قاضي القضاة أبو صالح الجيلي نصر بن الرزاق بن عبد القادر بن أبي صالح أبو صالح الجيلي عماد الدين البغدادي الشافعي، تفقه في صباه، ثم صحب محمد بن علي النوقاني الفقيه الشافعي، وقرأ عليه الخلاف والأصول وبرع في ذلك، وتولى التدريس بمدرسة جده بباب الأزج وبالمدرسة الشاطية عند باب المراتب، وبنيت له دكة بجامع القصر للمناظرة، وعقد مجلس الوعظ في مدرسته وكان له قبول عظيم، وأذن له في الدخول في كل جمعة على الأمير أبي نصر محمد بن الإمام الناصر لسماع مسند مسلم، فحصل له به أنس، فلما بويع له بالخلافة ولقب بالإمام الظاهر قلده قضاء يوم الأربعاء لثمان خلون من ذي القعدة سنة اثنتين وعشرين وستمائة، وخلع عليه السواد وقرئ عهده في جوامع مدينة السلام الثالثة، فسار السيرة المرضية وأقام ناموس الشرع ولم يحاب أحدا في دين الله وكان يملي الحديث في مجلس حكمه، ويكتب الناس عنه، ولم تغيره الولاية عن أخلاقه، وأقام على القضاء مدة أيام الظاهر، وتولى المستنصر بالله، فأقره على ذلك أربعة أشهر وأياما وعزله، وكان له رسم في رجب من الصدقة الناصرية يأخذه من البدرية، فاتفق تفرقته في بعض السنين في يوم الأربعاء وكان قد توجه لزيارة قبر أحمد بن حنبل، فلما عاد من الزيارة وجد الناس قد قبضوا رسومهم وانفصلوا، وقيل: إن رسمك قد دفع إلى الحكيم ابن توما النصراني، فامض إليه، فقال: والله لا أمضي إليه ولا أطلب رزقي من كافر، وعاد لمنزله متوكلا على الله تعالى وقال شعرا:
نفس ما عن ديننا من بدل | فدعي الدنيا وخلى جدلي |
ما تساوي أننا نمضي إلى | مشرك إذ ذاك عين الزلل |
إن يكن دين علينا فلنا | خالق يقضيه هذا املي |
ولم يزل ذلك الذهب عند الحكيم النصراني إلى أن مات، فأخذ من تركته وحمل إلى القاضي، ومولده سنة أربع وستين وخمسمائة، ووفاته سنة ثلاث وثلاثين وستمائة، وكانت جنازته عظيمة ودفن إلى جانب قبر أحمد بن حنبل وقيل بل دفن معه، وتولى ذلك الرعاع والعوام، وقبض على من فعل ذلك وعوقب وحبس، ونبش ليلا ونقل من موضعه بعد أيام وعفي قبره ولم يعلم أين دفن.