التصنيفات

يوسف أمير المسلمين صاحب المغرب يوسف بن عبد المؤمن بن علي السلطان أمير المسلمين صاحب المغرب أبو يعقوب، كان أصغر إخوته سنا ولكن قدمته النجابة والسعادة؛ وكان ولي عهد عبد المؤمن ولده محمد الأكبر، لكن اجتمع بنو عبد المؤمن بعد موت أبيهم فمال ولده علي إلى الوفاء بعهد محمد ومال أبو حفص عمر إلى مبايعة يوسف وقال: إن محمدا ضعيف لا يقوم بالأمر، فتشاجرا حتى آل الأمر إلى أن تضاربا، فضرب أبو حفص أخاه عليا في حلقه بمقص كان في يده وصاح بغلمانه وعبيده وكان قد أعدهم لذلك فقتلوا عليا في المجلس، وكتم موت عبد المؤمن وسلم محمد الأمر إلى يوسف وقال: إنما أريد الخلافة لأصون بها روحي فإذا كان فيها تلاف الأرواح فلا حاجة لي بها، وأقبل على خلواته. وانفرد يوسف بتدبير الأمور، واعتدت الأيام فأظهر خلافته وموت أبيه وخطب لنفسه وتحبب إلى الناس بحسن السيرة. وجاءت سنة ذات وباء فمات فيها محمد ولي عهد عبد المؤمن وأخوه أبو حفص قاتل علي، ومات عثمان أخوهم أيضا.
وكان جليل القدر مخوف الجانب، وكان عبد الله بن عبد المؤمن صاحب الغرب الأوسط عظيما وبيده الجيوش والأموال فتوصل إلى أن أهدى إلى عبد الله جارية ذات جمال ومعها خرقة مسمومة، فسمته بها عند الفراغ من الجماع، فمات عبد الله واستبد يوسف بالأمر وأمن المنازع. وعبر إلى الأندلس بنفسه في مائة ألف فارس فأحس ابن مرخيش الغلبة فاشتد مرضه ومات. ووالى يوسف مواقعة الكفار وحصر مدنهم، وفتح معاقلهم واستولى على جملة منها. وسار إلى أقصى إفريقية وفتح قفصة -وهذا المقدار مسيرة ثلاثة أشهر- ثم عاد إلى الأندلس غازيا وقصد شنترين فحصرها شهرا، فأصابه بها مرض قضى عليه، ومات رحمه الله تعالى في شهر ربيع الأول سنة ثمانين وخمس مائة. وكانت مدته اثنتين وعشرين سنة وأشهرا. وكان حسن الصورة لطيف الأخلاق، غير أنه أفرط في محاسبة العمال وقبض يده، وكان يقال عنه إنه جماع مناع، وكان بليغا شاعرا فمن كلامه قوله لبعض حاشيته: إن جربناك فوجدناك كالذهب الإبريز ما أحرق بالنار زاد طيبا، فوالله لأملئن عينك قرة، وقلبك مسرة. ولما ثارت عليه قبائل غماره أمر أحد كتابه أن يكتب لهم بالترغيب والترهيب، فلما كتب الكاتب الكتاب زاد فيه يوسف بخطه: أنتم أيها الفرقة الناشزون بين أمرين: إما أن تكونوا عند الموحدين بمنزلة الضيوف، وإما أن تستمروا على غيكم وما زرعه فيكم شياطينكم فتحصدهم السيوف.
وقد وصفه الشقندي في كتاب (ظرف الظرفاء)، بالشعر والأدب وعلم المنطق، وأنشد له هذه الأبيات وهي التي قالها في مخاطبة أولاد ابن مردنيش لما كتبوا إليه يعلمونه بموت أبيهم ويظهرون الطاعة له والانقياد ويرغبون في الوصول إليه وتقبيل يديه:

وقد وجدت أنا له في بعض تعاليقي:
قلت: شعر جيد في الذروة.

  • دار فرانز شتاينر، فيسبادن، ألمانيا / دار إحياء التراث - بيروت-ط 1( 2000) , ج: 29- ص: 0