التصنيفات

يوسف المزي الحافظ يوسف بن الزكي عبد الرحمن بن يوسف بن علي بن عبد الملك بن أبي الزهر، الشيخ الإمام العلامة حافظ العصر ومحدث الشام ومصر، جمال الدين أبو الحجاج القضاعي الكلبي المزي، الحلبي المولد. خاتمة الحفاظ، ناقد الأسانيد والألفاظ، مولده بظاهر حلب في عاشر شهر ربيع الآخر سنة أربع وخمسين وست مائة، وطلب الحديث في أول سنة خمس وسبعين، وهلم جرا، وإلى آخر وقت لا يفتر ولا يقصر عن الطلب والاجتهاد والرواية. توفي في ثاني عشر صفر سنة اثنتين وأربعين وسبع مائة، ودفن بمقابر الصوفية من الغد.
سمع من أصحاب ابن طبرزد والكندي وابن الحرستاني وحنبل ثم ابن ملاعب، والرهاوي، وابن البنا، ثم ابن أبي لقمة، وابن البن، وابن مكرم، والقزويني، ثم ابن اللتي، وابن صباح، وابن الزبيدي وأعلاما. سمع بإجازة عن ابن كليب وابن بوش والجمال وخليل بن بدر والأبوصيري وأمثالهم، ثم المؤيد الطوسي، وزاهر الثقفي، وعبد المعز الهروي. وسمع الكتب الأمهات المسندة، و(الكتب الستة)، و(المعجم الكبير)، و(تاريخ الخطيب)، و(النسب للزبير)، و(السيرة)، و(الموطأ) من طرق، و(الزهد)، و(المسخرج على مسلم)، و(الحلية)، و(السنن) للبيهقي، و(دلائل النبوة)، وأشياء يطول ذكرها، ومن الأجزاء ألوفا، ومشيخته نحو الألف. سمع أبا العباس ابن سلامة، وابن أبي عمر، وابن علان والشيخ محيي الدين النووي، والزواوي، والكمال عبد الرحيم، والعز الحراني، وابن الدرجي، والقاسم الإربلي، وابن الصابوني، والرشيد العامري، ومحمد ابن القواس، والفخر ابن البخاري، وزينب، وابن شيبان، ومحمد بن محمد بن مناقب، وإسماعيل بن العسقلاني، والمجد ابن الخليلي، والعماد بن الشيرازي والمحيي بن عصرون، وأبا بكر ابن الأنماطي، والصفي خليلا، غازيا الحلاوي، والقطب ابن القسطلاني وطبقتهم، والدمياطي شرف الدين، والفاروثي، واليونيني، وابن بلبان، والشريشي، وابن دقيق العيد، والظاهري، والتقي الأسعردي وطبقتهم، وتنازل إلى طبقة سعد الدين الحارثي، وابن نفيس، وابن تيمية، ولم يتهيأ له السماع من ابن عبد الدائم، ولا الكرماني، ولا ابن أبي السر ونحوهم، ولا أجازوا له مع الإمكان أن تكون له إجازة المرسي، والمنذري، وخطيب مردا، واليلداني وتلك الحلبة.
وحفظ القرآن وعني باللغة فبرع فيها ولم أر فيها مثله ومثل الشيخ أثير الدين، وأتقن النحو والتصريف. ولما ولي دار الحديث الأشرفية تمذهب للشافعي وأشهد عليه بذلك. وذلك في ثالث عشرين ذي الحجة سنة ثماني عشرة وسبع مائة وفي هذا النهار ذكر الدرس بالأشرفية. وكان فيه حياء وسكينة وحلم واحتمال وقناعة وإطراح تكلف وترك التجمل والتودد والانجماع عن الناس وقلة كلام إلا أن يسأل فيجيب ويجيد، وكلما طالت مجالسة الطالب له ظهر له فضله، لا يتكثر بفضائله، كثير السكوت لا يغتاب أحدا؛ قرأت عليه (خطب ابن نباتة)، و(أربعين النواوي) وغير ذلك، وسمعت عليه كثيرا، وسمع شيئا من شعري بدار الحديث. وكان معتدل القامة مشربا بحمرة، قوي التركيب، متع بحواسه وذهنه، وكان قنوعا غير متأنق في ملبس أو مأكل أو مركب أو نعل، يصعد إلى الصالحية وغيرها ماشيا وهو في عشر التسعين، وكان ريض الأخلاق، يستحم بالماء البارد في الشيخوخة، إلا أنه كان قد امتحن بالمطالب وتتبعها فيثر به من الشياطين فيأكلون ما معه ولا يزال في فقر لأجل ذلك.
وأما معرفة الرجال فإليه تشد الرحال، فإنه كان الغاية وحامل الراية، لما ولي دار الحديث قال الشيخ تقي الدين بن تيمية: لم يل هذه المدرسة من حين بنائها وإلى الآن أحق بشرط الواقف منه، وقد وليها جماعة كبار مثل ابن الصلاح، ومحيي الدين، وابن الزبيدي لأن الواقف قال: (فإن اجتمع من فيه الرواية ومن فيه الدراية قدم من فيه الرواية). ولقد سمعنا (صحيح مسلم) على البندنيجي وهو حاضر، رحمه الله، وابن طغريل يقرأ وعدة نسخ صحيحة يقابل بها، فيرد الشيخ جمال الدين عليه اللفظ، فيقول ابن طغريل: (ما في النسخة إلا كما قرأت)، فيقول من في يده بعض تلك النسخ الصحيحة: (هو عندي كما قال الشيخ، أو هو مظفر عليه أو مضبب، أو في الحاشية تصحيح ذلك)، ولما كثر ذلك قلت له: (ما النسخة الصحيحة إلا أنت). قال الشيخ شمس الدين: لم أر أحفظ منه، ولا رأى هو مثل رأي نفسه، وقال: لم أر أحفظ من الدمياطي. قال الشيخ شمس الدين: لم يسألني ابن دقيق العيد إلا عنه، وكان قد اغتر في شبيبته وصحب عفيف الدين التلمساني فلما تبين له ضلاله هجره وتبرأ منه، قال الشيخ شمس الدين: وكان يترخص في الأداء من غير أصول ويصلح كثيرا من حفظه ويتسامح في دمج القارئين ولغط السامعين ويتوسع فكأنه يرى أن العمدة على إجازة المسمع للجماعة وله في ذلك مذاهب عجيبة، وكان يتمثل بقول ابن منده: (يكفيك من الحديث شمه). صنف كتاب (تهذيب الكمال) في أربعة عشر مجلدا كشف به الكتب المتقدمة في هذا الشأن، وسارت به الركبان واشتهر في حياته، وألف (كتاب الأطراف للكتب الستة) في ستة أسفار وخرج لجماعة. قال الشيخ شمس الدين: ولا علمته خرج لنفسه لا عوالي ولا موافقات ولا معجما، وكل وقت ألومه في ذلك فيسكت. وقد حدث ب (تهذيبه) الذي اختصره الشيخ شمس الدين خمس مرات، وحدث ب (الصحيحين) مرات، وب (المسند)، وب (معجم الطبراني)، وب (دلائل النبوة)، وبكتب جمة، وحدث بسائر أجزائه العالية وبكثير من النازلة، ومع إتقانه لأسماء الرجال، وله فيها هذا التصنيف العظيم، لم يكن يعتني بتراجم العلماء من الخلفاء والملوك والأمراء والوزراء والقضاة والعلماء والقراء والأطباء والشعراء، ولا له فيها مشاركة البتة، وإنما كان يعتني برجال الحديث لا غير، ولقد سألته عن القالي -بالقاف -والفالي -بالفاء - فقال لا أعرف إلا الفالي - بالفاء - فعلمت أنه ليس له عناية بغير الرواة للحديث، وإلا فأبو على القالي - بالقاف - مشهور بين الأدباء معروف لا يكاد يجهله أحد من صغار الأدباء. ولكن عندي منه فوائد وقواعد في أسماء رجال الحديث لم أجدها ولم آخذها عن غيره. وكان أسماء الرواة الذين يجيئون في سماعاته وطرقه يجيد الكلام في طبقاتهم وأحوالهم وقوتهم ولينهم، وهذا بحر لا يشق ثبجه وغبار لا انحطاط لقتامه. ولم أر بعد الشيخ فتح الذي من يحكم بدقيق الأجزاء وترميمها مثل الشيخ جمال الدين، رحمه الله، ولم يستعر مني شيئا وأعاده إلا وقد نبه فيه على نكتة كنت محتاجا إليها، حتى في إجازة الشيخ فتح الدين لي. وقد حج وسمع بالحرمين والقدس ودمشق ومصر وحلب وحماه وحمص وبعلبك والإسكندرية وبلبيس وقطيا وغير ذلك. وأوذي مرة واختفى مدة من أجل سماعه (لتاريخ) الخطيب، وأوذي مرة أخرى لقراءة شيء من كتاب (أفعال العباد) مما يتأوله الفضلاء المخالفون وحبس. ولما توفي ابن أبي الفتح حصل له من جهاته حلقة الحضر الحديث بالناصرية فأضاء حاله واتسع رزقه ثم ولي دار الحديث الأشرفية سنة ثماني عشرة وسبع مائة بعد ابن الشريشي، ثم فيما بعد ترك الحلقة وأخذت منه الناصرية ثم نزل عن العزية لصاحبه نجم الدين. قال الشيخ شمس الدين: وأعلى ما عنده مطلقا (الغيلانيات)، و(جزء ابن عرفة)، و(ابن الفرات) بإجازة، سمع منه شمس الدين سنة أربع وسبعين وأخذ عنه (صحيح البخاري) وغيره، واستملى منه قاضي القضاة تقي الدين أبو الحسن علي السبكي، وقاضي القضاة عز الدين ابن جماعة، والشيخ فتج الدين ابن سيد الناس، ومحب الدين وأولاده، وشمس الدين السروجي، وابن الدمياطي وابن عبد الهادي، وابنا السفاقسي، وتقي الدين ابن رافع، وسبط التنسي وخلائق. وتخرج به جماعة كالبرزالي والعلائي وابن كثير وابن عبد الهادي وابن العطار وابن الفخر وابن الجعبري وغيرهم. قال شمس الدين: قرأت بخط أبي الفتح الحافظ، قال: (ووجدت بدمشق الإمام المقدم والحافظ الذي فاق من تأخر من أقرانه وتقدم، أبا الحجاج المزي، بحر هذا العلم الزاخر، القائل من رآه كم ترك الأوائل للأواخر، أحفظ الناس للتراجم وأعلمهم بالرواة من أعارب وأعاجم، لا يخص بمعرفته مصرا دون مصر، ولا ينفرد علمه بأهل عصر دون عصر، معتمدا آثار السلف الصالح، مجتهدا فيما نيط به في حفظ السنة من النصائح، معرضا عن الدنيا وأشباهها مقبلا على طريقته التي أربى بها على أربابها، لا يبالي بما ناله من الأزل، ولا يخلط جده بشيء من الهزل، وكان بما يصنعه بصيرا وبتحقيق ما يأتيه جديرا، وهو في اللغة إمام، وله بالقريض إلمام، وكنت أحرص على فوائده لأحرز منها ما أحرز وأستفيد من حديثه الذي إن طال لم يملل وإن أوجز وددت أنه لم يوجز، وهو الذي حداني على رؤية الإمام شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية)، وسرد أبو الفتح فصلا في تقريظ ابن تيمية.

  • دار فرانز شتاينر، فيسبادن، ألمانيا / دار إحياء التراث - بيروت-ط 1( 2000) , ج: 29- ص: 0