يوسف ضياء الدين خطيب بيت الأبار يوسف ابن أبي بكر القاضي ضياء الدين ابن خطيب بيت الأبار. رئيس كبير، وجواد مفضال، وصدر رحيب الباع في المكارم، أخلاقه ترشف سلافا، وطباعه تلين كالغصون انعطافا. لم أر في عصري ولا عاصرت في عمري من له سيادته ولا فيه مكارمه. أعجب ما رأيت فيه بعد المروة الزائدة، والجود المفرط، أنه يعامل عدوه وصديقه بمعاملة واحدة، يملك نفسه ولا يتأثر بحادثة تنزل به، وشكله تام. ولما توجه إلى مصر لم يجد الشاميون ملجأ غيره، ولا كهفا يأوون إليه سواه، وكان في ديوان تنكز يباشر وله سيادة، وداره مألف الضيفان ومأوى الأصحاب، متى جاء الإنسان إلى منزله وجد كل ما يختاره، إن كان هو فيه أو لم يكن يجد جميع ما يدعوه إلى أن يروح. ولما تولى القاضي جلال الدين، رحمه الله، قضاء القضاة بالشام، ولاه نظر الصدقات فضبطها وأجمل مباشرتها، فلما طلب القاضي إلى مصر وتولى قضاء القضاة بالقاهرة، طلبه من السلطان فرسم بإحضاره على البريد، فتوجه إليها في سنة سبع وعشرين وسبع مائة، وولي نظر الصدقات والأوقاف بالقاهرة، وساد في مصر ورأس في القاهرة وأحبه المصريون لمكارمه وحلمه، وولاه السلطان الملك الناصر مطابخ الشكر، وولاه نظر الاهراء مع ما بيده من القاضي جلال الدين، وتولى نظر البيمارستان المنصوري، فسلك فيه أحسن سلوك ورافق فيه الأمير جمال الدين نائب الكرك، وبعده الأمير علم الدين الجاولي، ثم الأمير بدر الدين جنكلي ابن البابا، ووقع بينهما وعزل منه في الأيام الصالحية، ثم تولاه ثانيا ورافق فيه الأمير سيف الدين أرقطاي. وتولى أيام السلطان الملك الناصر حسبة القاهرة ومصر، وكان قبلها محتسب القاهرة مع البيمارستان، فلما كان الغلاء في سنة ست وثلاثين وسبع مائة جمع له السلطان بين الحسبتين، ولما خرج القاضي جلال الدين من القاهرة تعصب عليه النشو وغيره وأخذوا منه الحسبتين ونظر الأوقاف والصدقات وأبقوا عليه البيمارستان، فلما كان في أيام الصالح ولاه نظر الدولة مع نظر البيمارستان، فباشر ذلك مديدة ثم استعفى فأعفاه، ثم ولاه الجوالي مع حسبة القاهرة والبيمارستان، ثم إنه وقع بينه وبين الأمير بدر الدين جنكلي فعزل من الجميع في أواخر دولة الصالح ولزم بيته؛ فلما كان في أيام الكامل، وخلع الكامل، تولى القاضي ضياء الدين نظر البيمارستان والحسبة على عادته ثم إن علاء الدين ابن الأطروش نازعه في وظائفه مرات وتولاها ثم أعيدت إليه، ثم إن الأمير سيف الدين صرغتمش اعتمد عليه في الأوقاف بمصر والشام، وكان يدخل في كل قليل إلى السلطان ويخرج من عنده بتشريف، وزاد عظمة ووجاهة، وبالغ في إكرامه وتقديمه على الناس كلهم. ولما أمسك صرغتمش، قبض عليه وعصر وضرب وأخذ منه شيء قليل، ثم رسم بتوجهه إلى قوص، فتوجه إليها وأقام بها سنة وأكثر، ثم رسم بعوده إلى القاهرة وأقام في بيته بطالا إلى أن توفي رحمه الله في ذي الحجة سنة إحدى وستين وسبع مائة، تغمده الله بالرحمة والرضوان، وخرج له الشيخ شهاب الدين المحدث أحمد بن أيبك الدمياطي أربعين حديثا عن أشياخه الذين سمع منهم صغيرا، ونظم على أحاديثها، ووسع العبارة فيها فجاءت مجلدة جيدة وجودها، وحدث بها في داره بالقاهرة، وسمعتها من لفظه على القاضي ضياء الدين في جملة من سمع، وكتبت أنا عليها:
(ووقفت على هذا التخريج الذي لا يرده ناظر، ولا يدفع أدلته مناظر، ولا يستغني عنه مذاكر ولا محاضر، ولا يشبه حسنه إلا الرياض النواضر، على أنه لمعة من شهاب، وهمعة من سحاب، وجرعة من شراب، ودفعة من عباب، لأن مخرجه شهاب زين ليل العلم الداج، وبحر ألفاظه درر وفوائده أمواج، فلو عاصره ابن عساكر لم يذاكر، أو الخطيب لما كان يطيب، أو ابن الجوزي لانكسر قلبه وذهب لبه، أو ابن نقطة لغرق في بحر وبله بقطره، أو الحاكم لقضى له بالتفضيل ولم ينظر في جرح ولا تعديل، خرجه لمولى حمل البلدين ورئيس يوضع تاج سيادته على مفرق الفرقدين:
كريم ساد بالإفضال حتى | غدا في مجده بادي السناء |
له ذكر يطبق كل أرض | فيملأ جوها طيب الثناء |
فما تخفى علاه على بصير | وإن تخفى فذو حسد يرائي |
وهبني قلت هذا الصبح ليل | أيعمى العالمون عن الضياء |
ما لنا في بؤس علس | عمنا منه الشقاء |
وعلى الدنيا ظلام | إثر ما مات الضياء |
دار فرانز شتاينر، فيسبادن، ألمانيا / دار إحياء التراث - بيروت-ط 1( 2000) , ج: 29- ص: 0
ابن خطيب بيت الآبار القاضي ضياء الدين يوسف بن أبي بكر
دار الفكر المعاصر، بيروت - لبنان / دار الفكر، دمشق - سوريا-ط 1( 1998) , ج: 2- ص: 322
يوسف بن أبي بكر الصدر الرئيس الكبير القاضي ضياء الدين بن خطيب بيت الآبار الدمشقي.
صدر صدره رحيب، ورئيس ما له في زمانه ضريب، وكبير يكون الجبل الراسخ عنده صغيرا، وكريم لا يزال الجود على ماله مغيرا، ذو مروءة يسعى أجرها بين الصفا والمروة، ونفس ما ترى أن تحل في المجلس إلا في الذروة، منزله كعبة الوراد، وخوانه منهل الرواد، كان أهل الشام به يجدون الجدا، ويجتلون من وجهة قمر الهدى، ويحتلون من بابه في مراتع الندى.
إن جاد للعافي أجاد وإن سعى | في ضيق طرق للسعادة وسعا |
عن نشره فاح النسيم معنبرا | وبشكره غنى الحمام مرجعا |
ما لنا في سوء عيش | عمنا فيه الشقاء |
وعلى الدنيا ظلام | أترى مات الضياء |
كريم ساد بالأفضال حتى | غدا في مجده بادي السناء |
له ذكر يطبق كل أرض | فيملأ جوها طيب الثناء |
فما تخفى علاه على بصير | وإن تخفى فذو حسد مرائي |
وهبني قلت هذا الصبح ليل | أيعمى العالمون عن الضياء |
دار الفكر المعاصر، بيروت - لبنان / دار الفكر، دمشق - سوريا-ط 1( 1998) , ج: 5- ص: 612
يوسف بن أبي بكر ابن خطيب بيت الآبار يوسف بن أبي بكر ابن خطيب بيت الآبار ولد سنة 689 وتعانى المباشرات ثم باشر في ديوان تنكز وكان جوادا مطعاما داره مألف الضيفان وكان القاضي جلال الدين القزويني يحبه ويكرمه فلما ولي القضاء بمصر طلبه على البريد فولاه نظر الصدقات والأيتام وكان يحضر دار العدل مع القضاة وأحبه المصريون لفتوته ومكارمه وولي نظر المطابخ والأسرى والمرستان مدة وحسنت فيها سيرته وولي الحسبة وفي الآخرة عظمت منزلته عند صرغتمش فلما أمسك صودر وضرب وأهين ونفي إلى قوص ثم أعيد إلى القاهرة بطالا ومات على ذلك وكان شكلا تاما مهابا في العامة لطيفا مع أصحابه في خلوته عظيم الرئاسة طاهر اللسان لا يذكر أحدا إلا بخير وكان ملجأ الشاميين في زمانه وخرج له ابن ايبك الدمياطي أربعين حديثا حدث بها ومات في ذي الحجة سنة 761 وقد قارب الثمانين
مجلس دائرة المعارف العثمانية - صيدر اباد/ الهند-ط 2( 1972) , ج: 2- ص: 0