يوسف جمال الدين الصوفي يوسف بن سليمان بن أبي الحسن بن إبراهيم الفقيه الأديب الشاعر الخطيب الصوفي الشافعي جمال الدين. سألته عن مولده فقال لي: سنة ثلاث وتسعين وست مائة بنابلس. نشأ بدمشق وقرأ بها الأدب على الشيخ تاج الدين اليمني، والنحو على الشيخ نجم الدين القحفازي وغيره، وقرأ الفقه على؛ وحج سنة ثلاث وعشرين وسبع مائة، ثم حج في سنة سبع وأربعين وسبع مائة عقيب موت ولده سليمان، فإنه حصل له وجد عظيم، وألم كثير على فقده فما رأى لنفسه دواء غير الحج.
وهو شاعر مجيد في المقاطيع، يجيد نظمها ومعناها، وله بديهة مطاوعة وارتجال متسرع، لذيذ المفاكهة، جميل الود، حسن الملقى، وهو الآن خطيب البدرية التي في مقرى، كان القاضي شهاب الدين ابن فضل الله قد جدد رسوم هذا المكان وعمره في أيام الأمير علاء الدين الطنبغا، وقرر به خطبة وجعله خطيبه، وأول يوم خطب فيه كان يوما مشهودا، اجتمع له القضاة والعلماء ووجوه الناس والأعيان، وعمل القاضي شهاب الدين في ذلك النهار طعاما كثيرا للناس، وخلع فيه الخلع السنية، وخطب الشيخ جمال الدين المذكور خطبة جيدة فصيحة الألفاظ، بديعة المعاني، وهو الآن يخطب من إنشائه، ولم يزل إلى أن توفي رحمه الله تعالى في ثامن عشر ربيع الآخر سنة خمسين بالطاعون، انقطع له يومين لا غير.
أنشدني من لفظه لنفسه في فرس أدهم:
وأدهم اللون فات البرق وانتظره | فغارت الريح حتى غيبت أثره |
فواضع رجله حيث انتهت يده | وواضع يده أنى رمى بصره |
سهم تراه يحاكي السهم منطلقا | وما له غرض مستوقف خبره |
يعفر الوحش في البيداء فارسه | وينثني وادعا لم يستثر عبره |
إذا توقل قطب الدين صهوته | أبصرت ليلا بهيما حاملا قمره |
قد مضت ليلة الوصال بحال | قصرت عن محصل الأزمان |
أخبرتنا أن الزمان جميعا | قد تقضى في ليلة الهجران |
يعيبون من أهوى بكسرة جفنه | وعندي بهذا العيب قد تم حسنه |
فقلت وما قصدي سوى سيف لحظه | إذا دام فتك السيف يكسر جفنه |
ودولاب يحن بجس عود | على وتر يساس بغير جس |
فلما أن بدت منه نجوم | حكى فلكا يدور بسعد شمس |
سقيا لمرآة الحبيب فإنها | أمست لطلعته البهية مطلعا |
واستقبلت قمر السماء بوجهها | فأرتني القمرين في وقت معا |
ونوار خشخاش بكرنا نزوره | وقد دهش الرائي بحسن صفوفه |
تغنى به الشحرور من فرط شجوه | فنقط بالياقوت ملء دفوفه |
كأن السحاب الجون لما تجمعت | وقد فرقت عنا الهموم بجمعها |
نياق، ووجه الأرض قعب، وثلجها | حليب ومر الريح حالب ضرعها |
كأن ضوء البدر لما بدا | ونوره بين غضون الغصون |
وجه حبيب زار عشاقه | فاعترضت من دونه الكاشحون |
نظرت في الشهب وقد أحدقت | بالدر منها في الدياجي عيون |
والروض يستجلي سنا نوره | فتحسد الأرض عليه الغصون |
وكلما صانته أوراقها | نازعها الريح فلاح المصون |
فقلت حتى البدر لم يخله | ريب الليالي في السما من عيون |
كأنما الأغصان لما انثنت | أمام بدر التم في غيهبه |
بنت مليك خلف شباكها | تفرجت منه على موكبه |
وكأنما الأغصان تثنيها الصبا | والبدر من خلل يلوح ويحجب |
حسناء قد عامت وأرخت شعرها | في لجة والموج فيه يلعب |
كأنما الأغصان في دوحها | يلوح لي منها سنا البدر |
ترس من التبر غدا لامعا | يقيسه أسود بالشبر |
أيا من فاق في الآداب حتى | أقر بفضله الجم الغفير |
وأحرز في النهى قصبات سبق | فدون محله الفلك الأثير |
وأطلع في سماء النظم زهرا | يلوح فمن زهير أوجرير |
قطعت أولي النهى والفضل بحثا | فما لك في مناظرة نظير |
إذا أغربت في الإعراب وجها | فكم ثلجت بما تبدي صدور |
إن قيل المعمى والمورى | فذهنك ناقد فيه بصير |
وها أنا قد دعوتك للتحاجي | لأنك في الحجى طب خبير |
فما ساع يرى في غير أرض | ولا هو في السما مما يطير |
تراه مرددا ما بين طرد | وعكس قصرت عنه الطيور |
ويلطم كلما وافى مداه | ويسحب وهو مغلول أسير |
وتنزع كل آونة حشاه | ويلقى وهو للبلوى صبور |
ويرشف بعد ذلك منه ثغر | ولا عذب هناك ولا نمير |
إذا ما سار أثر في خطاه | طرائق دونها الروض النضير |
يجر إذا سعى ذنبا طويلا | ويفتر حين يعلوه قصور |
ويسمع منه عند الجري صوت | له في صدره منه خرير |
قليل المكث كم قد بات تطوى | له من شقة لما يسير |
ويفترش الحرير ويرتديه | غطاء وهو مع هذا فقير |
وتظهر في جوانبه نجوم | وفي أحشائه فلك يدور |
فأوضح ما ذكرت فليس خاف | على مجموع فضلك ما أشير |
ودم في نعمة وسعود جد | وعز ما سقى روضا غدير |
أوجهك لاح أم قمر منير | وذكرك فاح أم نفح العبير |
طلعت طلوع شمس الصحو صبحا | على فرس حكى فلكا يسير |
ويا لله روضا ضمن طرس | زهير في جوانبه جرير |
رميت به إلي فقلت هذا | شعاع الشمس مأخذه عسير |
أراني زمرة الوضاح حسنا | ينبهني على أني حقير |
وأني ملحق بأقل صنف | إذا ما حقق الجم الغفير |
فمذ صحفته فكري ملول | ومذ نشرته باعي قصير |
هو المأسور بالمأسور لكن | له في أسره مرح كثير |
نشيط أيد ويقاد طوعا | بخيط متنه واه طرير |
يراع لأن مهجته يراع | له في الجوف من خوف صفير |
يحور إلى يمين من شمال | وما يعبى بذا لكن يحور |
غدا يسعى بأربعة سراع | وليس لمشيه بهم نظير |
يخالف بين رجليه فيجري | وترفعه يداه فيستطير |
له نول يسير لكل حي | وميت منه إحسان كثير |
إذا أسدى إليه الخير مسد | جزاه عليه وهو بذا قدير |
كذاك صفاتك الحسنى ولكن | بدأت تطولا وبنا قصور |
فغفرا ثم سترا ثم قصرا | فأين الثمد والبحر الغزير |
دار فرانز شتاينر، فيسبادن، ألمانيا / دار إحياء التراث - بيروت-ط 1( 2000) , ج: 29- ص: 0