الموفق أبو العز الأعمى المظفر بن إبراهيم بن جماعة بن علي بن سامي بن أحمد بن ناهض بن عبد الرزاق، أبو العز موفق الدين العيلاني الحنبلي الشاعر المصري. كان أديبا شاعرا مجيدا، صنف في العروض مختصرا جيدا، دل على حذقه. وله ديوان شعر رائق، وكان ضريرا. ولد في جمادى الآخرة سنة أربع وأربعين وخمس مائة بمصر، وتوفي بها سنة ثلاث وعشرين وست مائة، ودفن بسفح المقطم. ومن شعره:
قالوا:عشقت وأنت أعمى | ظبيا كحيل الطرف ألمى |
وحلاه ما عاينتها | فنقول قد شغلتك وهما |
وخياله بك في المناـ | ـم فما أطاف ولا ألما |
من أين أرسل للفؤا | د وأنت لم تنظره، سهما |
ومتى رأيت جماله | حتى كساك هواه سقما؟ |
والعين داعية الهوى | وبه تنم إذا تنما |
وبأي جارحة وصلـ | ـت لوصفه نثرا ونظما؟ |
فأجبت: إني موسو | ي العشق إنصاتا وفهما |
أهوى بجارحة السما | ع ولا أرى ذات المسمى |
وغادة قالت لأترابها | يا قوم ما أعجب هذا الضرير |
أيعشق الإنسان ما لا يرى | فقلت والدمع بعيني غزير: |
إن لم تكن عيني رأت شخصها | فإنها قد مثلت في الضمير |
قالوا: إلى الخشبي سرنا على عجل | نلقى الوزير جميعا من ذوي الرتب |
ولم تسر أيها الأعمى، فقلت لهم: | لم أخش من تعب ألقى ولا نصب |
وإنما النار في قلبي لوحشته | وكيف أجمع بين النار والخشب!! |
أصلحك الله وأبـ | ـقاك، لقد كان من ال |
واجب أن تأتينا اليـ | ـوم إلى منزلنا ال |
خالي، لكي نحدث عهـ | ـدا بك يا زين الاخل |
لاء فما مثلك من | غير عهدا أو غفل |
كأنما مشمشنا | في الياسمين اليقق |
جلاجل من ذهب | في ورق من ورق |
جاءت بجسم لسانه ذهب | تبكي وتشكو الهوى وتلتهب |
كأنما في يمين حاملها | رمح لجين سنانه ذهب |
ومورد الوجنات أخفي حبه | عنه ولا يخفى عليه تموهي |
في خده لعذاره ولخاله | حرفان من يقرأهما يتأوه |
مولاي مالك لا تحنو على دنف | جفاك من هذه الدنيا وظيفته |
ما اسود خدك حتى ابيض مفرقه | مما يقاسيه واسودت صحيفته |
قبلته فتلظى جمر وجنته | وفاح من عارضيه العنبر العبق |
وجال بينهما ماء ومن عجب | لا ينطفي ذا ولا ذا منه يحترق |
تكون من برد زندها | وجمر السوار عليه ائتلق |
فلا ذا على ما علمت انطفا | ولا ذا - وحاشاه - من ذا احترق |
مولاي زرت وما عليك رقيب | ومضيت والسلوان منك عجيب |
كالطيف أو كهلال أول ليلة | في الشهر يطلع ساعة ويغيب |
وشادن ظل يجهل الصبى | أن المرودية شي يدوم |
قد كتب الشعر على خده | سامح ولا تغتر فالعسر شوم |
حييت من أهوى بباقة نرجس | نمت محاسنها على لحظاته |
وسقيته بيد المحبة خمرة | فبدت مصحفة على وجناته |
وشادن كان زمان الصبى | بدولة المرد له صوله |
قد كتب الشعر على خده | خفض فهذا آخر الدوله |
لحادي القوم ألفاظ عذاب | كما زعموا وفاتهم الصواب |
حدا فيهم بصوت جهوري | على نغماته طربوا وطابوا |
فقلت وقد بكوا لما تغنى | إذا نهق الحمار بكى الكلاب |
ومطرب لو صدقنا في محبته | لهان منا عليه المال والروح |
غنى فملنا على ألحانه طربا | مثل الغصون إذا هبت بها الريح |
والله لو أنصف العشاق أنفسهم | أعطوك ما ادخروا منها وما صانوا |
ما أنت حين تغني في منازلهم | إلا نسيم الصبا والقوم أغصان |
يا حاديا بغنائه وبهائه | يزداد فيه تشوقي وتلهفي |
شيئان فيك صبا الفؤاد إليهما | نغمات داود وصورة يوسف |
يا من يحيد عن الصواب ولا يرى | أبدا يميل إلى شريعة ملة |
ما أنت إلا لباذهنج مشيدا | مستقبلا أبدا لغير القبلة |
وشادن من رمد أصبحت | مقلته أحمر من عندم |
فقلت: عين كتمت قتلتي | فترجمت حمرتها عن دمي |
لي حبيب وصله معتزلي | يتمشى بدليل مانع |
كل من أبصره يحسبه | واصلي وهو لحيني قاطعي |
عجبا أخبره عن زفر | كيف لا يخبرني عن نافع |
وهو في الحب هواه مالكي | وخضوعي لرضاه شافعي |
فك اللثام عن الهلال فأقمرا | ونضا الفدام عن المدام فأسكرا |
ورنا فجرد حين أقبل أبيضا | ومشى فأود حين ولى أسمرا |
فرأيت أمضى البيض طرفا أحورا | ورأيت أنكى السمر غصنا مثمرا |
وعجبت من نار بصفحة وجنة | حمراء فيها الآس ينبت أخضرا |
ينشي إذا قبلتها بردا على | شفتي وفي كبدي ضراما مسعرا |
هي نار إبراهيم إلا أنهم قالوا | فكيف لنورها سجد الورى |
ما زلت أشرب مثلها عشقا لهم | حتى شربت من الدموع الأحمرا |
وأخذت ثوب تسهدي ألبستها | عين المنى وسلبتها عين الكرى |
وشققت قمص الليل عن جسد الضحى | ففتقت بالكافور منه العنبرا |
حتى أريت الليل أن نجومه | تخفى ونجم الدين متقدا يرى |
وحياته قسما وإنى صادق | والقول في أوصافه لا يفترى |
لولا أشعة نوره غطت على | كيوان قبل تحت رجليه الثرى |
ولو ارتضى بعض الكواكب خادما | أمسى لديه المشتري كالمشترى |
ولو اهتدى المريخ خر لوجهه | صعقا وكان بأخمصيه معفرا |
والشمس في سلطانها لا تقتدي | إلا به إذ كان منها أنورا |
والزهرة الزهراء غصن طلوعها | بنداه أورق في السماء وأزهرا |
وعطارد منه استمد فحظه | بالفضل أورد عن نداه وأصدرا |
وهلال عيد الفطر ما هو في العلى | والشبه إلا من قلامته انبرى |
ولسانه السيف الذي ما سله | في مجلس إلا أراك الجوهرا |
ويراعه وبنانه ما مد ذا | أو مد ذا إلا أبان وأوطرا |
كم في وزارته وزأرته إذا | زرناه أبصرنا المليك القسورا |
هني به العيد المبارك واعتذر | عني فإني ما برحت مقصرا |
قالوا: يقود أبو العز | قلت: لهذا عناد |
أعمى يقود وعهدي | بكل أعمى يقاد |
يا كهف دين الله تأوي له | فتية كهف قط لم يكفروا |
لا تنظم الإسطيل في كهفهم | فهو بسب الناس مستهتر |
ولا تقل دعه يكن كلبهم | فكلب أهل الكهف لا يعقر |
أبا العز قل لي ولا تجحد | علام نفوك من المسجد |
أحقا رأوك على أربع | وفي استك فيشلة الأسود |
لقد كذبوا وتجنوا عليـ | ـك بما سوف يلقوه في غد |
وحاشاك من سجدة للعبيـ | ـد وأنت لربك لم تسجد |
قالوا: هجاك أبو العز الضرير ولم | تجبه إلا بتهديد وإنذار |
فقلت: لا تعجبوا فالخوف أقلقه | العير يضرط والمكواة في النار |
دار فرانز شتاينر، فيسبادن، ألمانيا / دار إحياء التراث - بيروت-ط 1( 2000) , ج: 25- ص: 0