التصنيفات

يوسف ضياء الدين خطيب بيت الأبار يوسف ابن أبي بكر القاضي ضياء الدين ابن خطيب بيت الأبار. رئيس كبير، وجواد مفضال، وصدر رحيب الباع في المكارم، أخلاقه ترشف سلافا، وطباعه تلين كالغصون انعطافا. لم أر في عصري ولا عاصرت في عمري من له سيادته ولا فيه مكارمه. أعجب ما رأيت فيه بعد المروة الزائدة، والجود المفرط، أنه يعامل عدوه وصديقه بمعاملة واحدة، يملك نفسه ولا يتأثر بحادثة تنزل به، وشكله تام. ولما توجه إلى مصر لم يجد الشاميون ملجأ غيره، ولا كهفا يأوون إليه سواه، وكان في ديوان تنكز يباشر وله سيادة، وداره مألف الضيفان ومأوى الأصحاب، متى جاء الإنسان إلى منزله وجد كل ما يختاره، إن كان هو فيه أو لم يكن يجد جميع ما يدعوه إلى أن يروح. ولما تولى القاضي جلال الدين، رحمه الله، قضاء القضاة بالشام، ولاه نظر الصدقات فضبطها وأجمل مباشرتها، فلما طلب القاضي إلى مصر وتولى قضاء القضاة بالقاهرة، طلبه من السلطان فرسم بإحضاره على البريد، فتوجه إليها في سنة سبع وعشرين وسبع مائة، وولي نظر الصدقات والأوقاف بالقاهرة، وساد في مصر ورأس في القاهرة وأحبه المصريون لمكارمه وحلمه، وولاه السلطان الملك الناصر مطابخ الشكر، وولاه نظر الاهراء مع ما بيده من القاضي جلال الدين، وتولى نظر البيمارستان المنصوري، فسلك فيه أحسن سلوك ورافق فيه الأمير جمال الدين نائب الكرك، وبعده الأمير علم الدين الجاولي، ثم الأمير بدر الدين جنكلي ابن البابا، ووقع بينهما وعزل منه في الأيام الصالحية، ثم تولاه ثانيا ورافق فيه الأمير سيف الدين أرقطاي. وتولى أيام السلطان الملك الناصر حسبة القاهرة ومصر، وكان قبلها محتسب القاهرة مع البيمارستان، فلما كان الغلاء في سنة ست وثلاثين وسبع مائة جمع له السلطان بين الحسبتين، ولما خرج القاضي جلال الدين من القاهرة تعصب عليه النشو وغيره وأخذوا منه الحسبتين ونظر الأوقاف والصدقات وأبقوا عليه البيمارستان، فلما كان في أيام الصالح ولاه نظر الدولة مع نظر البيمارستان، فباشر ذلك مديدة ثم استعفى فأعفاه، ثم ولاه الجوالي مع حسبة القاهرة والبيمارستان، ثم إنه وقع بينه وبين الأمير بدر الدين جنكلي فعزل من الجميع في أواخر دولة الصالح ولزم بيته؛ فلما كان في أيام الكامل، وخلع الكامل، تولى القاضي ضياء الدين نظر البيمارستان والحسبة على عادته ثم إن علاء الدين ابن الأطروش نازعه في وظائفه مرات وتولاها ثم أعيدت إليه، ثم إن الأمير سيف الدين صرغتمش اعتمد عليه في الأوقاف بمصر والشام، وكان يدخل في كل قليل إلى السلطان ويخرج من عنده بتشريف، وزاد عظمة ووجاهة، وبالغ في إكرامه وتقديمه على الناس كلهم. ولما أمسك صرغتمش، قبض عليه وعصر وضرب وأخذ منه شيء قليل، ثم رسم بتوجهه إلى قوص، فتوجه إليها وأقام بها سنة وأكثر، ثم رسم بعوده إلى القاهرة وأقام في بيته بطالا إلى أن توفي رحمه الله في ذي الحجة سنة إحدى وستين وسبع مائة، تغمده الله بالرحمة والرضوان، وخرج له الشيخ شهاب الدين المحدث أحمد بن أيبك الدمياطي أربعين حديثا عن أشياخه الذين سمع منهم صغيرا، ونظم على أحاديثها، ووسع العبارة فيها فجاءت مجلدة جيدة وجودها، وحدث بها في داره بالقاهرة، وسمعتها من لفظه على القاضي ضياء الدين في جملة من سمع، وكتبت أنا عليها:
(ووقفت على هذا التخريج الذي لا يرده ناظر، ولا يدفع أدلته مناظر، ولا يستغني عنه مذاكر ولا محاضر، ولا يشبه حسنه إلا الرياض النواضر، على أنه لمعة من شهاب، وهمعة من سحاب، وجرعة من شراب، ودفعة من عباب، لأن مخرجه شهاب زين ليل العلم الداج، وبحر ألفاظه درر وفوائده أمواج، فلو عاصره ابن عساكر لم يذاكر، أو الخطيب لما كان يطيب، أو ابن الجوزي لانكسر قلبه وذهب لبه، أو ابن نقطة لغرق في بحر وبله بقطره، أو الحاكم لقضى له بالتفضيل ولم ينظر في جرح ولا تعديل، خرجه لمولى حمل البلدين ورئيس يوضع تاج سيادته على مفرق الفرقدين:

فلا أعلم تخريجا أحسن منه، ولا جزءا غيره كل الفوائد تؤخذ عنه؛ جمع فيه بين الرواية والدراية، وبلغ فيه إلى غاية تدل على أنه آية؛ فالله يشكر سعيه ويتولى بعينه رعيه، بمنه وكرمه إن شاء الله تعالى).
ولما كنت في الديار المصرية في سنة خمس وأربعين وسبع مائة في أيام السلطان الملك الصالح إسماعيل، كتبت له توقيعا بنظر الجوالي بالقاهرة ومصر والوجهين قبليا وبحريا، ونسخته:
(الحمد لله الذي جمل أيامنا الزاهرة بضيائها، وكمل دولتنا القاهرة بمحاسن أوليائها، وجعل نعمنا الغامرة تكاثر الغمام بالإبهاء، وضوء ممالكنا العامرة بمن يجمل النظر فيما يتولاه من نواحيها وأرجائها، نحمده على نعمه التي لا تزال تجول وتجود، وتروم اختصاصنا بالمزيد من كرمها وترود، وتؤم حرمنا بأفضالها فتصول بنصول النصر على الأسود وتسود، وترد على حمانا الرحب فتجود بوافر إحسانها على أهل التهائم والنجود، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة ترغم من الكفار معاطسهم، وتجد بحدها منابت بهتانهم ومغارسهم، وتحسم بحسامها أبطال باطلهم وفوارسهم، وتهدم بإقامة منار الإسلام معابد ضلالهم وكنائسهم، ونشهد أن محمدا عبده ورسوله الذي أعرض عن متاع الدنيا ورغب فيما أعد الله له في الآخرة من المقام المحمود والدرجة العليا، وشغل لسانه بذكر الله تعالى في اليقظة وقلبه في الرؤيا، وقام في نصرة الحق يسعى، فشكر الله له مقاما وسعيا، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين سلكوا بهداه خير سبيل، وفازوا لما اتبعوه بالفخر المعظم والمجد الأثيل، ونصروا الدين الحنيف بطعن الأسمر المثقف، وضرب الأبيض الصقيل، وعز وجود مثلهم لما ضرب مثلهم في التوراة والإنجيل، صلاة لا يبلغ العدد أمدها، ولا ينفد الزمن مددها، ما تبسم ثغر صباح عن لعس ظلام، وتنسم روض أرض عن نفس شيح أو ريح خزام، وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين. وبعد، فإن المناصب تعلو بمن يلي أمرها، وتشرف على غيرها بمن يعظم الناس لأجله قدرها، وتفوق بمن يطلع في ليالي التمام والكمال بدرها، وتكبر بمن إذا تحدث فيها أجرى بالأموال والأمواه بحرها، وتفخر بمن إذا تولى نظرها جمع نفعها ومنع ضرها، ونظر الجوالي من الوظائف التي في المناصب الدينية عدادها وإلى القرب السنية معاجها ومعادها، وإلى الشرع الشريف ميلها واستنادها، وبسيفنا الذي تجرده مهابتنا انتصارها واعتضادها، لأنه استخراج مال قد تقرر شرعا، وأخصب في الحل مرعى ودر بالبركات ضرعا، واتسع به الإسلام صدرا لما ضاق بالكفر ذرعا، وقرت به عيون الدين، وكيف لا تقر إذا أخذت العيون من عدوها وهو لا يستطيع منعا، لا يدخل الحول على ذمي إلا جاء إليه من يطلب الجالية وأحاط به الذل الذي يقول معه {ما أغنى عني ماليه} وتجددت له حالة حالكة وحال الإسلام حالية، على أن أهل الذمة في الذلة مائقون، وتمام مصيبتهم أنهم يعطون {الجزية عن يد وهم صاغرون}. وكان المجلس العالي القضائي الضيائي أبو المحاسن يوسف ممن جمل الدول، وأسعفته الأيام بمراده حتى كأنها له من جملة الخول، وفخر زمانه بوجود مثله وشهد حتى حساده بوفور فضله، وأجرى الله تعالى نهر ذريته فكان غير آسن، وبهر حسن أوصافه حتى صدق من قال إن يوسف أبو المحاسن، ورفع الله خبره فانتصب تمييزا، ومضت له مدة في الشام والسعد يقول هذا في مصر يكون عزيزا، وخطب إلى الديار المصرية المحروسة فوردها وحل بها، فحل الأمور تصرفا وعقدها، وولي المناصب العلية وباشر الوظائف السنية، أحسن نظره في الأوقاف وأجرى أمورها على أجمل الأوصاف، ونظر في أموال الأيتام فنمى حاصلهم وربى، وأجمل المعاملة لهم فما انتهى لهم سبب حتى أتبع سببا، وتولى نظر البيمارستان المنصوري فغمره بحسن النظر وعمره، وأثر فيه بناء تلألأ بالضياء شمسه وقمره، وزاد أوقافه ريعا وملكا، ونظم در تدبيره الجميل سلكا، وباشر الحسبة الشريفة فكانت بمعارفه أليق وأشبه، وأصبح قدرها بولايته أقبل وأنبه، وروع أصحاب الغش بمهابته وما لكل محتسب عند الناس حسبة، إلى غير ذلك من نظر الأهراء التي ملأها حبا، وصب الله البركات فيها بنيته الطاهرة صبا، ونظر دار القنود التي حلت بحديثه فيها وتميز ارتفاعها جملا تعجز واصفيها، هذا إلى صدر رحيب وخلق ما له مشاكل ولا ضريب، وثناء هو في الذكر أبو الطيب، ووجه إلى القلوب حبيب، مكانه كعبة قصاد ومنزل رواد، ومنهل الوراد، وحلبة جود سبق فيها حاتما هذا الجواد، قد تورع عن المناصب الدينية، وعرضت عليه أيامنا وأيام والدنا الشهيد فلم يكن له فيها رغبة ولا نية، وندبناه لنظر دولتنا الشريفة ورقيناه ذرى شرفاتها المنيفة، فجعل نجوم أموالها أهلة، وأمطر سحائبها المستهلة، وأعرض عنها فما باشرها إلا بحلة، ولوى جيده عنها واستعفى، ورنق الإهمال في ناظره حتى أعفى، فأجبنا قصده وأعفيناه وعلمنا تورعه فآثرنا راحته إلا مما استثنيناه، وخبأنا له عندنا ما يناسب مراده، ويوافق اجتهاده، ويعاضد اعتماده، علما بإعراضه عن العرض الأدنى، وزهده فيما وزره يبقى وحطامه يفنى، فلذلك رسم بالأمر الشريف العالي المولوي السلطاني الملكي الصالحي العمادي، أن يفوض إليه نظر الجوالي بمصر والقاهرة المحروستين والوجه القبلي والوجه البحري، مضافا إلى ما بيده، فليباشر ما فوض إليه مباشرة عهدت من حسن اعتماده، وشهدت من وافر اجتهاده، وهو بحمد الله غني عن الوصايا التي تشير إليها أنامل الأقلام، وتخفق بها من قعقعة الطروس أعلام، (فما تعلم عوانة فيها خمرة)، ولا تطلع في أفق هذا التوقيع نجما، ولو شاء هو أطلع شمس الصواب وبدره، ولكن تقوى الله تعالى ملاك الوصايا المهمة والأمور التي إذا راعها الإنسان لم يكن أمره عليه غمة، فليجعلها لعينه نصبا، ولقربه من الله تعالى قربى، والله تعالى يديم صونه ويجدد في كل حال عونه. والخط الشريف أعلاه الله تعالى، أعلاه حجة في ثبوت العمل بما اقتضاه، والله الموفق بمنه وكرمه إن شاء الله تعالى.
وقلت لما بلغتني وفاته بالقاهرة، رحمه الله تعالى، في ذي الحجة سنة إحدى وستين وسبع مائة:

  • دار فرانز شتاينر، فيسبادن، ألمانيا / دار إحياء التراث - بيروت-ط 1( 2000) , ج: 29- ص: 0

ابن خطيب بيت الآبار القاضي ضياء الدين يوسف بن أبي بكر

  • دار الفكر المعاصر، بيروت - لبنان / دار الفكر، دمشق - سوريا-ط 1( 1998) , ج: 2- ص: 322

يوسف بن أبي بكر الصدر الرئيس الكبير القاضي ضياء الدين بن خطيب بيت الآبار الدمشقي.
صدر صدره رحيب، ورئيس ما له في زمانه ضريب، وكبير يكون الجبل الراسخ عنده صغيرا، وكريم لا يزال الجود على ماله مغيرا، ذو مروءة يسعى أجرها بين الصفا والمروة، ونفس ما ترى أن تحل في المجلس إلا في الذروة، منزله كعبة الوراد، وخوانه منهل الرواد، كان أهل الشام به يجدون الجدا، ويجتلون من وجهة قمر الهدى، ويحتلون من بابه في مراتع الندى.

انتقل من الشام الى الديار المصرية بطلب السلطان، ونسي بإقباله عليه ما ألفه شبابه في نعيم الأوطان، وباشر الوظائف الكبار فسدها، وأصلح فسادها وأحكم عقدها بكفاية وأمانة، وعناية وإعانة، خلا أن الزمان خانه أخيرا، وأراه بعد عزه يوما كان من الذل عبوسا قمطريرا.
فأقام في بيته عاطلا، ولم يزل الدهر ببلوغ أمانيه مماطلا الى أن أمسى منزل الضياء وقد أظلم، وراح الى من هو بسريرته علم.
وتوفي - رحمه الله تعالى - في ذي الحجة سنة إحدى وستين وسبع مئة.
ومولده تقريبا سنة تسع وثمانين وست مئة.
كان أولا بدمشق في ديوان تنكز، وفيه سيادة وعنده رياسة، داره مألوف الضيفان، ومأوى الأصحاب والإخوان، متى جاء الإنسان الى منزله وجد كل ما يختاره إن كان هو حاضرا أو لم يكن، يجد جميع ما يحتاج إليه الى أن يروح ولو أقام جمعة وأكثر.
ولما تولى قاضي القضاة جلال الدين القزويني قضاء الديار المصرية في سنة سبع وعشرين وسبع مئة، طلبه من السلطان، فأحضره على البريد، فولاه نظر الصدقات الحكمية والأيتام، وكان يحضر دار العدل مع القضاة.
وساد في القاهرة ورأس، وأحبه المصريون لمكارمه ومروته وحلمه، وولاه السلطان الملك الناصر محمد مطابخ السكر وولاه نظر الأهراء مع ما بيده، وتولى نظر البيمارستان المنصوري، فسلك فيه أحسن السلوك، ورافق فيه الأمير جمال الدين آقوش نائب الكرك، وبعده الأمير علم الدين الجاولي، وبعده الأمير بدر الدين جنكلي بن البابا، ووقع بينهما، وعزل منه في الأيام الصالحية إسماعيل، ثم تولاه، ورافق فيه الحاج أرقطاي نائب مصر.
وكان قد تولى أيام الملك الناصر محمد حسبة القاهرة ومصر.
وكان قبل ذلك محتسب القاهرة مع البيمارستان، ولما كان الغلاء في سنة ست وثلاثين وسبع مئة جمع له السلطان بين الحسبتين.
ولما خرج القاضي جلال الدين من القاهرة الى قضاء الشام تعصب شرف الدين النشو عليه، وساعده عليه غيره، وأخذوا منه الحسبتين والصدقات وأبقوا عليه البيمارستان.
فلما كانت أيام الصالح إسماعيل ولاه نظر الدولة مع البيمارستان، فباشر ذلك مديدة، ولم يتناول معلوما، وطلب الإعفاء، فأعفاه، ثم ولاه الجوالي مع حسبة القاهرة والبيمارستان، ثم إنه وقع بينه وبين الأمير بدر الدين جنكلي، فعزل من الجميع في أواخر دولة الصالح ولزم بيته.
فلما كان في أيام الكامل تولى نظر البيمارستان والحسبة بالقاهرة، ثم إن علاء الدين بن الأطروش نازعه في وظائفه هذه مرات، وتولاها، ثم تعاد عليه، ثم إن الأمير سيف الدين صرغتمش اعتمد عليه في الأوقاف بمصر والشام، وكان يدخل به كل قليل الى السلطان الملك الناصر حسن، ويخرج من عنده بتشريف، وزادت عظمته ووجاهته، وبالغ في إكرامه وتقديمه على الناس كلهم.
ولما أمسك صرغتمش قبض عليه، وضرب وعصر، وأخذ منه شيء قليل، وأخرجوه الى قوص، فتوجه إليها، وأقام بها سنة وأكثر، ثم رسم بعوده الى القاهرة، فأقام بها في بيته بطالا الى أن توفي.
وكان شكلا تاما غليظا، عليه مهابة وله عبسة، وهو مع أصحابه الذين نعرفهم من ألطف ما يكون، وما رأيت أكثر رياسة منه، ومع ذلك طاهر اللسان، لا يذكر أحدا إلا بخير، ويعامل صديقه وعدوه بمعاملة واحدة. يملك نفسه ولا تظهر عليه كراهة لأحد، وصدره على طعامه متسع، وكل لأهل الشام نعم الذخيرة، انتفعوا به كثيرا.
وقلت لما بلغتني وفاته بالقاهرة في ذي الحجة سنة إحدى وستين وسبع مئة، رحمه الله تعالى:
وكان الشيخ شهاب الدين أحمد بن أيبك الدمياطي قد خرج له أربعين حديثا عن أشياخه الذين سمع منهم في صغره، وحدث بها في داره برأس حارة زويلة بالقاهرة في سنة خمس وأربعين وسبع مئة، وكنت فيمن سمعها عليه، وكتبت أنا عليها تقريظا نظما ونثرا، من جملة ذلك:
ولما كنت بالقاهرة سنة خمس وأربعين وسبع مئة كتبت له عن السلطان الملك الصالح إسماعيل - رحمه الله تعالى - توقيعا بنظر الجوالي بالقاهرة ومصر والوجهين قبليا وبحريا، ونسخته:
الحمد لله الذي جمل أيامنا الشريفة بضيائها، وكمل دولتنا القاهرة بمحاسن أوليائها، وجعل نعمنا الغامرة تكاثر الغمام بآلائها، وضوا ممالكنا العامرة بمن يجمل النظر فيما يتولاه من نواحيها وأرجائها.
نحمده على نعمه التي لا تزال تجول وتجود، وتروم اختصاصنا بالمزيد من كرمها وترود، وتؤم حرمنا بأفضالها فتصول بنصول النصر على الأسود وتسود، وترد على حمانا الرحب فتجود بوافر أحسابها على أهل التهائم والنجود.
ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة ترغم من الكفار معاطسهم، وتجذ بحدها منابت بهتانهم ومغارسهم، وتحسم بحسامها أبطال باطلهم وفوارسهم، وتهدم بإقامة منار الإسلام معابد ضلالهم وكنائسهم.
ونشهد أن سيدنا محمد عبده ورسوله الذي أعرض عن متاع الدنيا، ورغب فيما أعد الله له في الآخرة من المقام المحمود والدرجة العليا، وشغل بذكر الله تعالى في اليقظة وقلبه في الرؤيا، وقام في نصرة الحق يسعى فشكر الله مقاما وسعيا.
صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين سلكوا بهداه خير سبيل وفازوا لما اتبعوه بالفخر المعظم والمجد الأثيل، ونصروا الدين الحنيف بطعن الأسمر المثقف، وضرب الأبيض الثقيل، وعز وجود مثلهم لما ضرب مثلهم في التوراة والإنجيل، صلاة لا يبلغ العدد أمدها، ولا ينفذ الزمن مددها، ما تبسم ثغر صباح عن لعس ظلام، وتنسم روض أرض عن نفس شيخ أو ريح خزام، وسلم تسليما كثيرا الى يوم الدين.
وبعد
فإن المناصب تعلو بمن يلي أمرها، وتشرف على غيرها بمن يعظم الناس لأجله قدرها، وتفوق بمن يطلع في ليالي التمام والكمال بدرها، وتكبر بمن إذا تحدث فيها أجرى بالأموال والأمواه بحرها، وتفخر بمن إذا تولى نظرها جمع نفعها ومنع ضرها، ونظر الجوالي التي في الوظائف الدينية عدادها، والى القرب السنية معاجها ومعادها، والى الشرع الشريف ميلها واستنادها، وبسيفنا الذي تجرده مهابتنا انتصارها واعتضادها، لأنه استخراج مال قد تقرر شرعا، وأخصب في الحل مرعى، ودر بالبركات ضرعا، واتسع به الإسلام صدرا لما ضاق به الكفر ذرعا، وقرت به عيون الدين، وكيف لا تقر العين إذا أخذت من عدوها وهو لا يستطيع منعا، لا يدخل الحول على ذمي إلا جاء إليه من يطلب الجالية، وأحاط به الذل الذي يقول معه ’’ما أغنى عني ماليه’’، وتجددت له حال حالكة وحالة الإسلام حالية، على أن أهل الذمة في الذلة ماهرون، وتمام المصيبة أنهم يعطون الجزية عن يد وهم صاغرون.
وكان المجلس العالي القضائي الضيائي أبو المحاسن يوسف ممن جمل الدول، وأسعفته الأيام بمراده حتى كأنها له من جملة الخول، وفخر زمانه بوجود مثله، وشهد حتى حساده بوفور فضله، وأجرى الله تعالي نهر دربته فكان غير آسن، وبهر حسن أوصافه حتى صدق من قال: إن يوسف أبو المحاسن، ورفع الله خبره فانتصب تمييزا، ومضت له مدة في الشام والسعد يقول: هذا في مصر يكون عزيزا، وخطب الى الديار المصرية فوردها وحل بها فحل الأمور تصرفا وعقدها، وولي المناصب العلية، وباشر الوظائف السنية، أحسن نظره في الأوقاف وأجرى أمورها على أجمل الأوصاف، ونظر في أموال الأيتام فنما حاصلهم وربا، وأجمل المعاملة لهم فما انتهى لهم سبب إلا أتبع سببا، وتولى نظر البيمارستان المنصوري فغمره بحسن النظر وعمره، وأثر فيه بنيانا لألأ الضياء شمسه وقمره، وزاد أوقافه ريعا وملكا، ونظم در تدبيره الجميل سلكا، وباشر الحسبة الشريفة، فكانت بمعارفه أليق وأشبه، وأصبح قدرها بولايته أنبل وأنبه، وروع أصحاب الغش بمهابته، وما لكل محتسب عند الناس حسبه، الى غير ذلك من نظر الأهراء التي ملأها حبا، وصب الله البركات فيها بنيته الطاهرة صبا، ونظر دار القنود التي حلت بحديثه فيها، وتميز ارتفاعها جملا تعجز واصفيها. هذا الى صدر رحيب، وخلق ما له مشاكل ولا ضريب، وثناء هو في الذكر أبو الطيب، ووجه الى القلوب حبيب، فكأنه كعبة قصاد، ومنزل رواد، ومنهل وراد، وحلبة جود سبق فيها حاتما هذا الجواد. قد تورع عن المناصب الدنيوية، وعرضت عليه أيامنا الشريفة وأيام والدنا الشهيد فلم يكن له فيها رغبة ولا نية، وندبناه لنظر دولتنا الشريفة، ورقيناه ذرا شرفاتها المنيفة، فجعل نجوم أموالها أهلة، وأمطر سحائبها المستهلة، وأعرض عنها فما باشرها إلا تحلة، ولوى جيده عنها واستعفى، ورنق الإهمال في ناظره حتى أغفى، فأجبنا قصده وأعفيناه، وعلمنا تورعه فآثرنا راحته إلا بما استثنيناه، وخبأنا له عندنا ما يناسب مراده ويوافق اجتهاده، ويعاضد اعتماده، علما بإعراضه عن العرض الأدنى، وزهدا فيما وزره يبقى وحطامه يفنى.
فلذلك رسم بالأمر الشريف العالي المولوي السلطان الملكي الصالحي العمادي أن يفوض إليه نظر الجوالي بمصر والقاهرة المحروستين والوجه القبلي والوجه البحري مضافا الى ما بيده.
فليباشر ما فوض إليه مباشرة عهدت من حسن اعتماده وشهدت من وافر اجتهاده، وهو بحمد الله غني عن الوصايا التي تشير إليها أنامل الأقلام، وتخفق بها من قعقعة الطروس أعلام، فما نعلم عوانه فيها خمرة، ولا نطلع في أفق هذا التوقيع نجما، ولو شاء أطلع شمس الصواب وبدره، ولكن تقوى الله تعالى ملاك الأمور المهمة، والوصايا التي إذا راعاها الإنسان لم يكن أمره عليه غمة، فليجعلها لعينه نصبا ولقربه من الله قربى.
والله تعالى يديم صونه، ويجدد في كل حال عونه.
والخط الشريف أعلاه الله تعالى أعلاه، حجة في ثبوت العمل بما اقتضاه، والله الموفق بمنه وكرمه إن شاء الله تعالى.

  • دار الفكر المعاصر، بيروت - لبنان / دار الفكر، دمشق - سوريا-ط 1( 1998) , ج: 5- ص: 612

يوسف بن أبي بكر ابن خطيب بيت الآبار يوسف بن أبي بكر ابن خطيب بيت الآبار ولد سنة 689 وتعانى المباشرات ثم باشر في ديوان تنكز وكان جوادا مطعاما داره مألف الضيفان وكان القاضي جلال الدين القزويني يحبه ويكرمه فلما ولي القضاء بمصر طلبه على البريد فولاه نظر الصدقات والأيتام وكان يحضر دار العدل مع القضاة وأحبه المصريون لفتوته ومكارمه وولي نظر المطابخ والأسرى والمرستان مدة وحسنت فيها سيرته وولي الحسبة وفي الآخرة عظمت منزلته عند صرغتمش فلما أمسك صودر وضرب وأهين ونفي إلى قوص ثم أعيد إلى القاهرة بطالا ومات على ذلك وكان شكلا تاما مهابا في العامة لطيفا مع أصحابه في خلوته عظيم الرئاسة طاهر اللسان لا يذكر أحدا إلا بخير وكان ملجأ الشاميين في زمانه وخرج له ابن ايبك الدمياطي أربعين حديثا حدث بها ومات في ذي الحجة سنة 761 وقد قارب الثمانين

  • مجلس دائرة المعارف العثمانية - صيدر اباد/ الهند-ط 2( 1972) , ج: 2- ص: 0