاخرة. حكى علاء الدين ابن نصر الله أن الناصر جاء إلى داره بغتة، قال: فمددت له شيئا كثيرا في الوقت، سماطا بالدجاج المحشي بالسكر والفستق وغيره. فقال: كيف تهيأ لك ذلك، فقلت: هو من نعمتك اشتريته من عند باب القلعة. وكانت نفقة مطابخه وما يتعلق بها في اليوم أكثر من عشرين ألف درهم. وكان يحاضر الأدباء والفضلاء وعلى ذهنه كثير من الشعر والأدب، وله نوادر وأجوبة ونظم وحسن ظن في الصالحين. وبنى بدمشق مدرسة جوا باب الفراديس، وبالجبل رباطا وتربة، وبنى الخان عند المدرسة الزنجيلية، وبلغه عن بعض المتفقرين من الأجناد أنه تسمح في حقه، فأحضره ليؤدبه، فلما رأى وجله رق له وأمر له بذهب وقال: ليرجع بهذا قلبك ثم نعتبك، فلما اطمأن صرفه آمنا ولم يؤاخذه. وكان تمر له الأيام الكثيرة يجلس فيها من أول النهار إلى نصف الليل يوقع على الأوراق ويصل الأرزاق؛ وقيل إنه خلع في أقل من سنة أكثر من عشرين ألف خلعة. وكان الفرنج قد ضمنوا له أخذ الديار المصرية على أن يسلم إليهم القدس مع بلاد أخز غيرها، ودار الأمر بين أن يعطي ذلك للمصريين أو للفرنج، فبذل ذلك للمصريين اتباعا لرضى الله تعالى، وقال: (والله لا لقيت الله وفي صحيفتي إخراج القدس عن المسلمين) ولما بعد عن خزائنه واحتاج إلى قرض رهن أملاكه وضرب أواني الفضة والذهب، وقيل له في أخذ الفائض من الأوقاف فما مد يده إلى شيء منها بدمشق ولا بحلب.
قال ابن العديم: حضر بعض المدرسين إلى المعسكر ورفع على يدي قصة بين يديه تضمن التضور من قلة معلومه ويذكر أن عياله وصلوا من مصر وأنه لا يطلب التثقيل على السلطان في مثل هذا الوقت الذي يعلم ما يحتاج فيه إلى الكلف بل يطلب زيادة في المدرسة التي هو بها، فقال: (كيف شرط الواقف؟) فقلت: (شرط ما يتناوله الآن، لكن ذكر أن في كتاب الوقف ما يدل على أن للسلطان أن يزيده إذا رأى في ذلك مصلحة). فأطرف كما هي عادته إذا لم ير قضاء ما طلب ولم يرد في ذلك جوابا ولم يهن عليه رده خائبا وتورع عن مخالفة الواقف، فقرر له ما طلبه على ديوانه دون الوقف.
وقيل له عن جلال الملوك وقد مر على مكانه في الجبل: (ما رأي مولانا السلطان منه؟) فقال: (رأيت شيخا أشقر على جبل أحمر يأكل حشيشا أخضر ويتكلم بالمنكر).
وكان عنده في ليلة جماعة من الأدباء فذكروا قول عمر بن أبي ربيعة المخزومي:
تشكى الكميت الجري لما جهدته | وبين لو يستطيع أن يتكلما |
أمولاي رسمي قد تقادم عهده | ومن يدك العليا تجدد عهده |
ولها من نفسها طرب | فلهذا يرقص الحبب |
ابن اللهيب أتانا | بكل معنى غريب |
وليس ذا بعجيب | شرارة من لهيب |
البدر يجنح للغروب ومهجتي | لفراق مشبهه أسى تتقطع |
والشرب قد خلط النعاس جفونهم | والصبح من جلبابه يتطلع |
اليوم يوم الأربعا | فيه نطيب المرتعا |
يا صاحبي أما ترى | شمل المنى قد جمعا |
وقد حوى مجلسنا | جل السرور أجمعا |
فقم بنا نشربها | ثلاثة وأربعا |
من كف ساق وأهيف | شبيه بدر طلعا |
في خده وثغره | ورد ودر صنعا |
يسطو ويرنو تارة | كالليث والظبي معا |
ونبئت أن السيف فل غراره | وقد كنت أرجوه لنائبة الدهر |
فعاندني فيه الزمان وريبه | وجاءت صروف الدهر من حيث لا أدري |
قتل مثلي يا صاح شرب المدام | ليس قتلي بلهذم وحسام |
يا برق أنش من الغمام سحابة | وطفاء هامية على بطياس |
وأدم على تلك الربوع وأهلها | غيثا يرويها مع الأنفاس |
وعلى ليال بالصفاء قطعتها | مع كل غانية وظبي كناس |
فلتلك أوطاني ومعهد أسرتي | ومقر أحبابي ومجمع ناسي |
ليس الفؤاد وإن تناءت ساليا | عنها ولا لعهودها بالناسي |
سقى حلب الشهباء في كل مزنة | سحابة غيث نوءها ليس يقلع |
فتلك دياري لا العقيق ولا الغضا | وتلك ربوعي لا زرود ولعلع |
لقد حرت في هذا القريض وحسنه | فمن حيرتي لم أدر كيف أقول |
أسحر عيون العين أم خمر بابل | أم الدر أم روض زهته قبول |
بخط كما خط العذار منمنما | له في سنا الخد الأسيل مسيل |
وفى لك السعي بالسعد الذي وفدا | وأنجز الدهر من علياك ما وعدا |
سدت الملوك فما كانت مواهب ما | أسدى إليك أمير المؤمنين سدى |
هو الإمام الذي هاد الأنام له | وهدر ركن الأعادي بأسه فهدى |
ناهيك من خده استسقوا بغرته | عن السحاب فرد السهل والجلدا |
فأطلق السحب في الدنيا وقد حبست | فراح وابلها منفجرا وبدا |
وقد أقر بما أولوه من منن | لذاك مهما أخافوا صوبه رعدا |
فمن يفاخرهم أو من يساجلهم | يوما وجدهم أولى الغمام يدا |
أعيى شعار بني العباس واصفه | فلا لسان يكافيهم ولا جهدا |
قد أسبغوا من عطايا سبيهم حللا | عليمك موشية فارفل بها جددا |
قدت على قدر ملك ماجد وغدت | طرائق الوشي في أثنائها قددا |
طلعت بدرا بداجي ليلها وبدت | كواكب الذهب القاني بها بددا |
وقلدوك حساما ماضيا فرأوا | بدرا بذيل تمام للعيون بدا |
ماض يريك شعاع الشمس منعكسا | والماء في نهره المنساب مطردا |
وجاءك الطرف مجنونا ولا عجب | لسابح مسرعا وافى لبحر ندى |
وسنجق سائر تهفو ذوائبه | وسط السماء كنجم الرجم متقدا |
لو لم يكن علما للرفع عامله | ما أكدته لنا أيدي العلا أبدا |
فارفع لواه فما وافاك عامله | إلا لفتح أقاليم وكسر عدا |
مرنح العطف لدن القد معتدل | لا زيغ في متنه يلقى ولا أودا |
سار من النقع في ظلماء داجية | يستصحب النصر داء والعجاج ردا |
بشرى تهللت الأنواء من طرب | وصفق الطير في أغصانه وشدا |
فاليوم مبتهج والشمس سافرة | أصيلها فرحا قد خلق البلدا |
مواهب عمت الدنيا بأنعمها | من الإله وإن خصتك منفردا |
وهكذا الحكم في العضو الرئيس إذا | خصته هبة نفع عمت الجسدا |
وسوف تحظى بضعفي ما حبيت به | وإنما أول السيل الأتي ندى |
قاسوا عطاياك بالبحر الخضم فما | ألفوه إلا أجاجا عندها ثمدا |
لو كنت أحصي أياديها وأحصرها، | والبحر عندي مداد، ما وفى مددا |
لك المواقف في الهيجاء قمت بها | مجاهدا في سبيل الله مجتهدا |
فراشدا كنت للعليا ومقتدرا | على الأعادي وبالرحمن معتضدا |
حتى هدمت منار الشرك حين علا | من بعد ما شب في الآفاق واتقدا |
خبا سناه ولولا أن يفيض على | لظاه ماء الحسام العضب ما حمدا |
فاعمد لمجدك شيده فإن له | من السيوف أساسا والقنا عمدا |
واسلم لراجي نداك الجم في دعة | ماحث حادي هيس عيسه وحدا |
مؤمل الرفد في ليلي سرى وقرى | ونافذ الأمر في يومي ندى وردا |
ولا برحت لمرتاد الندى علما | يزين بيت قصيد أو لمن قصدا |
دار فرانز شتاينر، فيسبادن، ألمانيا / دار إحياء التراث - بيروت-ط 1( 2000) , ج: 29- ص: 0