نصيب الأكبر نصيب بن رباح مولى عبد العزيز بن مروان، كانت أمه سوداء، فوقع عليها أبوه، فجاءت بنصيب، فوثب إليه عمه بعد وفاة أبيه فباعه، وكان شاعرا فحلا مقدما في النسيب والمديح ولم يكن له حظ في الهجاء، وكان عفيفا، توفي في حدود العشرين والمائة، قال نصيب: كنت أرعى غنما أو قال إبلا، فضل منها بعير، فخرجت في طلبه حتى قدمت مصر وبها عبد العزيز بن مروان، فقلت: ما بعد عبد العزيز أحد أعتمده ولم أكن قبل ذلك لقيت أحدا يمدح فحضرت بابه مع الناس فنحيت عن مجلس الوجوه وكنت وراءهم ورأيت رجلا على بغلة حسن المدخل يؤذن له إذا جاء، فانصرف إلى منزله واتبعته أماشي بغلته، فقال: ما شأنك، فقلت: أنا رجل شاعر من أهل الحجاز وقد مدحت الأمير وخرجت إليه راجيا معروفه وقد ازدريت بالباب ونحيت، قال: فأنشدني، فأنشدته فأعجبته فقال: ويحك هذا شعرك إياك أن تنتحل، فإن الأمير راوية عالم بالشعر وعنده رواة فلا تفضحني وتفضح نفسك، فقلت: والله ما هو إلا شعري، فقال: ويحك قل أبياتا تذكر فيها حوف مصر وفضلها على غيرها والقني بها غدا، فغدوت عليه فأنشدته:
سرى الهم حتى بيتتني طلائعه | بمصر وبالحوف اعترتني روائععه |
وبات وسادي ساعد قل لحمه | عن العظم حتى كاد تبدو أشاجعه |
وكم دون ذاك العارض البارق الذي | له اشتقت من وجه أسيل مدامعه |
تمسى به أبناء بكر ومذحج | وأفناء عمرو فهو خصب مراتعه |
بكل مسيل من تهامة طيب | دميث الربى تسقي البحار دوافعه |
أعني على برق أريك وميضه | تضيء دجنات الظلام لوامعه |
إذا اكتحلت عينا محب بضوئه | تجافت به حتى الصباح مضاجعه |
لعبد العزيز على قومه | وغيرهم نعم غامره |
فبابك ألين أبوابهم | ودارك مأهولة عامره |
وكيلك آنس بالمعتفين | من الأم بالإبنة الزائره |
وكفك حين ترى السائلين | أندى من الليلة الماطره |
فمنك العطاء ومنا الثناء | بكل محبرة سائره |
أبا مروان لست بخارجي | وليس قديم مجدك بانتحال |
أغر إذا الرواق انجاب عنه | بدا مثل الهلال على المثال |
تراآه العيون كما تراءى | عشية فطرها وضح الهلال |
فإن أك أسودا فالمسك أحوى | وما بسواد جلدي من دواء |
ومثلي في رحالكم قليل | ومثلك ليس يعدم في النساء |
فإن ترضي فردي قول راض | وإن تأبي فنحن على السواد |
أقول لركب صادرين لقيتهم | قفا ذات أوشال ومولاك قارب |
قفوا خبروني عن سليمان إنني | لمعروفه من آل ودان طالب |
فعاجوا فأثنوا بالذي أنت أهله | ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب |
وقالوا عهدناه وكل عشية | على بابه من طالبي العرف راكب |
هو البدر والناس الكواكب حوله | ولا يشبه البدر المضيء الكواكب |
خير الشعر أكرمه رجالا | وشر الشعر ما قال العبيد |
فإن يك من لوني السواد فإني | لكالمسك لا يروى من المسك ناشقه |
وما ضر أثوابي سوادي وتحتها | لباس من العلياء بيض بنايقه |
دار فرانز شتاينر، فيسبادن، ألمانيا / دار إحياء التراث - بيروت-ط 1( 2000) , ج: 27- ص: 0
نصيب بن رباح مولى عبد العزيز بن مروان: شاعر من فحول الشعراء الإسلاميين، كان عبدا لرجل من كنانة من أهل ودان، وكان فصيحا مقدما في النسيب والمديح مترفعا عن الهجاء كبير النفس عفيفا، قيل لم ينسب قط إلا بامرأته. وكان مقدما عند الملوك يجيد مديحهم ومراثيهم، وفي سبب اتصاله بعبد العزيز بن مروان وفك رقبته من الرق روايات شتى، منها أنه لما قال الشعر وهو شاب جعل يأتي مشيخة القبيلة وينشدهم فاجتمعوا إلى مولاه وقالوا: ان عبدك هذا قد نبغ بقول الشعر، ونحن من بين شرين: إما ان يهجونا فيهتك أعراضنا أو يمدحنا فيشبب بنسائنا، وليس لنا في شيء من الخلتين خيرة، فقال له مولاه: يا نصيب أنا بائعك لا محالة فاختر لنفسك، فسار إلى عبد العزيز بن مروان بمصر فدخل عليه وأنشده:
لعبد العزيز على قومه | وغيرهم منن غامره |
فبابك أسهل أبوابهم | ودارك مأهولة عامره |
وكلبك أرأف بالزائرين | من الأم بابنتها الزائره |
وكفك حين ترى المعتفين | أندى من الليلة الماطره |
فمنك العطاء ومنا الثناء | بكل محبرة سائره |
وركب كأن الريح تطلب عندهم | لها ترة من جذبها بالعصائب |
سروا يركبون الريح وهي تلفهم | إلى شعب الأكوار ذات الحقائب |
إذا أبصروا نارا يقولون ليتها | وقد خصرت أيديهم نار غالب |
أقول لركب صادرين لقيتهم | قفا ذات أوشال ومولاك قارب |
قفوا خبروني عن سليمان إنني | لمعروفه من أهل ودان طالب |
فعاجوا فأثنوا بالذي أنت أهله | ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب |
وقالوا عهدناه وكل عشية | بأبوابه من طالبي العرف راكب |
هو البدر والناس الكواكب حوله | ولا تشبه البدر المضيء الكواكب |
وخير الشعر أشرفه رجالا | وشر الشعر ما قال العبيد |
ليس السواد بناقصي ما دام لي | هذا اللسان إلى فؤاد ثابت |
من كان ترفعه منابت أصله | فبيوت أشعاري جعلن منابتي |
كم بين أسود ناطق ببيانه | ماضي الجنان وبين أبيض صامت |
إني ليحسدني الرفيع بناؤه | من فضل ذاك وليس بي من شامت |
كأن القلب ليلة قيل يغدى | بليلى العامرية أو يراح |
قطاة عزها شرك فباتت | تجاذبه وقد علق الجناح |
لها فرخان قد تركا بوكر | فعشهما تصفقه الرياح |
إذا سمعا هبوب الريح نصا | وقد أودى به القدر المتاح |
فلا في الليل نالت ما ترجي | ولا في الصبح كان لها براح |
فان أك حالكا فالمسك أحوى | وما لسواد جسمي من دواء |
ولي كرم عن الفحشاء ناء | كبعد الأرض من جو السماء |
ومثلي في رجالكم قليل | ومثلك ليس يعدم في النساء |
فان ترضي فردي قول راض | وإن تأبي فنحن على السواء |
ألا ليت شعري ما الذي تجدين بي | غدا غربة النأي المفرق والبعد |
لدى أم بكر حين تغترب النوى | بنا ثم يخلو الكاشحون بها بعدي |
أتصرمني عند الذين هم العدى | فتشمتهم بي أم تدوم على العهد |
ألام على ليلى ولو أستطيعها | وحرمة ما بين البنية والحجر |
لملت على ليلى بنفسي ميلة | ولو كان في يوم التحالق والنحر |
نصيب بن رباح أبو محجن الأسود الشاعر مولى عمر بن عبد العزيز.
مدح عبد الملك
بن مروان، وشعره في الذروة.
تنسك، وأقبل على شأنه، وترك التغزل.
له ترجمة في (تاريخ دمشق).