التصنيفات

يوسف قاضي القضاة ابن جملة يوسف بن إبراهيم بن جملة الحوراني المحجي ثم الصالحي الشافعي الأشعري، قاضي قضاة الشام. الإمام الفاضل العالم العلامة الأصولي الفقيه النحوي. ولد سنة ست وثمانين وستمائة، وتفقه مدة لأحمد بن حنبل، ثم تحول شافعيا، وتميز وناظر الأقران وأخذ عن الشيخ كمال الدين ابن الزملكاني، وصار من الأعيان، درس بالدولعية وأعاد مدة، وخرج له الشيخ علم الدين البرزالي عن الفخر وجماعة. وناب لقاضي القضاة جلال الدين القزويني الشافعي بدمشق، ولما توفي قاضي القضاة علم الدين الإخنائي ولي هو القضاء بالشام في شهر ربيع الأول سنة ثلاث وثلاثين وسبع مائة بعناية الأمير سيف الدين تنكز. وكان ذا مهابة وسطوة وصولة، وفيه شدة ووطاء على المريب، وكانت فيه ديانة وحسن عقيدة وعفة. فإنه باشر القضاء بصلف وأمانة. وفي أيام نيابته لقاضي القضاة علم الدين الإخنائي قام قياما عظيما في توبة الشيخ تقي الدين ابن تيمية في مسألة الزيارة، وعمل عملا بالغا إلى أن حبس، ولما مات لم يصل عليه؛ وكان فصيحا لسنا شديد العارضة في البحث. ثم إن حمزة التركماني حرف الأمير تنكز عليه وأغراه به ولم يزل إلى أن حبسه. وقال إنه رشا ناصر الدين الدوادار بالذهب على القضاء، وهذا أمر أستبعده من الجانبين. وكان نائب الشام قد حكمه في الشيخ ظهير الدين لأنه لم يصح عنه ما نقله، فبالغ ابن جملة في تعزير ظهير الدين واستقصائه، والاستقصاء شؤم؛ فعقد له مجلس، ودخل وهو قاضي القضاة فخرج وهو فاسق قد حكم بعزله وسجنه في القلعة. وكانت واقعة عجيبة لم يعهد الناس مثلها.
أنشدني لنفسه إجازة، القاضي زين الدين عمر الوردي، ومن خطه نقلت:

وقلت أنا في ذلك:
وأقام في الحبس خمسة عشر شهرا إلى أن شفع فيه موسى بن مهنا، وولي بعده قاضي القضاة شهاب الدين ابن المجد. ولما خرج من الاعتقال أعطي الدولعية، ثم تمرض وخلت المدرسة الشامية البرانية، فدرس فيها أياما بعد الشيخ زين الدين ابن المرحل. وكانت وفاته بالمسرورية، رحمه الله تعالى، ودفن عند أهله بوادي العظام.
وكنت قد كتبت تقليده بالقضاء لما كنت بالديار المصرية وهو: الحمد لله الذي أعلى منار الشرع الشريف بجماله، وجلا دجاه بمن تحسده البدور في الأفق ليالي التمام على كماله، وشيد ركنه بمن يقصر باغ السيف في جلاده عند جداله، وحفظ قواعده بمن إذا أمسك قلم فتاويه تفيأت الأحكام تحت ظلاله، وأحيى سننه بمن يتضح به سنن حرامه وحلاله، ونشر لواء فضله بمن إذا طمى البحر المحيط فقل دع ذا فإنك عاجز عن حاله؛ نحمده على نعمه التي ادخرت لأيامنا الشريفة حبرا عز بوجوده اجتماع المثلين، واقتطف ثمار العلوم فما داناه أحد في الفروع ولا وصل معه إلى الأصلين، وطال بالعلم ثم بالحلم، وزاد في تطولاته ولم يقتصر على الطولين، وأجمع الناس على استحقاقه بما وليناه فلم تكن المسألة فيه ذات قولين؛ ونشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة ندخرها ليوم القضاء والفصل، ونعلم أنها أصل الإيمان وما سواها فرع، والقياس رد فرع إلى أصل، ونعتمد على بركات فضلها في الأمر والنهي والقطع والوصل، وننال بإخلاصها على أعداء الدين عز العزم ونصر النصل، ونشهد أن محمدا عبده ورسوله خير من قضى ومضى وأعدل من مضى، وسيف شرعه إذا استقبله شكل حكم فيه ومضى، وأشرف من ساس الناس بخلقه الرضى وحكمه المرتضى، وأعز من أغضى الشيطان لظهور ملته على جمر الغضى، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه؛ خير من اتبع شرعه في أحكامه، وخاف مقام ربه فشكر الله له حسن مقامه، وقصر خطاه على ما أمره ونهاه، فلم يكن له إقدام على حركة أقدامه، واستبرأ لدينه في قضاياه فما أخطأت سهامه مرامي مرامه، صلاة تتألق بأنوارها البروق اللامعة، وتتعلق بأستارها الخلائق في الواقعة، ما قبلت ثغور الأقلام خدود المهارق الساطعة، ورقمت إبر الغمام برود الحدائق اليانعة، وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين.
وبعد، فإن منصب الشرع الشريف لا شك في عموم نفعه ولا مرية في أن السوابق جرت لنصبه والعوالي جرت لرفعه، ولا ريب في أن شمم كل عرنين ينقاد صاغرا لوضعه، ما حكمنا في شيء حتى نعود لأمره ونعوذ، ولا خرجنا في السياسة عن حكمه لا على سبيل السهو ولا بحكم الشذوذ، ولا برز أمره بحكم إلا وقال: سيفنا المنصور دائم النفوذ؛ وكانت دمشق المحروسة كالشامة في وجنة الشام وكالجوهرة التي أصبحت واسطة عقد الملك في الانتظام، هذا إلى ما جاء في فضلها من السنة وثبت لنا في الخارج أنها أنموذج الجنة؛ قد شغر منصب حكمها الشافعي من قاض يسوس الرعايا، ويجتهد في أحكامه حتى تدله الألمعية على المقاتل الخفايا، ويتوسم وجوه الخصوم وكلامهم فيكون (ابن جلا وطلاع الثنايا)؛ أمهلنا آراءنا الشريفة هذه الفترة واستخرنا الله تعالى فيمن نحليه بهذا الطوق أو نخصه بهذه الدرة، وذكر بين أيدينا الشريف جماعة كل منهم جل إلا أن يكون قد حلى، واستوعب الشروط المعتبرة فكان بذلك الاستيعاب مجلى، فيشار من إشارته كالسهم الذي يصيب الإشارة، وبركة رأيه خالصة من حظوظ النفس الأمارة، وعين من عزت به الشريعة الشريفة منالا، وزان رتبتها الجليلة فازدادت به جمالا، وحمى حوزتها لأنه فارس الكلام إذا التفت عليه مضائق الخصوم فرجها علمه بمواقع الإصابة جدالا، وجالد فوارس البحث وجدلهم فخذلهم، ونسف مغالط النسفي ولو كانت جبالا؛ ونقى ونقح كلام من مضى، فكم قيد مطلقا يمرح وأطلق مقيدا يرسف، وجلس في حلقة دروسه فكأنما تطلع من محراب داود يوسف؛ يغرق المزني في وابل فضله الصيب، ويفوق عرف عرفانه على القاضي أبي الطيب، ويتلون ابن الصباغ في (شامله) من عجزه، ويعترف الغزالي بأنه لم يكن من نسج طرزه؛ قد صاغ ذهب أصوله وابن الحداد في الفروع، والتذ بكراه وصاحب (التنبيه) لا يطعم لذة الهجوع، ونفق من (محصوله)، وابن الحاجب في (صيغة منتهى الجموع).
وكان المجلس العالي القضائي الجمالي وبقية ألقابه ونعوته، هو مظهر هذه الضمائر والمقصود بهذه الأدلة والأماثر، لا تليق هذه الصفات إلا بذاته، ولا تحسن هذه النعوت إلا بأدواته. فلذلك رسم بالأمر الشريف العالي المولوي السلطاني الملكي الناصري، لا زالت الرعايا بعد له في أمان، ومواقع اختياره ترتاد لهم الكافي الكافل من رب السيف والطيلسان، أن يفوض إليه قضاء القضاة الشافعية بالشام المحروس، ولاية أحكم عقدها، وانتظم عقدها، وتبلج عرفها، وتأرج عرفها؛ فليأمر بالمعروف وينه عن المنكر، ويسير سيرة عمرية تتلى محاسنها وتشكر، وليأخذ بحق المظلوم ممن ظلمه، ويجر لسان قلمه بما قامت به البينة فعلمه، وليتبع الحق إن كان مع المشروف أو الشريف، ويطلب رضا الله في خذلان القوي ونصرة الضعيف، وليسو بين المتخاصمين في موقفهما عنده، ويسمع الدعوى إذا تمت والجواب إذا أكمل قصده، وليلن جانبا لمن حضره، ويتمسك بآداب الشرع الذي حضه عليها وأمره، وليحترز في أمر الشهود في كل شي وينقب عن أحوالهم فإن منهم من يموت على الشهادة وهو حي ويتبعهم بألمعيته في كل أمر، ويسمع شهادتهم بذكاء إياس وفطنة عمرو، والأيتام فليول عليهم من يراقب الله في أموالهم، ويخشى الله في معاملاتهم فكفى ما بهم من سوء حالهم، ولا يركن في أمرهم إلا لمن اختبره المرة بعد المرة، وعلم أن عفته لا تسامحه في التماس الذرة؛ والأوقاف فليجر أمورها على النظام البارع ولا يتعد بها شروط الواقفين فإن نص الواقف مثل نص الشارع، والأيامى فليزوجهن من أكفائهن شرعا، ويمنع من يلبسهن من العضل درعا، والأنكحة الأهلية يستوضح عقودها، والخلية يعتبر شهودها، ومال المحجور عليه يودعه حرزا يحفظ فيه، ومال الغائب كذلك والمجنون والسفيه، ووقائع بيت المال فلتكن مضبوطة النظام محفوظة الزمام مقطوعة الجدل والخصام، ونوابه في البلاد والجهات والنواحي المتطرفات، هو المطلوب عند الله بجنايتهم، والمحاسب على ما اجترحوه في ولايتهم، فلا يول من يراه فقيها، {وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها}، ولا من اتصف بالجهل ورأى زينتها الدنيا في المال والأهل، بل يتحرى في أمورهم ويتبع معاملتهم في غيبتهم وحضورهم، فأنت أدرى بما إليه الأمر يؤول، وكلكم راع وكلكم راع مسؤول؛ والوصايا كثيرة ومنك تعرف وإليك ترجع وتصرف (فما تعلم عوانك الخمرة، ولا تعرف صناعتك كيف تضع الشذرة، فما نحتاج إلى أن نشردها بل نجمعها ولا نفردها، وهو تقوى الله عز وجل التي من تمسك بها فاز قدحه وأمن سرحه وتعتن ربحه وتبين نجحه. والله تعالى يتولاك ويعينك على ما ولاك ويزيدك مما أولاك. والخط الشريف، أعلاه الله تعالى، أعلاه حجة في ثبوت العمل بمقتضاه، والله الموفق بمنه وكرمه إن شاء الله تعالى.

  • دار فرانز شتاينر، فيسبادن، ألمانيا / دار إحياء التراث - بيروت-ط 1( 2000) , ج: 29- ص: 0