التصنيفات

يوسف ابن عم الحجاج يوسف بن عمر بن محمد بن الحكم بن أبي عقيل بن مسعود الثقفي هو ابن عم الحجاج بن يوسف الثقفي، يجتمعان في الحكم بن أبي عقيل. ولاه هشام بن عبد الملك اليمن لثلاث بقين من شهر رمضان سنة ست ومائة، ولم يزل بها إلى أن ولاه العراق فاستخلف على اليمن ابنه الصلت بن يوسف، وذلك سنة إحدى وعشرين ومائة، فبقي إلى سنة أربع وعشرين. وكتب إليه هشام: سر إلى العراق فقد وليتك إياه، وإياك أن يعلم بك أحد، واشفني في خالد القسري وعماله، فوصل إليها؛ وحل بخالد وأصحابه أنواع العذاب والهون، ومات منهم في العذاب جماعة. وكان يوسف بن عمر قد خرج إلى الكوفة في سبعة عشر يوما في ثلاثين من أصحابه، فلما وصل الكوفة عرس قريبا منها، وصار إلى دور بني ثقيف فأمر بعضهم فجمع له من قدر عليهم منهم، فدخل المسجد الفجر، فأمر المؤذن بالإقامة، فقال: حتى يأتي الإمام، فانتهره، فأقام وتقدم يوسف فصلى وقرأ {إذا وقعت الواقعة} و{سأل سائل} ثم أنه أرسل إلى خالد، وطارق نائبه، وأصحابه فأخذوا، وإن القدور لتغلي. وحبس يوسف خالدا فصالحه أبان بن الوليد عنه وعن أصحابه على تسعة آلاف ألف درهم، ثم ندم يوسف، فقيل له: لو لم تقبل منه هذا لأخذت منه مائة ألف ألف درهم، فقال ما كنت لأرجع عن شيء رهنت به لساني، ولما بلغ ذلك خالدا قال لأصحابه: أسأتم حين أعطيتموه هذا المال في أول دفعة فارجعوا إليه فقولوا: إنا أخبرنا خالدا بما فارقناك عليه، فذكر أنه ليس عنده. فقال: أنتم وصاحبكم أعلم، فأما أنا فلا أرجع عليكم وإن رجعتم لم أمنعكم. قالوا: فإنا قد رجعنا، قال: فوالله لا أرضى بتسعة آلاف، ولا بمثلها ومثلها، فذكر ثلاثين ألف ألف درهم، ويقال: مائة ألف ألف درهم. ثم إنه حبس خالدا وضرب يزيد بن خالد ثلاثين سوطا، فكتب هشام إلى يوسف: أعطي الله عهدا لئن شاكت خالدا شوكة لأضربن عنقك، فخلى سبيله بثقله وعياله، فأتى الشام وأقام به ولم يزل يغزو الصوائف حتى مات هشام. وقيل: إنه سأل هشاما أن يبسط العذاب على خالد فلم يأذن له، وألح عليه بالرسائل واعتل بانكسار الخراج لما صار إليه وإلى عماله منه، فأذن له مرة واحدة، وبعث حرسيا يشهد ذلك، وحلف لئن أتى على خالد أجله ليقتلنه به، فدعا به يوسف وجلس على دكان بالحيرة وجهز للناس وبسط عليه العذاب، فلم يكلمه خالد حتى شتمه يوسف وقال له: يا ابن النصرانية، يا ابن الكاهن، يعني شقا أحد أجداده، وهو الكاهن المشهور، فقال له خالد: إنك الأحمق، تعيرني بشرفي، لكنك ابن السباء، إنما كان أبوك يسبأ الخمر -يعني يبيع الخمر- ثم إنه رد خالدا إلى محبسه فأقام ثمانية عشر شهرا، ثم إن هشاما كتب إليه بإطلاقه وأقام بأرض القرية، من أرض الرصافة ولم يأذن له هشام في القدوم عليه.
وخرج زيد بن زين العابدين على يوسف بن عمر، فكتب يوسف إلى هشام: إن أهل هذا البيت من بني هاشم قد كانوا هلكوا جوعا، حتى كانت همة أحدهم إلى قوت يومه، فلما ولي خالد العراق قواهم بالأموال حتى تاقت نفوسهم إلى طلب الخلافة، وما خرج زيد إلا بإذن من خالد، وما مقامه بالقرية إلا لأنها مدرجة الطريق، فهو يسأل عن أخباره، فقال هشام للرسول: كذبت وكذب صاحبك، ومهما اتهمنا به خالدا فإنا لا نتهمه في الطاعة، وأمر بالرسول فوجئت عنقه، وبلغ الخبر خالدا فصار إلى دمشق.
وبقي يوسف على ولاية العراق مدة ولاية هشام فلما تولى ابن أخيه الوليد بن يزيد بن عبد الملك، فأقر يوسف على ولاية العراق، وكان قد عزم على عزله، وكانت أم الوليد بن يزيد، أم الحجاج بنت محمد بن يوسف أخي الحجاج بن يوسف، فالحجاج عمها. وكتب الوليد إلى يوسف بن عمر: إنك كتبت إلي تذكر أن خالدا أخرب العراق، وكنت مع ذلك تحمل إلى هشام ما تحمل، وينبغي أن تكون قد عمرت العراق، فاشخص إلينا وصدق ظننا بك فيما تحمله إلينا من عمارة العراق، فإنك خالنا وأحق الناس بالتوفير علينا. فخرج يوسف بن عمر إليه وحمل معه من الأموال والآنية والأمتعة ما لم يحمل مثله، فأقبل إليه والتزم بأنه إن يسلم إليه خالدا القسري أن يحمل خمسين ألف ألف درهم، فسلمه إليه فحمله معه وعذبه إلى أن قتله.
ولما تولى يزيد بن الوليد بن عبد الملك، ولى العراق عبد العزيز بن هارون بن عبد الملك بن دحية بن خليفة الكلبي، فأبى الولاية، فولاها منصور بن جمهور، وبلغ الخبر يوسف بن عمر فهرب وسلك طريق السماوة، وكان أهله بالبلقاء فاختفى عندهم ولبس زي النساء، وبلغ الخبر يزيد بن الوليد، فأرسل إليه من أحضره على هيئته، فحبسه يزيد فأقام في السجن مدة يزيد بن الوليد، فلما مات يزيد وولي أخوه إبراهيم بن الوليد بقي يوسف بن عمر مدة ولاية إبراهيم في السجن، وتولى مروان آخر ملوك بني أمية. وكان يزيد بن خالد القسري مع إبراهيم بن الوليد، فلما خافوا من مراون عند التقاء عسكريهما، خافوا غائلة الحكم وعثمان بن الوليد، وهما في السجن، فجهزوا يزيد لقتلهما، فتوجه إليهما وقتلهما، وكان يوسف بن عمر عندهما فقتله يزيد بن خالد القسري، وذلك سنة سبع وعشرين ومائة. وقيل إنه قتل في العشر الأوسط من ذي الحجة سنة ست وعشرين ومائة، وأخذوا رأس يوسف عن جسده وشدوا في رجله حبلا، وكان الصبيان يجرونه في شوارع دمشق فتمر به المرأة فتحسبه صغيرا فتقول: لأي شيء قتلوا هذا الصغير المسكين، لما ترى من صغر جثته. وكان يوسف بن عمر قصيرا جدا ولحيته طويلة جدا تجوز سرته وكان أتيه الناس وأحمقهم، ومن حمقه أن حجاما أراد أن يحجمه فارتعدت يده فقال لحاجبه: قل لهذا البائس لا يخف، وما رضي أن يكلمه بنفسه. وكان الخياط إذا أراد أن يفصل ثيابه، إن قال: يحتاج إلى زيادة ثوب آخر أكرمه وحباه، وإن فضل من القماش شيئا أهانه وأقصاه، لأنه يكون قد نبه على قصره ودمامته. وفي الأمثال: أتيه من أحمق ثقيف، المراد به يوسف بن عمر.
وقال بعضهم: رأيت يوسف بن عمر وفي مذاكيره حبل وهو يجر بدمشق، ثم رأيت بعد ذلك يزيد بن خالد القسري، قاتله، وفي مذاكيره حبل وهو يجر في ذلك الموضع.
وكان يوسف يطعم الناس في كل يوم على خمسة آلاف خوان، كل خوان عليه عشرة أنفس، وكان الحجاج يطعم أهل الشام خاصة على ألف خوان، فأطعم يوسف بن عمر أهل الشام وأهل العراق.

  • دار فرانز شتاينر، فيسبادن، ألمانيا / دار إحياء التراث - بيروت-ط 1( 2000) , ج: 29- ص: 0